في الأكشاك هذا الأسبوع

فرنسا وفرت الحماية للبصري دون أن تسمح بعلاجه في مستشفياتها العسكرية

   في تقرير المخابرات الأمريكية لشمال إفريقيا، وفي الفقرات 7 من  ملخص البرقيات الموجهة نهاية 1999 (21 دجنبر) ما يفيد بالحرف أن فرنسا حمت حياة البصري وطلبت تسهيل نقله إلى العاصمة باريس للعلاج، دون أن تسمح له بدخول أي من مستشفياتها العسكرية، ربما كي لا يرتبط الموقف بالجيشين الفرنسي والمغربي أو بهاجس الانقلاب الذي رفض إدريس البصري “أي اتهام به” في حواره مع السفير الفرنسي الذي توصل إلى تسوية مكنته من جواز فرنسي قبل أن تطلب الرباط وقف هذا الإجراء وسلمت سلطاتها جوازا للذهاب إلى باريس، وفرض الفرنسيون على وزير داخلية الحسن الثاني عدم نشر وثائق سرية كاملة أو أي سر عن العمليات الفرنسية في المغرب أو العمليات المشتركة في 673 قضية تدخل ضمن أسرار الأمن القومي للبلدين.

   وتدخل أمير سعودي وشقيق الملك لتسهيل اتفاق (الجنتل مان) الذي عززته مكالمة ودية بين شيراك والعاهل المغربي دامت 21 دقيقة.

الدور الفرنسي الذي قام به شيراك في 29 أكتوبر 1999

   وجه الصحافي مصطفى العلوي في عموده ليوم 7 يناير 2000 بنانه إلى زيارة قام بها شيراك في 29 أكتوبر 1999، وقال بشأنها: “ألا يقول الكثير منهم بأنه لم يسبر بعد أغوار زيادة الست ساعات التي قام بها الرئيس الفرنسي شيراك إلى المغرب والتي اجتمع فيها رأسا لرأس بالعاهل الملك محمد السادس، والتي كانت متبوعة ـ قصدا أو مصادفة ـ بإزاحة كل ما كان ينيخ على صدر المغاربة، ككلل ناقة على صدر بدوي، اسمه جبروت وزير الداخلية “وقد أزيح بطريقة حضارية تتوافق مع أسلوب القرن الجديد”، وكان البصري أكثر حظا من سلفه الجنرال أحمد الدليمي، الشخصية القوية التي قبله، والذي لقي حتفه في حادثة(…) في حدائق النخيل، مع لقيا المغفور له الملك الحسن الثاني مع الرئيس الفرنسي ميتران، والذي كان معروفا عنه أنه كان يثق كثيرا في الأجهزة الخاصة، وتكشف الأسرار أنه قدم في السنوات القليلة الماضية يد العون للمغرب في كثير من الحالات”.

لقاء شيراك والحسن الثاني عجل بغياب الدليمي

   كشف مصطفى العلوي عن الثقة الكبيرة لفرانسوا ميتران بالأجهزة الخاصة، وفي لقاء ميتران والحسن الثاني الذي عانى من انقلابيين، تقرر “تغييب الدليمي” عن الساحة، واستبعد كاتب الحقيقة الضائعة الرؤية الفرنسية في حينه والتي قالت: إن الحسن الثاني استغل لقاءه مع الرئيس الاشتراكي الذي حمى منتقدي العرش، وضغط بقوة على ملف الصحراء للتخلص ممن فكر في الانقلاب (الدليمي)، حسب اتهامات الأجهزة الخاصة، وبذكاء حمى الملك الراحل بتغييب الدليمي علاقات الجيشين الفرنسي والمغربي في وقت حساس، وحسب تقييم الأوراق الأمريكية، فإن إزاحة الدليمي كانت “إزاحة ضرورية” لوقف إطلاق النار ودوامه في الصحراء.

   وجاء خوف الدولتين مزدوجا، من عدم الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار في الصحراء، ومن عودة شبح الانقلابات، إن بقي الدليمي في المغرب، ولم تتمكن الرباط  بعد سنوات من تحمل بقاء وزير داخلية نافذ في بيته.

ميتران قدم يد العون للمغرب في حالات استخبارية حساسة

لمح مصطفى العلوي إلى التعاون بين الرباط وباريس وسماه العون الفرنسي للمغرب في كثير من الحالات على مدار السنوات الأخيرة، وترك الإجابة عالقة إلا من معامل مركزي في السياسة المغربية هو فرنسا، وقال عما سماه الحضور الأزلي لفرنسا بأنه “العنصر الفاعل في 1890، مثلما هي العنصر الفاعل المتصرف في 1990”.

