في الأكشاك هذا الأسبوع
المستشار عزيمان كانت له مواقف شجاعة في تقويم مسار بعض الأحكام القضائية

بين زعزعة الزمن وفعفعة الوزير مزوار.. البحث عن المتغيبين من المستشارين الملكيين

 

بقلم: مصطفى العلوي

   يستهين الحكام عندنا، والحكام في الأمر الواقع المغربي، هم أولئك الذين حبكوا الانتخابات الجهوية الأخيرة، وطرزوها وأغذقوا عليها الملايير، بدون مبالغة، وهم الذين إذن يحكمون المغرب، ويتحكمون في مصائره، وحتى في بنكيرانه(…)، إن لم يكن من المجازفة القول إنهم يحكمون ويتحكمون في المغاربة، كبيرهم وصغيرهم، بدون استثناء. ألم يترك لنا الملك الفرنسي، لويس الرابع عشر، عبر الكاتب “ميشيل ديون”: ((إن الملك لويس الرابع عشر كان له هم وشغل واحد، هو إقناع الشعب الفرنسي، بأنه هو الحاكم المتصرف، ويتأسف لكون موقعه العالي، يمنعه من الاتصال بالجماهير الشعبية)) (كتاب ميشيل ديون. لويس 14).

   وكان الشعب الفرنسي يفهم ويلمس ويرى.. أن الملك لا يتصرف، وأنه يترك الحكم للمقربين منه، وقد طغوا وتجبروا، ليكون الشعب مضطرا لإعلان الثورة الفرنسية، في عهد لويس السادس عشر.

   وهكذا نعود لاستهانة حكامنا، بالقاعدة التي تحكم العالم اليوم، وهي أن أجهزة مخابرات كل دولة، تنقل الأخبار والتقارير، عن كل جهة في الدنيا، وليست المنظمات الحقوقية مثلا، وهي تغضب وزراءنا، كلما نقلت أخبارا عنا، إلا مرآة صغيرة لردود الفعل المصيرية، عما يجري عندنا من أخطاء يكون لها أثرها السلبي على المستقبل المغربي.

   مرة، وفي أعقاب انقلاب الصخيرات بستة أسابيع، جاءت بعثة عسكرية أمريكية لزيارة المغرب، استدعاها السفير الأمريكي “روكويل” إلى مأدبة عشاء في بيته، واستدعى لها الجنرال أوفقير، بصفته الرجل القوي في المغرب.. ويا لشقاوة المغرب مع الرجال الأقوياء، الذين يصنعهم كل عهد، ولا يوجد عهد يخلو منهم، وهكذا وقف الجنرال أوفقير – كما خلدت ذلك الوثائق الأمريكية لسنة 1971- ليتحدث للضباط الأمريكيين، الذين توقفت حركاتهم، عندما لاحظوا بأن الجنرال المغربي لم يذكر اسم الملك مطلقا، وكان هذا فيما بعد، موضوع نقاش الضباط الأمريكيين، مع مضيفهم السفير روكويل، الذي حل هذه الإشكالية بقوله: إن الجنرال أوفقير لا شعبية له في المغرب.

