في الأكشاك هذا الأسبوع

كواليس الاتفاقيات التي تخللت الزيارة الملكية للأقاليم الجنوبية

   عادل قرموطي (هبة بريس)

 

      تعتبر الزيارة التي يقوم بها الملك محمد السادس للأقاليم الجنوبية للمملكة، تزامنا مع تخليد الشعب المغربي لذكرى المسيرة الخضراء، محطة تاريخية سيكون لها الوقع الايجابي على هذه الربوع، من خلال المستقبل الزاهر الذي ستصبح عليه عقب الانتهاء من تنفيذ اخر بند تضمنه المخطط التنموي الذي أشرف على انطلاقته الملك محمد السادس بقصر المؤتمرات بمدينة العيون، و لعل ما تضمنه المخطط التنموي من مشاريع و أوراش كبرى لأكبر دليل على العناية الخاصة التي توليها الدولة للأقاليم الجنوبية، التي تعتبر قطرا في طور التقدم نحو أن يصبح مركزا للتجارة في افريقيا، و وجهة لليد العاملة المغربية.

و بالرغم من أن بعض الجهات تحاول تسويق بعض الأفكار التي تخدم أجندات معروفة، بغرض التقليل من شأن المشاريع التي أشرف و سيشرف على انطلاقتها الملك محمد السادس، الا أن الدولة قد اتخدت و بذكاء، جميع التدابير التي من شأنها أن تضفي طابع المصداقية على هذه المنجزات، و هو ما اتضح من خلال طبيعة المشاريع التي تم الاعلان عنها، و كذا الجهات و الفرقاء المساهمين فيها، خصوصا و أن الدولة تعمدت توقيع اتفاقيات مع عدد من المقاولات الخاصة في اطار محاولاتها تشجيع هذه الوحدات مع مراعاة أسبقية المقاولات المحلية التي أعلنت مسبقا عن احصائيات عكست صورة الجدية التي تغلب على المخطط التنموي الجديد.

و بالنسبة لمنجم فوسبوكراع، فقد تعمدت عدد من الجهات التشويش على سيره العادي، من خلال نشر ادعاءات تروج لمغالطات بغرض محاولة توهيم الرأي العام بأن هذا المقلع الطبيعي يتم استغلاله بشكل غير قانوني، بل أن بعض المنابر الموالية للجزائر تعمدت في مناسبات سابقة، الترويج لمردودية مخالفو تماما للمردودية الحقيقية لفوسبوكراع، فيما أن حقيقة الأمر توحي عكس ذلك، خصوصا و أن المكتب الشريف للفوسفاط سبق و أن أعلن بأن هذا المنجم استهلك من الأموال أكثر مما أعطى، و لم يصبح ذا مردودية الا بعد سنة 2007، و هو ما يفند ادعاءات خصوم وحدة المغرب الترابية الذين يحاولون جاهدين اجهاض جميع المحاولات التي يقوم بها المغرب في سبيل النهوض بمستوى أقاليمه الجنوبية و جعلها تضاهي كبريات المدن الافريقية.

و يتساءل عدد من المواطنين المتتبعين للأنشطة الملكية في الصحراء، عن الأسباب التي حالت دون مشاركة عدد من الشركات الخاصة في النموذج التنموي الذي يرتبط نالمصلحة الوطنية، حيث أن شركة “ناريفا” هي الوحيدة التي ظهرت في الاتفاقيات الموقعة في اطار 60 مشروعا، بين القطاعين العام و الخاص، في ظل غياب واضح لعدد من الشركات التي ظلت تستفيد من امتيازات الدولة، كشركة أولماس، و مايكروسفت، و أوطوهال، و مروا، سنام هوليدينج… و هو ما يطرح أكثر من تساؤل حول محل اعراب الشركات المواطنة عن هذا الحدث التاريخي و مدى استعدادها للتضحية من أجل انجاح مشاريع تصرف عليها الدولة الملايير خدمة للقضية الوطنية.

و انسجاما مع خصوصيات المنطقة العلمية و الدينية، فقد شكل انشاء مدارس عتيقة في كل من العيون و الداخلة و السمارة العاصمة العلمية للصحراء المغربية، التفاتة من الدولة و استجابة منها لعدد من النداءات التي تم توجيهها في وقت سابق، غير أن ادراج مركبات الأحباس بالعيون و الداخلة و و مدرسة التعليم العتيق بالداخلة، يقتضي تكثيف الجهود من أجل حل مشكل التأخير في تهيأة العقار الخاص بالأوقاف، و جعله ملائما لاحتضان هذه المعالم الدينية، خصوصا مدارس التعليم العتيق التي ستشرف على انجازها وزارة التربية الوطنية، لما ستتضمنه من تجهيزات و وسائل حديثة ستساهم بشكل كبير في مردوديتها، خصوصا فيما يخص التعليم العلمي و الاعلاماتي و أماكن اقامة الطلبة، ما يوحي بأن دور هذه المؤسسات سيشمل أيضا مجال محاربة الأمية في صفوف الشباب.

