في الأكشاك هذا الأسبوع

كيرك دوغلاس…مثل لصالح الإسرائيليين وهو مقتنع بالقضية الفلسطينية

 

بقلم: رمزي صوفيا

   خلال ستينيات القرن الماضي كانت موضة الأفلام الأوربية هي تسويق صورة غير حقيقية عن إسرائيل، وجعلها من خلال تلك الأفلام بمثابة حمل وديع. وكانت جل الأفلام تبين بأن شعبها هو مسالم لا يبحث سوى عن السلم وبأن العرب محتلون لأراضيها… لم تكن تلك الأفلام تكشف عن مذابحها ولا عن استيطانها للأراضي الفلسطينية وتشريدها لشعب فلسطين خارج دياره.

   لقد سمعت في تلك المرحلة من حياتي كصحفي، عن بداية تصوير فيلم ضد العرب والعروبة، حيث كان سيناريو هذا الفيلم سيشوه صورة العرب، خاصة وأن النجوم المشاركين فيه كانوا من ألمع الأسماء السينمائية الغربية، ومنهم “كيرك دوغلاس” و”فرانك سيناترا” و”جون واين” و”بول برينر”، وكانت النجمة النمساوية “أنجي دكنسون” حاضرة معهم بكل جمالها وأنوثتها، فقررت محاولة التقاء أشهرهم، ألا وهو “كيرك دوغلاس” وذلك مهما كلفني الأمر. وفعلا وعلى رأي المثل القائل: “الإصرار نصف النجاح” فقد تمكنت من الوصول إلى مسؤول كبير باستوديو التصوير وكان من أصل عربي، فطلبت منه تسهيل مأمورية دخولي إلى الاستوديو فقال لي: “هذا شيء شبه مستحيل إذا علموا بأنك عربي. ولكن لدي حيلة جهنمية ستجعلهم يسمحون لك بالدخول وذلك بأن تتقمص شخصية صحفي إيراني”. فضحكت وسألته: “وكيف سأتصرف إذا طلع واحد منهم يعرف اللغة الإيرانية”، فضحك ملء فمه وقال لي: “لقد اقترحت عليك هذه الحيلة لأنني أعرف بأنهم يجهلون اللغة الإيرانية جملة وتفصيلا”.

   وعندما دخلت إلى الاستوديو وجدت صحفيين من مجلات وجرائد كبرى مثل “التايمز” و”لايف” موجودين لمتابعة أطوار التصوير.

   وداخل الاستوديو وجدت نفسي أدافع بكل قوة عن مبادئ العرب وعن عروبة أرض فلسطين التي تحاول دولة إسرائيل تهويدها. وكنت أتحدث بلغة إنجليزية سليمة، فوقف الممثل المعروف “فيكتور ماتيور” أمام “كيرك دوغلاس” وقال له معاتبا: “كيف تسمح لجاسوس أن يتحدث ضد إسرائيل؟” فقلت له: “كيف تقول عني بأنني جاسوس؟” أجابني: “لأنك تدافع عن العرب ونحن نعلم بأن البقاء في أرض فلسطين سيكون لإسرائيل”، وهنا ثارت ثائرتي فوجهت كلامي إلى “كيرك دوغلاس” قائلا له: “نعم أنا صحفي عربي وقد حاولت التواجد بينكم حتى أتأكد من الدور القذر والوسخ الذي تلعبه السينما عندكم ضد قضية شعب بأكمله وضد أحقية هذا الشعب في أرضه وأنتم تعلمون حقيقة وعد بلفور، ثم تغالطون الحقيقة، وعلى أية حال فقد نزلتم في عيني كمشاهد لأفلامكم أما كصحفي فسأعرف كيف أفضح مناورات أعمالكم السينمائية التي تجندونها ضد عروبة فلسطين رغم أن منكم من زار لبنان ضمن هيئة الأمم المتحدة للوقوف على أحوال اللاجئين بها” وكنت أقصد “برينر” الذي التقيته قبل ذلك بسنة واحدة وهو يبكي بدموع كالتماسيح على أحوال اللاجئين المشردين من ديارهم في لبنان.