   يمكن اعتبار هذا الموضوع، مطويا مع السنوات الطويلة التي تفصلنا عن أحداث الصخيرات، وعن ظروف موت الجنرال أوفقير، لولا أن زمن الفضول الدولي(…) داخل الهياكل المغربية، عاد في عهد الملك محمد السادس ليتحدث جهاز الدفاع العسكري الفرنسي، عن الرجل القوي في عهد الملك محمد السادس، الوزير المستشار فؤاد الهمة، وإن كانت لا مقارنة إطلاقا بينه وبين الجنرال أوفقير، لكنه وبعد أن بدأ نجم الهمة يتصاعد منذ اللحظات الأولى لتنصيب الملك الجديد، وكانت الأجهزة الفرنسية، تتعقب حركات وسكنات الأجهزة المغربية، التي كانت، وربما لازالت خاضعة لنفوذ المستشار فؤاد الهمة، وكانوا قد استغربوا نموذجا من نماذج نفوذ هذا المستشار، عندما استطاع أن يسحب من بين الصحف التي يطلع عليها الملك محمد السادس، أسبوعية فرنسية كبرى، كتبت عن الملك، سطورا مطبوعة بقلة الأدب، والإساءة المقصودة، فقال التقرير السري لمخابرات الجيش الفرنسي(…) أنه ربما كان فؤاد الهمة هو الذي حال دون اطلاع الملك على تلك الأسبوعية الفرنسية، وزاد اهتمام الأجهزة الفرنسية، حسبما يظهر من هذا التقرير، بتحركات فؤاد الهمة، عندما عين وزيرا منتدبا في الداخلية، فكتب عنه التقرير الفرنسي: ((إن الهمة لاعب ممتاز، اشتغل مع إدريس البصري لمدة سبع سنوات، وهو الذي كونه وعلمه، وهو اليوم الوزير الحقيقي في الداخلية وليس مصطفى الساهل الوزير المعلن، لكن فؤاد الهمة – يضيف التقرير – يحمل في ثناياه بوادر الغضب، وله أعداء كثيرون في المحيط الملكي)) (ملخص عن هذا التقرير نشر في جريدة لوجورنال. 28/10/2006).

   سيكون من الغلط، التصور إذن، أن هذه العيون المدسوسة(…) التي كانت تراقبنا أيام الحسن الثاني وفي أيام محمد السادس، توقفت عن المراقبة والمتابعة وإحصاء الخطوات في عصرنا الحاضر، بل سيكون من الغلط أيضا، الاستهانة بظاهرة التطور الذي أدركته تلك الأجهزة، وقد قررت الأجيال المغربية المتحكمة اليوم، مواجهتها بطريقة جديدة، اسمها التجاهل وتكليف الصحف المجندة(…) بالإنكار والتكذيب، حيث المخططات الغالية الثمن في مجال التوجيه الحزبي والصحفي، تمخزنت بشكل غير مسبوق، حينما أصبحت قاعدة التعامل عندنا، تنطلق من المقولة السلطانية القديمة: (كم من حاجة قضيناها بتركها) (فلا عين رأت، ولا أذن سمعت).

   وكلما طرحت إشكالية بقصد زعزعة المغرب على المستوى الدولي، كلفنا وزيرنا في الخارجية ليقوم بفعفعة(…) الوضع، لذلك رأينا كثيرا من الدبلوماسيين العرب والأجانب في الرباط يبحثون بين أرشيفاتهم ومعارفهم، عن مدلول كلمة الفعفعة، التي قام بها وزير الخارجية المغربي تجاه الموقف السويدي الأخير.

   ليقول دبلوماسي أجنبي في الرباط: احتفظوا بوزيركم مزوار في الخارجية، لأن المغرب محتاج إلى فعفعاته(…) في المستقبل، وإذا نجح الحزب العمالي في الانتخابات البريطانية، فإن رئيسه قد يعترف بالبوليساريو قبل الإعلان عن قراره.. ولابد من فعفعته قبل أن يفعفعكم.

   الموضوع يرجع بنا إلى واقع التعامل المغربي مع القضايا المطروحة، واستهانة الأجهزة المكلفة بخطورة بعض الأخطاء المرتكبة في المغرب، على كثير من المستويات، وأثارها على السجل الدولي للمغرب(…) وما يجمعه الكثير من الذين يخططون لتقسيم العالم على مقاس مصالحهم، وكثيرا ما يستعينون في تسطير سيئاتنا، مستعملي المداد الجزائري، الذي يقطر عداء للمغرب، مقارنة مع الأسلوب المغربي الذي يستغني عن مداد المحابر، ويقنع بما تخطه الأقلام المذهبة(…).

