في الأكشاك هذا الأسبوع

الملك الحسن الثاني وابنه الملك محمد السادس.. سياسة عسكرية واحدة

 

   بشجاعة اعترف الملك الحسن الثاني بدخول بلاده السكتة القلبية، نقلا عن توقعات المخابرات الأمريكية في تقريرها لـ 26 مارس 1995، وجاء في الفقرة الرابعة: “إن أنظمة صديقة توشك على الانفجار وذكرت المغرب، وتورد الفقرة التاسعة، أن الملك لن يكرر نشر الجيش لمنع المظاهرات، وفشل الجهاز المدني قبل خمس سنوات في ذلك (وربما يقصدون داخلية إدريس البصري في أحداث فاس 1990) وتخوفت واشنطن من تحريك أي قطاعات مسلحة، وخبر مرض الملك منتشر ومؤكد في أغلب الأوساط”.

واقترح الحسن الثاني على الفرنسيين والأمريكيين بشكل متزامن، خطوة سياسية وصفها مصطفى العلوي بالعبقرية.

الحسن الثاني يمنع نفسه من مصير سوهارتو

   جاء في الحقيقة الضائعة ليوم 28 يناير 2000: “فعندما هب عشرة آلاف متظاهر في شوارع جاكارطا مطالبين باستقالة الدكتاتور سوهارتو. كلمته وزيرة خارجية أمريكا بالتلفون… وقالت له استقل، فاستقال ولا تخفى المقارنة على أحد، فقد كان المغرب على شفا انطلاق مظاهرات كمظاهرات جاكرطا، لولا أن الحسن الثاني ضغط على زر عبقريته مرة أخرى واستدعى زعيم المعارضة عبد الرحمن اليوسفي، وكلفه بتشكيل حكومة التناوب”.

   ويبدو أن الحسن الثاني حافظ على العرش والأمن والسياسة فأعاد تنشيطها مدنيا بفعل “التناوب”، وقرر خلفه الإطاحة بقيادات الأمن المدني وأعاد صياغته الاستخباراتية بشكل كامل، وحافظ على الجيش لاستقرار الوضع في الصحراء فأقبر اتفاقية هيوستن، وأطلق مبادرة حكم ذاتي للصحراويين، وجاء في تقرير لنفس الجهة الغربية: في آخر عهد الحسن الثاني، عمل الملك (الراحل) على منع تجميع الأسباب التي تدفع إلى انتفاضات “جديدة” واعتبرها من التحديات الخاصة في إدارته اليومية التي باشرها بنفسه.

   وبعد وفاته، ظهر بشكل مباشر، كيف دخل المغاربة في غرفة الانتظار بعد إقالة إدريس البصري، وعودة السرفاتي وولد بن بركة… يقول مصطفى العلوي عن هذا الإحساس “إنه يشكل التذمر والسخط… بعد انتظارهم ـ المغاربة ـ الدخول في مرحلة جديدة، والتي بدأت تفرض نفسها منذ السنوات الأخيرة من عهد الملك الراحل، بعد أن توقف المغرب وجف، وبدأت عواصف الفوضى والتسيب تعصف به من كل جانب، مهددة كيانه، وبقاءه، بل ولا مبالغة في القول، بأنها تهدد نظامه، وتهدد الملكية كاختيار”.

   وهذا التهديد بدأ حسب نفس الكاتب في 1990 التي عرفت انتفاضة فاس ونهاية الحرب الباردة، وقرر جراءها الملك الحسن الثاني تسليم الحكومة لرجال الكتلة بقيادة بوستة في مفاوضات جرت بمدينة إفران، وأراد الاستقلاليون ذهاب البصري قبل أن يقرر الملك نقل نفس الاقتراح إلى اليوسفي، وقبل الاتحاديون الوزارة الأولى بدون تحفظ.

   ورفض الحسن الثاني تغيير قيادة الأمن الداخلي في التسعينات وترك (كل تغيير في القطاعات المسلحة) إلى ما بعد موته واعتلاء خلفه العرش، فلم يكن يعتقد بالمطلق بتغيير كبير أو مزدوج.

