في الأكشاك هذا الأسبوع
المهدي بنبركة والباحث إيغال بن نون

لماذا سكت الاتحاديون عن الباحث الذي اتهم بنبركة بتلقي أموال من إسرائيل

تفاصيل تبرئة الدليمي من مقتل المعارض الأول للمملكة في محكمة فرنسية

إعداد: سعيد الريحاني

   لأول مرة يخلد الاتحاديون ذكرى اختطاف المهدي بنبركة وهم منقسمون على أنفسهم، بين من اختار الوفاء لإدريس لشكر، المنتخب في المؤتمر الأخير لحزب الاتحاد الاشتراكي، وبين من رأى في المناسبة فرصة للتنكيل بالقيادة الجديدة، من خلال المشاركة في الذكرى الخمسين، التي دعا إليها عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي، ورمز تجربة التناوب، وقد وصل الخلاف بين الاتحاديين إلى درجة غير مسبوقة، حتى أن بعضهم شكك خلال اللقاءات الأخيرة، في أصول بنبركة، بل إن هناك من تحدث عنه، هو اليوسفي بشكل سلبي(..).

   وبغض النظر عن اختلاف الرؤى فيما يتعلق بالرسالة الملكية التي تلاها اليوسفي وهو يرتجف(..) مرتكبا العديد من الأخطاء، فإن الحديث عن بنبركة قد يفترض قراءة ما كتب عن “المعارض الأول للمملكة”، كما يفترض بالمنطق تحرك الاتحاديين للتفاعل مع ما يكتب عن زعيمهم، في إطار البحث عن الحقيقة.

   “لم يسبق لي أن قلت للصحفيين إن إسرائيل متورطة في اغتيال بنبركة، ولكني قلت أن أحمد الدليمي المسؤول عن الأمن الوطني، طلب مساعدة الاستخبارات الإسرائيلية للتخلص من جثة بنبركة، وحسب رأيي فالحسن الثاني لم يعط الأمر باغتيال بنبركة كما أن الدليمي ولا أوفقير لم يحيطا إسرائيل بنيتهما في قتل المهدي بنبركة”.

   الكلام المشار إليه أعلاه هو مقتطف بتصرف من مقدمة مقال كتبه مؤخرا “إيكال بن نون”، بصفته باحثا متخصصا في العلاقات السرية المغربية الإسرائيلية، وقد تضمن المقال معطيات، مثيرة عن المهدي، حيث يقول صاحبه: “إن بنبركة كان يحتفظ بعلاقات متميزة مع الإسرائيليين” و”أن الزعيم المغربي لم يكن يشكل أي خطر على إسرائيل.. بل على العكس، فإن بنبركة عمل لوقت طويل على مساندة الدبلوماسية العبرية وسط العالم الثالث، وذلك بمعية “عبد الرحيم بوعبيد”، كما اشتغل على ضمان حقوق اليهود في بالمغرب”.

   نفس المتحدث يقول (بتصرف): يوم 28 مارس 1960، استقبل بنبركة مبعوثا من طرف “كولدا مايير”، رئيسة وزراء إسرائيل اسمه: “يعقوب كاروز”، هذا الأخير يعتبر اليد اليمنى لرئيس الموساد، وقد طلب المهدي بنبركة خلال هذا اللقاء دعما ماليا لحزبه.. أما خلال منفاه الثاني بأوربا، فقد كان يتلقى راتبا شهريا من إسرائيل بواسطة “ألكسندر أسترمان”، عضو المنتدى العالمي اليهودي، ولكن علاقات بنبركة مع إسرائيل تدهورت عندما طلب أسلحة لاستعمالها في الاستيلاء على الحكم، وانطلاقا من تلك المقابلة، نصحت “كولدا مايير” السفارة الإسرائيلية في باريس بالاحتياط من بنبركة، والتقرب من المحيط المالي لولي العهد مولاي الحسن..

نفس المصدر يؤكد أن إسرائيل قطعت الراتب عن بنبركة، وسبقه توقيف اتفاق توافقي سنة 1961 حول تهجير اليهود من المغرب، وللإشارة فإن أوفقير لم تكن له أية علاقة بهذا الاتفاق، حسب قول الباحث الإسرائيلي، “إيغال بن نون”..