   فلماذا الاستغناء عن تواجد أحزاب قوية في المغرب، أمام رغبة جلية ومخططات مقصودة، لكي تعلن هذه الأحزاب إفلاسها، ولماذا الحصار المصلحي المضروب على الصحافة رغم ألوانها وعناوينها، لتفادي نشر كل خبر أو موضوع قد يجر عليهم مشاكل وقف الإعلانات التجارية.. ولماذا انقراض وسائل الإعلام الحكومية، من إذاعة وثلاثة تلفزيونات(…) ووكالة الأنباء الرسمية، وضعف مردوديتها، رغم تضخم ميزانياتها.

ربما إنها مؤشرات قد تدعو الفكر المغربي، إلى الاندثار.. والمجد المغربي إلى الانهيار.

   ولنتحل ببعض الجرأة لنبحث عن المسؤول، عن هذا العجز والضعف الذي أصبح يطبع بسماته كل القرارات التي تهم السيادة المغربية، وقضاياها المصيرية وكيف يبقى من نسميهم، ونرى وجوههم مرة أو مرتين في السنة، خلال اجتماعات مجلس الوزراء،

   هؤلاء المستشارون الملكيون في الديوان الملكي بميزانياتهم وأجورهم وسياراتهم وبروطوكولاتهم، ولم يحدث يوما أو ليلة، أن سمعنا واحدا منهم يتكلم، أو يقدم عرضا عن المجال المكلف به، وربما لا يوجد منهم من يتكلف بشيء.

   وباستثناء المستشار عزيمان، الذي كانت له مواقف شجاعة، في تقويم مسار أحكام قضائية، صدر بعضها تحت تأثير العوامل النقدية(…) على المساطر العدلية(…)، فإن باقي المستشارين، لا يسمعون ولا يتكلمون، وقد مضى ذلك الزمن الذي خلد فيه الملك الحسن الثاني، خطورة مهمة المستشارين الملكيين، وقال: ((إني لا أختار مستشاري، إلا من بين الذين احتلوا مناصب وزارية هامة، ونجحوا، والذين يتوفون على تكوين سياسي على مستوى رئاسة الدولة، أولئك الذين يعرفون عاداتي، وظروفي، ليدخلوا عليَّ حتى إلى بيت نومي)) (نصف قرن من السياسة. عبد الهادي بوطالب).

   فمن هو المستشار الملكي الموجود في الديوان الملكي، من تنطبق في حقه مثل هذه الخصال، وهؤلاء المستشارين لا يراهم الرأي العام المغربي، إلا مصطفين على طريقة التماثيل الفرعونية في المعارض الأثرية، خصوصا عندما يتتبعون بفضول، دخول وخروج ذلك الوزير الفاشل، والمغضوب عليه، ورغم ذلك نراه يظهر مرة ويغيب مرة، وكأنه يستعمل صفة المستشار، ليصد عنه الضربات.

   وإن كانت الأحداث الأخيرة التي يسمح بنشرها على شبكات التلفزيون، تجعل المستشار فؤاد الهمة، وحده الشريك الجاد في جلسات العمل المصيرية، وهو الذي يهمس الكثيرون في آذان بعضهم، بأن هذه المهمة كلفني بها المستشار الهمة، ويبقى الاستنتاج الذي كتبه التقرير الأمني الفرنسي (بأن فؤاد الهمة هو الوزير الحقيقي، وليس وزير الداخلية).

   فهل لا يكلف المستشار الأسمى(…) رفاقه الذين يتحملون مسؤولية مؤسسة الديوان الملكي، على علو مقامه، وضخامة مسؤولياته، وهل يشتغل فؤاد الهمة وحده.. وهل يتحمل وحده مشاكل المغرب، ومصائبه، وها هو المستشار الكبير، يتمترس هو أيضا خلف جدار الصمت، ولم يعد لتلك الأنشطة، التي طبعت الأيام الأولى من ولايته(…) واجتماعاته بأقطاب الأحزاب، وجلساته مع المعارضين والمعترضين.

شيء ما إذن.. يحتم استمرار التساؤل، عن تلك الأيام التي كان فيها مستشارو الديوان الملكي، يفعفعون الوزارات والإدارات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!