في الأكشاك هذا الأسبوع

استراتيجية الجودة الشاملة في قطاع التعليم

 

   في الواقع يمكن اعتبار الجودة فلسفة العصر، فقد استطاعت أن تخرج من بوثقة الاقتصاد والصناعة لتتوغل في مختلف القطاعات وفي الإدارة بشكل خاص، فرغم أن ظهور فكرة الجودة يعود إلى العقود الأولى من القرن العشرين وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية حيث شكلت فلسفة الجودة نقطة تحول في الاقتصاد الياباني الرامي إلى الخروج من الأزمة بفضل المفكرين “ديمنغ” و”جوران” اللذين عملا على إرساء نظام الجودة الذي عوض أنظمة إدارية أخرى، ومن تم استطاع أن يحقق قفزة هامة في اقتصاد اليابان وفي الصناعة اليابانية بشكل خاص.

   إن ارتباط الجودة الشاملة بالأزمة هو الذي جعلها عمدة في مختلف القطاعات والإدارات في الدول النامية اليوم التي تسعى إلى الخروج من أزماتها المتعددة.

  ولعل أبرز قطاع يعاني اليوم الأزمة خاصة في المغرب هو قطاع التعليم الذي كشف تقرير المجلس الأعلى ثغراته المتعددة مما يدعو إلى ضرورة الإصلاح ومن ثم الحديث عن جودة التعليم.

    والواقع أن جودة التعليم حسب الباحث في التربية عبد الكريم غريب، التربية تعني تلك “المعايير التي ينبغي توفرها في أداء المتعلمين وإنجازاتهم لتكون مستجيبة لما تم التخطيط له. وتترجم هذه المعايير إلى محكات مضبوطة لإصدار أحكام بخصوص مستوى أداء المتعلم ودرجة إتقانه، ولا تتحقق إلا من خلال أربعة أنواع من العوامل: العوامل المرتبطة بالمتعلم، والعوامل المرتبطة بأسرة المتعلم، والعوامل المرتبطة بالمدرسة والعوامل المرتبطة بمحيط المدرسة التعليمية.

فكيف يمكن تنزيل الجودة في التعليم على أرض الواقع انطلاقا من هذه العوامل؟

    – بالنسبة للمتعلم: يعتبر المتعلم المستفيد الأول من هذه العمليات والمقصود بالجودة ولذلك ينبغي إعداده إعدادا تاما لتقبل فلسفة الجودة منذ المراحل التعليمية الأولية، ويأتي على رأس هذا الإعداد التربية على القيم والأخلاق واحترام المؤسسة وإعداده نفسيا حتى يكون مستعدا للتعلم عبر أنشطة تربوية موازية فضلا عما يتلقاه في الفصل، فإذا لم يكن المتعلم مستعدا للتعلم فلا مجال للحديث عن الجودة، وإعداده لا بد أنه مرتبط بباقي العوامل السوسيوتربوية.

    – العوامل المرتبطة بأسرة المتعلم: تعتبر أسرة المتعلم أداة أساسية للمساهمة في تطوير التعليم والنهوض به بيد أن المتعلم يقضي فيها معظم أوقاته، فالأسرة ينبغي أن تربي بدورها الطفل بشكل خاص على الانضباط والتهييء النفسي والذهني والمادي للمؤسسة، وأن يكون دورها مكملا لدور المدرسة، فللأسف نجد كثيرا من الأسر تلقي حبل التلميذ على غاربه بل في أحيان كثيرة نجدها تهدم ما تبنية المدرسة، وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن دور جمعية الآباء ودور جمعيات المجتمع المدني ومن ثم عن مدرسة سوسيولوجية.

    – دور المدرسة: تبقى المدرسة النواة الأساسية للقيام بدورها باعتبارها تمثل مجتمعا مصغرا يضم إلى جانب المتعلمين الأطر التربوية ممثلة في المدرسين والإداريين والمساعدين التربويين وغيرهم، فالمدرس ينبغي أن يعد إعدادا تاما وذلكم لن يتحقق إلا عبر التكوين المستمر الذي يجب أن يوازي بين المعرفة ليلحق بتغيرات العصر وأسس التربية من بيداغوجيا وديداكتيك، والإدارة يجب أن تعتمد حكامة جيدة ورشيدة تقوم على الإشراك والمساءلة واحترام المتعلم واحترام الأطر وعدم اعتماد أساليب الوعد والوعيد التقليدية، بل عبر نهج سياسة حديثة تقوم على احترام كافة أعضاء المنظومة التربوية مع العمل على نشر الوعي بالجودة عبر أنشطة مختلفة عوض اعتماد المذكرات التربوية فقط.

    – محيط المؤسسة: من أولويات الميثاق الوطني للتربية والتكوين وما جاء في البرنامج الاستعجالي تهييء محيط المؤسسة للمشاركة في العملية التربوية والتعليمية وبالمقابل انفتاح المدرسة على المحيط، فأصبحنا نتحدث عن المدرسة المشاركة والمدرسة الجماعاتية والمدرسة المقاولاتية، وإن كان الهدف واحدا، حيث إن المدرسة يجب أن تنخرط في المجتمع عوض أن تنغلق على ذاتها، ومن أساسيات ذلك أن تنخرط هي في المجتمع وتتطور بتطوره، عن طريق جعل أهداف التعليم منسجمة مع الواقع وإعداد المتعلم للانخراط في سوق الشغل عبر شراكات مع المقاولات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وبالمقابل يجب تهييء محيط المؤسسة على أهداف التعليم وفلسفة جودة التعليم من خلال جمعيات الآباء ومساهمة الجماعات المحلية وتعزيز دور جمعيات المجتمع المدني وغيرها.

   وأخيرا يمكن القول إن الجودة الشاملة في التعليم تقوم على فلسفة متينة تدعو إلى انخراط الجميع فيها انطلاقا من المتعلم إلى المجتمع ككل، وينبغي أن يقوم الإعلام بدوره كذلك في هذا الصدد للرفع من قيمة التعليم وقيمة المتعلم وقيمة المشرفين على التعليم لأنه رافعة الإصلاح وبوابته.

سعيد سهمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!