الملك محمد السادس اعتنق عقيدة أبيه

   بقيت قيادة الجيش على ما هي عليه، وتغيرت ببطء لا يختلف فيه الملك محمد السادس عن عقيدة الحسن الثاني، الذي حرص على: استقرار القيادة في الجيش لاستقرار الوضع في الصحراء.

   ورغم ما يثيره (الانتظار) فإن تحركات المغرب بعد نهاية الحرب الباردة جاءت مدنية بشكل كامل، وعلم الملك الحسن الثاني أن خطأ صديقه الشاذلي بن جديد في جارته الجزائر يتمثل في إعلان خطة إصلاح المخابرات وخطة انفتاح سياسي وحزبي بشكل متزامن، فاختلطت الأوراق، ونقلت التقارير قول الحسن الثاني للشاذلي: أنت تفكر وعلينا أن ندبر أيضا.

   ويعرف الجميع أن التغيير الشامل في الدولة إشارة واضحة إلى مزيد من الانتظار ، والخطوات المتسارعة تلهي الشعب الذي إن لم تلهه يلهى عنك، وهو إما أن يشتغل بك أو ينشغل عنك.

يقول مصطفى العلوي، إن المغرب في انتظار “كودو” وأن الخوض فيما سيأتي من الانتظار يعتبر ضربا من ضروب “تصفيح أرجل الحصان الميت”.

   وفعلا لم يبق أمام المغاربة بعد حكم اليوسفي وعودة السرفاتي وبن بركة وباقي المعارضين، سوى طرق باب الجيش لإصلاحه، وتستشهد الحقيقة الضائعة بتطابق كلام الضابط الرامي في السبعينيات (الأسبوع عدد 93/531) وخرجات القبطان أديب في جريدة “لوموند” (عدد 16 دجنبر 1999) لكن الانتظار بقي، لتجزم الأجهزة الحساسة أن بصمة الملك محمد السادس العسكرية لا تختلف بالمطلق عن بصمة الحسن الثاني، وإن اختلف الملكان فيما عدا هذه النقطة.

   ولقطع حالة الانتظار التي تواصلت عاد العد العكسي إلى ما قبل اليوسفي بتعيين جطو، ليظهر أن حركة أخرى تبدأ من نفس المربع، يقول صاحب الحقيقة الضائعة (فقبل حكومة التناوب، كانت هناك حكومات كان يشكلها أحمد رضى جديرة وإدريس السلاوي وإدريس البصري، ثلاثي لا يمت بصلة لا إلى الكفاح الوطني ولا إلى النخبة الإصلاحية، فكيف يرجى أن يختاروا حكومة أحسن منهم، أم هل ننسى أن حكومة التناوب نفسها تم اختيار وزراءها من بين لوائح عرضت على الاختيار النهائي للإدريسيين: إدريس السلاوي وإدريس البصري).

ورغم غياب إدريس البصري تمكن طاقمه من العودة إلى ما قبل التناوب لإعادة العقدة والحل إلى مكان ومربع معروف.

   لم يكن ممكنا مع فيتو الجنرال لعنيكري على الإسلاميين إتمام مسار التناوب السياسي بين الأحزاب، وظهر أن حكومة “اليوسفي” الثانية ستواصل الاستقرار مع (المزيد من يأس الانتظار) فانتهى الحال إلى حكومة تكنوقراط أعادت رسم اللعبة الكلاسيكية وتبديل المواقع في مربع صغير.

   لم تكن هناك فكرة لمرحلة ما بعد خروج اليوسفي، ونزل علي الهمة خشية الفراغ والمزيد من الانتظار إلى المعترك وخاض الانتخابات وقاد لعبة “جديرة” من تحت باتجاه الفوق، لكن “انقلاب اللعبة المرسومة من ستينيات القرن الماضي”  وقلب المواقع لم يثر شيئا، وظل الشعب في انتظار طويل زاد عن عقد من الزمن، ووصلت أيام المغرب الحبلى عن العشرين سنة، تقرر بعدها وبفعل انتفاضة 20 فبراير تغيير دستور الحسن الثاني؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!