   وقال في هذا الصدد “في نهاية القرن الماضي خلفت وفاة الحسن الأول مغربا ممتد الأطراف إلى حدود السودان، وفي نهاية هذا القرن، خلف الملك الحسن الثاني مغربا مسترجعا لصحرائه التي كانت من مخلفات الحسن الأول، ولكن ملف الحدود في عهد الحسن الأول كان ملغما، مغشوشا من طرف رجال المخزن، مثلما نقف أمام ملف الصحراء الموروث عن الحسن الثاني في نهاية القرن الحالي”.

   ولا أشبه ولا أكثر مقارنة بين اتفاقية باريس التي أحرجت خليفة الحسن الأول واتفاقية هيوستن التي كتفت أيدي وأقدام المغرب في نهاية هذا القرن، ويجب الوقوف عند مؤسسة السلطان، سواء في ذلك الزمان أو في هذا الزمان، حيث نجد الوزراء والرجال الأقوياء يعلنون عن تجردهم من أية مسؤولية وإقحام السلطان، وترديد التعبير المعروف: سيدنا قال لي.

   انتهت القصة المغربية بتصفية اتفاق هيوسان والعفو عمن وقعها، رغم أن تقريرا أجنبيا حساسا أكد على تداول فكرة محاكمة البصري بالخيانة العظمى لإبطال الاتفاق، ونقل الأمريكيون إنذارهم عبر السعوديين.

   وقررت باريس حماية حياة إدريس البصري قبل قرار المغرب كسر اتفاق هيوستن، والانتقال إلى حل سياسي في الصحراء يعوض الاستفتاء.

“وهندس شيراك” كل التفاصيل بما فيها ضمان حياة من وقع على اتفاق هيوستن، قبل إطلاق مبادرة الحكم الذاتي لإدارة الصحراويين لإقليمهم على الحدود الدولية وبالمعايير الدولية، واستمرت الرباط على تغيير قواعد اللعبة قبل أن تستقر في 2007، حيث يرفض المغاربة تغييرها الآن تحت أي ظرف.

   يقول مصطفى العلوي أحد المنتقدين الشرسين لاتفاق هيوستن إن هذا الاتفاق لا يختلف عن اتفاقية باريس مؤكدا أن صفات الملك الحالي لا تختلف عن صفات الملك عبد العزيز موردا في شهادة الوزير الفرنسي “مونبيل” الذي كتب بالحرف: “إن نظرات مولاي عبد العزيز رغم شبابه، كانت تنم عن ذكاء، وابتسامته تكشف عن طيبوبته الطبيعية في الوقت الذي تنطق عيونه بالذكاء والدقة. ولا خلاف في أنه خير خلف لوالده، لو لم تكن نصائح بعض الأجانب تفسد ما يدور بخاطره”.

   أليست الأوصاف المنطبقة في حق ملك المغرب في نهاية القرن الماضي هي نفسها المنطبقة في حق ملكه في نهاية القرن الحالي؟

   ويبقى التلميح سيد اللحظة السابقة، لأن نصائح الفرنسيين بقيت، وتبقى إلى الآن مؤثرة في القرار المغربي إلى حدود قد لا يتصورها المتبع، وهو ما دفع الكاتب إلى القول وبصراحة تحسب له: (إذا لم يتخلص ـ المغرب ـ من الروافد القبيحة المعششة في أطراف الدولة، فإنه إذا لم يمارس يقظته فإنه لن يفقد الصحراء وحدها…

   وفي نهاية القرن الماضي كتب نفس الكاتب والوزير الفرنسي في طنجة عن السر المكنون لحقيقة وضع يتشابه فيه مغرب 1899 ومغرب 1999 فيقول: “إن أزمة العلاقات المغربية الفرنسية سترمي بالمغرب إلى التناقض بين سياستين: الإصلاحية كما تركها وبدأها الحسن الأول والسياسة المحافظة التي يحاول السلطان الجديد (م. عبد العزيز) حماية ملكه الجديد بها”.

   تلك خلاصة صراع مراكز النفوذ التي ورثها الملك محمد السادس عن أبيه، وأخرى جاءت معه، لكن هدفا استراتيجيا ارتسم للكتلتين المحافظة والتقدمية، حين توحدتا في ملف الصحراء، فأقيل البصري دون تصفيته أو محاكمته كي لا يتأثر مسلسل الإنصاف والمصالحة بدمه، أو يضيع البلد في تفاصيله السابقة، وأعلن المغرب عن استحالة الاستفتاء في الصحراء، فأنهى اتفاق هيوستن التي لا تزال ظلاله بعيدة فوق الرمال.

error: Content is protected !!