و من بين المشاكل التي سيتم حلها بفضل النموذج التنموي الجديد، مشكل لطالما شكل عائقا أمام مجهودات الدولة في مجال محاربة دور الصفيح، و المتعلق بمخيم الكيز و مخيم الربيب، و الذي لم يتم اعادة ايواء ساكنته، لعدة أسباب لعل أهمها، هو عدم الوصول لحلول نهائية بخصوص لوائح المستفيدين، و الذي ظل يشكل خلافا بين الساكنة و السلطة تسبب في أكثر من مناسبة في موجة احتقان تطورت بسبب أخطاء أمنية في عهد الادارة البائدة، الى احتجاجات عارمة بمدينة السمارة، غير أن التطرق اليه داخل فصول المخطط التنموي الجديد يعتبر بادرة خير من شأنها أن تنهي معاناة الساكنة مع دور الصفيح، و التي أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بمساعدة الدولة على اعادو ايوائها من خلال تيسير التواصل حول لوائح المستفيدين، و مناقشة الأمر بكل جدية و موضوعية.

النموذج التنموي، أنجز على عدة أسس من بينها اشراك جميع فعاليات المجتمع المدني المحلي بالصحراء، غير أن ذلك ليس وليد اللحظة، حيث يلاحظ أن الدولة قد أصبحت تشرك المجتمع المحلي في جميع الخطوات التي تتخدها في الصحراء، و ذلك منذ اعطاء الانطلاقة لمشاريع المبادرة الوطنية للتنمية الاجتماعية، و التي تم من خلالها انجاز مركز لتصفية الكلي باقليم طرفاية، بدعم من أحد المحسنين، و هو ما يفسر ما سبق ذكره بخصوص تواصل الدولة بشكل مثمر مع المجتمع المحلي، حيث أنه و حسب المعطيات المتوفرة، فان هذا التواصل قد ساهم بشكل كبير في الطفرة العمرانية التي تعيشها مدينة العيون، خصوصا و أن جزءا كبيرا من مشاريع الاسكان التي تم انجازها في هذه المدينة، تم تمويلها المبدئي من الدفعات التي قدمتها الساكنة ك “تسبيق”.

و يمكن اعتبار النموذج التنموي، استكمالا للمسيرة التنموية التي أطلقها المغرب منذ استرجاعه للصحراء، خصوصا في عهد الملك محمد السادس، الذي أبان عن اهتمام خاص بهذه الربوع من المملكة، حيث يلاحظ أن عددا من المشاريع التي تضمنها، و التي سيشرف على تدشينها الملك خلال اقامته بين ظهران الصحراويين، قد أنجزت من قبل، , ان تواريخ تدشينها تأتي شهورا بعد استكمال الأشغال بها، و هو ما يوحي بأن تنمية الاقاليم الجنوبية للمملكة مستمر منذ عقود، ليأتي النموذج التنموي كمنعطف تاريخي من شأنه أن يسرع من وتيرة التنمية في الصحراء و أن يجعلها محطة تجارية و استراتيجية لدول غرب افريقيا، كل هذا دون أن غفل التنويه بالمجهودات التي قامت الجهات القطرية في تمويل عدد من المنتجعات على مستوى أماكن متفرقة من الصحراء المغربية، و التي ستضفي على هذه المناطق نكهة سياحية خاصة، تجمع بين سحر الطبيعة، و جودة الخدمات السياحية.

و رجوعا الى الاتفاقيات التي تم توقيعها بقصر المؤتمرات بالعيون، فان ما يمكن استنتاجه من خلال متابعتنا لنقل أطوارها عبر القنوات العمومية، هو الدعم القوي للمؤسسة الملكية و الدولة بصفة عامة من خلال حضور الملك شخصيا، الى جانب رؤساء الجهات الثلاث للصحراء، الذين تم انتخابهم مؤخرا، و الذين سيكون لهم شرف رئاسة مكاتب التنفيذ الجهوية، كما أن التصوير التلفزيوني الجيد، مكن من اكتشاف المتتبعين للحفل عبر شاشات التلفاز، حضور شخصيات من جزر الكناري، و من أروبا، ما يوحي بالأهمية التي يوليها الشركاء و الأصدقاء من الدول الصديقة لهذا المخطط، و ذلك بفضل مواكبتها من طرف الملك محمد السادس شخصيا، الذي تندرج زيارته الأخيرة في اطار الرقي بالتعاون جنوب-جنوب، الذي تمت مناقشته بشكل معمق بالمؤتمر الذي احتضنته الهند قبل أيام.

و من بين الأشياء التي تضمنها المخطط التنموي، و التي تشكل أهمية بالغة بالنسبة للمواطنين، تعزيز البنيات التحتية في المجال الصحي، و ذلك من خلال تدشينات سيشرف عليها الملك محمد السادس، و ستشمل عددا من المرافق الصحية، التي سيكون للمرأة فيها حصة الأسد، حيث سيتم تدشين مركز لتصفية الكلي بالعيون، و المركز الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة ببوجدور، و وضع الحجر الأساس لمستشفى طرفاية، بالاضافة الى توسعة مستشفى السمارة، كل هذا اضافة الى وضع الحجر الأساس لكلية العلوم الشرعية بالسمارة، و حمل مياه الأمطار الى مدينة كلميم، زيارة الى ميناء الداخلة و معهد التكوين و التدريب البحري، أما فيما يخص مجهودات الدولة في الرقي بالثقافة الحسانية، فان تقديم مشروع متحف الداخلة سيكون له الوقع الايجابي في حفظ التراث الحساني، و توثيق العلاقات التي جمعت الصحراويين بالملوك العلويين منذ قرون.

error: Content is protected !!