   كل هذه الاتهامات، ورغم خطورتها، لم تجد أدنى صدى لدى الاتحاديين، بل إن فقرات كاملة من البحث الذي أجراه الباحث السالف الذكر قد وجدت مكانا لها ضمن موقع هسبريس، الأكثر انتشارا حتى الآن، وقد كتب الصحافي طارق العاطفي نقلا عن صاحب المقال قوله: “أن إسرائيل لبت طلب الدليمي، حين نفي بنبركة مرة ثانية صوب أوروبا، بمراقبة تحركات المهدي واللقاءات التي شارك ضمنها.. لكن الإسرائيليين أوقفوا هذا التعاطي بعدما تم رصد تعقب أجهزة أخرى لما يقوم به بنبركة.. ويزيد بن نون (حسب نفس المصدر): “وفقا لتوثيقات حكومية إسرائيلية فإن الموافقة على مراقبة بنبركة قد كانت مبنية على التخوف من وقوع المعارض المغربي في فخ لجهاز يريد تصفيته.. والملك الحسن الثاني لم يكن ينوي قتل بنبركة، خاصة وأنه أرسل وزيره رضا اكديرة إلى باريس كي يقترح على المهدي بأن يعود إلى المغرب قبل انعقاد ندوة القارات الثلاث بهافانا، لكن بنبركة كان يفضل الحسم في قصد المغرب بعد هذا الموعد”.. ويردف: “لو كان المغاربة قد قرروا القضاء على المهدي بنبركة لما تم اختطافه في واضحة النهار بتقاطع شارع سان جيرمان بزنقة رين.. وإنما كان سيتلقى رصاصة في الظهر وسط إحدى الزقاقات المعزولة بجنيف أو القاهرة.. خاصة وأن بنبركة استقر لـ 9   أشهر في مسكن للثنائي “جاك جيفي” و”إيزابيل فيشنياك” بالمنزل 18 من زنقة بُومُون في جنيف”. (المصدر: موقع هسبريس).

نفس المصدر يلخص سيناريو مقتل بنبركة، حسب شهادات جمعها، ابتداء من سنة 1996 من مصادر وصفها بالموثوقة، بأن بنبركة تم إغراقه من طرف مجموعة من المغاربة على رأسهم أحمد الدليمي وميلود التونزي، المعر وف بالشتوكي، الذين كانوا يغطسون رأسه في حوض الماء لنزع الاعترافات، مما أدى في إحدى اللحظات إلى موته، ومباشرة بعد موته اتصل أحمد الدليمي بمدير الموساد في باريس، “إيمانويل تادامور”، وطلب منه المساعدة على التخلص من الجثة، وقد تلقى “إيمانويل”، أمرا من رئيس الموساد، بمساعدة الأصدقاء المغاربة.

   يحكي “إيغال بن نون”، تفاصيل كثيرة عن سيناريو إخفاء جثة بنبركة، بمساعدة الموساد، ابتداء من نقلها من شقة صغيرة في باريس، موجودة بالطابق الأول، عبر صندوق سيارة دبلوماسية في ملكية المدعو “شالوم باراك”، وكيف أن حاملي الجثة توجهوا نحو الطريق الجانبية بباريس حيث تم دفن بنبركة في غابة صغيرة، شمال شرق باريس، في مكان اعتادت عائلات وأعضاء جهاز الموساد التنزه فيه، وكان رجال الموساد قد سكبوا على الجثة مواد كيماوية، كانوا يشترونها بكميات صغيرة من كميات باريس، وقد كانت ذلك كافيا لتحلل الجثة، مباشرة بعد سقوط الأمطار..

   طبعا لا أحد يستطيع أن يجزم بمكان تواجد قبل المهدي بنبركة باستثناء بعض الشهادات النادرة منها شهادة قيدوم الصحافيين مصطفى العلوي، الذي يقول: “على هامش الحديث عن موقع المهدي بنبركة، وقد سكت عنه الكثير، إلا أن الملك الحسن الثاني تأكد من موقع هذا القبر، وبنى في محيطه مسجدا.. أطروحة واحدة تؤكد هذا المسار وتعطيه مصداقية كبرى، ولماذا..؟ لأنه من المؤكد، أن الملك الحسن يعرف.. كما تعرف المجموعة المغربية التي كانت مرافقة للجنرال الدليمي يوم 29 أكتوبر 1965، والتي لازال عدد من أعضائها متواجدين يأكلون القوت وينتظرون الموت، فإن الحسن الثاني الذي يعرف موقع دفن بنبركة، هو الذي أمر في سنة 1984 ببناء مسجد مغربي فوق الموقع الذي دفن فيه المهدي بنبركة.. وصرف على بناء ذلك المسجد من ماله الخاص، وهو المسجد الذي لازال قائما إلى الآن، ويسمى مسجد إيفري كوركورن..” (المصدر: مذكرات صحافي وثلاثة ملوك).