   خلال ذلك اليوم كادت الأمور أن تنقلب ضدي في الاستوديو، تحت نظرات كانت تفيض شرورا من النجوم المشاركين في ذلك الفيلم اللاإنساني.

   وعند مغادرتي للاستوديو ربت “كيرك دوغلاس” على كتفي قائلا لي: “أنا آسف ولكن للضرورة أحكام والبقاء للأقوى”، فقلت له: “لقد جئت لمحاورتك كنجم سينمائي ولكني الآن أرفض التقاءك أو القيام بأي حديث صحفي معك مادمت تحمل كل هذا الحقد للعرب”. فقال لي: “أنا ممثل عالمي ومع القوى الكبرى في العالم”، فقلت له: “ولكنك كممثل يجب أن تدافع عن القضايا الإنسانية بدلا من الانسياق وراء المظاهر والبروباغندا وتشويه الحقائق”، فقال لي: “أنا ممثل كبير ولدي عشرات الأفلام الناجحة ولست في حاجة للمزيد من النجاح”، فقلت له: “فعلا أنت كممثل فإنك تتمتع بنجاح باهر ولكن لا تنسى أن الجمهور العربي يعد بالملايين فلا يجب أن تستهين به”، قال لي: “ولماذا لا تتحدث السينما العربية عندكم عن هذه القضايا؟”، قلت له: “السينما العربية تترك الحقيقة لتظهر تلقائيا ومهما حاولت السينما الغربية تشويهها فلا يمكنها النجاح في ذلك”.

   ومرت السنوات تلو السنوات ولازالت قضية فلسطين عالقة بين شجاعة شعبها وبين دسائس الصهيونية العالمية، ولكن فرج الله قادم لا محالة ومصير القدس أن تكون عاصمة لدولة فلسطين. 

   وللإشارة فقد ولد “كيرك دوغلاس” من أب روسي في 9 دجنبر 1916، واشتهر بأفلام العنف واستعراض المهارات، وأشهر أفلامه “سبارتاكوس محرر العبيد وقائد ثورتهم”، وقد احتل المرتبة السابعة عشرة في قائمة معهد الفيلم الأمريكي 100 عام و100 ممثل، حيث قدم أفلاما ناجحة جدا مثل “عربة الحرب” و”الرجل المحترم” و”يولسيس” وكان يشكل ثنائيا ناجحا مع النجم “بيرت لانكستر” في عدد من افلامه.

   وبعد أكثر من 52 سنة على نجاح فيلمه سبارتاكوس، أعاد كيرك دوغلاس عرضه بنسخته الأصلية فحقق انتشارا كبيرا.

   ولكن الحياة لا ترحم فقد تعرض “كيرك دوغلاس” لعدة مصائب في عائلته، حيث توفي أصغر أبنائه: “إيريك” بسبب جرعة زائدة من المخدرات، ثم لحقت به الزوجة الأولى لـ”كيرك”: “ديانا دوغلاس” التي كانت ممثلة وعارضة أزياء وهي والدة ابنه “مايكل دوغلاس”. ومنذ فترة ظهر “كيرك دوغلاس” في برنامج تلفزيوني متأسفا على عدم استعماله لاسمه الحقيقي الذي هو “إيسور دوغلاس”، كما تحدث عن الرعب الذي عاشه ذات يوم عندما سقطت به مروحية، وتحدث عن العذاب الذي عاشه عندما تعرض لجلطة دماغية في سنة 1994، مما دفعه لمحاولة الانتحار، ولكن الحياة تستمر بحلوها ومرها.

   وبعد سنوات من العمل والشهرة استسلم “كيرك دوغلاس” لحكم الزمن وترك الساحة لابنه، مايكل، الذي جاء ليتربع على عرش أدوار الفتى الوسيم وليتحول إلى زير للنساء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!