في الأكشاك هذا الأسبوع

الرباط “نوبل” عند تونس

بقلم: بوشعيب الإدريسي

   وقعت العاصمة الرباط مع العاصمة تونس بتاريخ 2 مارس 1987 وثيقة تآخٍ وتوأمة ينص البند الأول منها على ما يلي: “يعلن الطرفان الأخوة الدائمة أمام التاريخ” وها هي الرباط أخت تونس تفي بتعددها وتشارك أختها شرف “توسيمها” بوسام “نوبل” أكثر من كونها مجرد جائزة هذا “الوسام” الذي يدشن دخوله للمغرب العربي من بوابة تونس، ونعتبره انطلاقة لاكتشاف ما يزخر به هذا الجزء من العالم من طاقات نبيلة تستحق “وسام” نوبل. فصحيح أننا كنا نتمنى لبلادنا “وساما” من “أوسمة” نوبل. وصحيح كذلك لو سألنا: من الأحق بالتوسيم: تونس أو الرباط؟ لما ترددنا في اقتراح الأخت تونس لحكمة نسائها ورجالها الذين كسروا عبادة المقاعد والسلطة، ودفنوا خلافاتهم واختلافاتهم واستحضروا تاريخهم المجيد وأصالتهم المتجذرة، وأكدوا بأنهم شعب الاستقرار ينبذون الشغب والانقلابات والفوضى باسم “الثورة”، هذه الفوضى التي تسلطت على جيرانها في ليبيا وفي اليمن وفي العراق وفي سوريا، وحفظ الله مصر منها بفضل حكمائها، بينما الدول الأخرى وتحت تخدير المخدر “الثورة” تحولت إلى مقابر وخراب بعدما هدموا مآثرها. وأحرقوا بناياتها، وفجروا قناطرها، وشردوا إنسانها الذي تاه راجلا باكيا للبحث عن مكان به سقف من قصدير وخبز وزيتون مع الأمن والأمان والحرية، وشتتوا أوطانهم وسلموا إخوانهم للذبح والتقتيل ليفوزا “برقعة” يحكمونها حكم المافيات، وليس تسيير شؤون شعب هو نفسه شعوب وقبائل بتقاليدها المختلفة وعاداتها التي يجب احترامها من الآخر. ولا يمكن أبدا أن يقود شعب إلا من ألهمه تعالى صفات الحكيم الذي يحترمه الشعب وليس الحاكم الذي يخاف منه الشعب، الحكيم يكون فوق العساكر، والحكومة والأحزاب بالاحترام لمقامة حتى تكون حكمته حكما بين هذا الثلاثي، ضمانا لاستقرار ووقاية الشعب من عبده المناصب، وهكذا فكرت الأخت تونس، وانتشلت البلد من فك التماسيح التي كلما لاحت لها “فريسة” إلى وتذرف دموعها لكسب عطف وثقة “الضحية” حتى إذا اطمأنت هذه الأخيرة لدموع التماسيح، انقضت عليها وجعلتها طعاما تسد به جوعها، وهذا ما وقع في البلدان التي لا تزال إلى اليوم تعيش ويلات الحروب والذمار والاقتتال في تونس بلاد الشاعر أحمد شوقي، والمجاهد الحبيب بورقيبة رحمه الله، وبفضل وعي الإنسان التونسي الذي عبر عن حضارته، وثقافته، وأصالته بانتفاضته ضد الذين حولوا تونس الشقيقة إلى ضيعة ووزعوها  على الأصهار والأقارب، وأمهلهم التونسيون سنوات لعلهم يتوبون وبعد الانغماس في الفساد، انتفض أحفاد بورقيبة، وخلعوا الرئيس ورحلوا المفسدين، وأبعدوا الأذى عن الوطن ثم عادوا وانكبوا باعتماد الحوار، واستعمال العقل ومصلحة الوطن، وكلف ذلك تنازلات أحزاب وتضحيات شخصيات للوصول إلى الحل، ولم يكن هذا الحل سوى العودة إلى الأصالة بالعودة إلى الجذور إلى الفكر “البورقيبي” لإنقاذ تونس من زلزال الثورة لهذا استحقت الأخت تونس النبيلة وسام “نوبل” فهنيئا لها من أختها الرباط التي تفتخر بحكمة أختها وتجدد لها الأخوة الدائمة.

error: Content is protected !!