يؤكد العلوي في نفس المصدر، وجود صراع قوي بين أوفقير والدليمي في قضية اختطاف المهدي بنبركة، ويؤكد جزئية غير معروفة، وهي أنهما لم يتفقا على شيء في حياتهما، بل كانت علاقتهما عبارة عن صراع طويل، لم ينهه إلا موتهما معا” (نفس المصدر).

   نفس الكاتب، مصطفى العلوي، يمكن اعتباره خير شاهد على المحاكمة، التي تلت اختطاف المهدي بنبركة سنة 1965 بباريس، نظرا لعلاقته مع زعيم الاتحاديين، حيث يقول: “من خلال قراءتي للتقارير الصحفية التي جعلت من قضية المهدي بنبركة قضية الساعة، وبعد المحاكمة الأولى التي جرت في قصر العدالة بباريس، بدأت تظهر بوادر الترتيب والتنسيق بين الأجهزة الفرنسية والمغربية، حينما توقفت تلك المحاكمة الأولى عند حالات مسطرية، فوجئ العالم بعدها بالجنرال أحمد الدليمي يقرر تسليم نفسه للقضاء الفرنسي، والذي يعرف الدليمي يعرف أنه لن يقدم على قرار مماثل بتلقائية ودون ترتيب مسبق، وأنا كنت أعرفه حق المعرفة، حيث ربطتني به صداقة عندما ذهبت يوما لتغطية إحدى معارك جيش التحرير في منطقة “مير اللفت” جنوب أكادير، وقد حضرت فعلا تلك المعركة، ومازال بعض الذين شاركوا فيها أحياء إلى اليوم، وشهدت يوم أقلعت آخر طائرة إسبانية بما تبقى من الجنود الإسبان في المنطقة، فيما طلقات بنادق المقاومين تطاردهم” (المصدر: كتاب صحافي وثلاثة ملوك).

   يحكي العلوي تفاصيل محاكمة الدليمي في كتابه ما قبل الأخير: “عندما سلم الدليمي نفسه للقضاء الفرنسي وأصبحت صورته محاطا برجال الأمن تعتلي أغلفة المجلات والجرائد، بدأت جلسات المحاكمة الثانية، والتي حضرتها كل الأطراف المعنية، كما حضرها عدد من الشهود المغاربة، فيما كانت هيئة الدفاع عن عائلة المهدي، يرأسها الاتحادي مولاي المهدي، الذي أصبح بعد ذلك سفيرا في الأردن، وكان الجانب الحكومي في هذه المحاكمة ممثلا في القطب القانوني، المرحوم محمد بنجلون، وزير الإعلام السابق، بينما كان عدد من المتابعين الفرنسيين، يحاكمون في حالة سراح.. وبعد افتتاح الجلسات برئاسة “جان بيريز”، كان المتتبعون في كل جلسة يترقبون تلك اللحظة، التي يمثل فيها أحمد الدليمي مثقلا بالسلاسل، وعندما كان يتم ذلك، وتفك السلاسل، عن الجنرال المتهم، ويتم إجلاسه في قفص الاتهام، تنطلق سلسلة من تعاليق الصحافيين والمحامين الحاضرين.. وفي الجلسة الثالثة أو الرابعة، طرحت إشكالية ترجمة تصريحات الشهود المغاربة، وحصل أن الشاهدين الأولين لا يتحدثان الفرنسية، فأثار رئيس الجلسة ضرورة التوفر على مترجم، من أجل مواصلة المحاكمة، وهنا رفع الدليمي يده من داخل قفص الاتهام، وتحدث عن عدم رغبته في تطويل الجلسات، وقال إذا كان المشكل في الترجمة، فإن هناك صحفيا مغربيا يمكنه أن يقوم بهذا الدور، وأشار إلي، فطلب مني الرئيس ما إذا كنت أقبل أن أكون مترجما، فأجبته أنني إذا قبلت بي الأطراف المتنازعة مترجما، فإني أقبل، فاستدعى الرئيس محامي أسرة المهدي بنبركة، مولاي المهدي العلوي، فقال إنه لا يمانع في الأمر، ثم استدعى مجيد بنجلون، والذي قبل مهمتي بدوره، فتوليت عملية الترجمة إلى غاية الساعات الأخيرة التي صدر فيها الحكم ببراءة الدليمي، لكنني لحظتها، فوجئنا بأن الصحافة التي كانت تواكب محاكمة الدليمي، نسيت الموضوع، وراحت تتسابق لتغطية أطوار حرب الستة أيام، والتي اندلعت في اليوم نفسه”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!