في الأكشاك هذا الأسبوع
بوانو وبن كيران.. هل يصطدم رئيس الحكومة مع فريقه البرلماني

فضيحة سياسية.. مسؤول بالعدالة والتنمية يقول: ننتظر الإشارة لنعرف هل ندافع عن أخنوش أم عن بن كيران

في دولة المؤسسات.. رئيس الحكومة لا يحكم حزبه

 إعداد: سعيد الريحاني

    منذ مدة لم يشاهد أحد رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، الذي اعتاد على الانتشاء بانتصاراته الانتخابية وهو يجر ذيول الخيبة، ولكن جاء إلى اجتماع الأمانة العامة، “بالكاد يجر رجليه” (بتعبير مصدر مطلع) متعبا، قبل أن يبادر وهو يسأل أعضاء الأمانة العامة، في الاجتماع ما قبل الأخير، “ألم أقل لكم.. اختاروا نبيل الشيخي”، وكانت تلك طريقته في معاتبة أعضاء العدالة والتنمية الذين لم يسايروا رأيه، وصوتوا بالإجماع على اقتراح عبد العالي حامي الدين، رئيسا لفريق العدالة والتنمية بمجلس المستشارين، وبعدها كتبت المواقع الإخبارية ما يلي: “في اجتماع ساخن للأمانة العامة، تم تعويض عبد العلي حامي الدين بنبيل الشيخي، على مستوى رئاسة الفريق البرلماني للحزب بمجلس المستشارين، ليلة الأربعاء 21 أكتوبر بمدينة الرباط، وحسب مصادر الموقع، فقد قدم عبد العلي حامي الدين استقالته من رئاسة الفريق، وذلك بعد ضغوطات على قيادة الحزب من جهات لم تسمها مصادرنا، رفضت أن يتولى حامي الدين رئاسة فريق البيجيدي بالمستشارين” (المصدر، موقع لكم: 22 أكتوبر 2015).

   لم تكن هذه الصفعة الوحيدة لبن كيران، الذي بدأ يسحب منه بساط السلطة على الحزب، بفعل تحركات تيار مناوئ وغاضب، يتقوى يوما بعد يوم، بل إن الأيام ستكشف في نفس الأسبوع فضيحة من العيار الثقيل، جهل بن كيران بالمعطيات الرقمية للميزانية العامة التي يتم إعدادها، فيما يتعلق بصندوق تنمية العالم القروي، وربما لم يكن هذا الخطأ ليظهر في الصورة لولا غياب الوزير المكلف بالميزانية إدريس الأزمي الذي تفرغ بشكل كامل لإدارة شؤون العمودية في فاس، حيث كان بن كيران يستشير معه في كل صغيرة وكبيرة، قبل أن يتركه عرضة للفراغ.

   “الأسبوع” اتصلت بأحد أعضاء الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية وسألته عن رأيه في قضية الصراع بين أخنوش وبن كيران حول صندوق تنمية العالم القروي، فأكد أنه لا يعلم كثيرا من المعطيات غير أنه شدد بالمقابل على عدم وجود أية وثيقة حكومية تفيد بأن بن كيران تنازل عن اختصاص الآمر بالصرف، بخلاف ما يقتضيه العمل المؤسساتي الحكومي، نفس المتحدث أكد على أن حزب العدالة والتنمية سيدافع عن بن كيران وأحقيته في الإشراف على الصندوق المذكور، ما لم تكن هناك أية إشارة أخرى، حسب قوله، ولم يوضح معنى الإشارة، واكتفى بالقول نحن في المغرب، وعندما سألته “الأسبوع” هل سيحصل مع بن كيران ما حصل مع حامي قال بالضبط، وهو يبتسم، بينما كانت تتقاطر على هواتفه النقالة النقال عشرات المكالمات.

   وكان واضحا من كلام عضو الأمانة العامة الذي تحدث مع “الأسبوع” بأنه غير متفق مع سياسة بن كيران، لا سيما فيما يتعلق بعمله الإداري، حيث أنه لم يتعامل في هذا الموقف كإدارة حسب قوله، وأضاف نحن في المغرب، ولا نعرف ماذا نقول.. هل نقول من سوء الحظ أم حسن الحظ أن ذلك يحدث..”.

   وكان وزير المالية بوسعيد قد بادر إلى مهاجمة رئيس الحكومة باعتباره “غبي” في نظره، فكل مقتضيات قانون المالية مرت بعلمه، موضحا بأن القول بأنه لم يكن يعلم بتحويل اختصاصات الآمر بالصرف لفائدة وزير الفلاحة بمثابة “تقديم كمغفل”، بالمقابل لجأ وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى أسلوب الحكي لكي يشرح للصحفيين ما حصل بخصوص صندوق تنمية العالم القروي، حيث قال: “بكل بساطة فالسيد وزير الفلاحة، أثار الموضوع بناء على ما نشر في جريدة وطنية، وتلا ذلك بنقاش مستفيض وصريح وحسم الموضوع، وانتهى المشكل، وقد تقع العودة إلى الأمر إذا طرح مرة أخرى.. وهنا أحكي قصة لا تفارقني تتعلق بصديق من رجال التعليم كان يقوم بواجبه في منطقة قروية ورزق ببنت، وبعد مدة تعرضت لمرض فاضطر لحملها بيديه لنقلها إلى المستشفى غير أنها توفيت قبل وصوله..” (المصدر: المساء عدد 26 أكتوبر 2015).

   هكذا إذن يؤكد وزير من العدالة والتنمية استعداده للتنازل، بدعوى المصلحة العامة، ونفس الاستعداد أبداه عضو في الأمانة العامة، بل إن الاستعداد الأكبر للتنازل، بعيدا عن تنزيل الدستور، هو الذي يجسده عبد الإله بن كيران نفسه الذي لجأ إلى الموروث الديني ليعلن تخليه عن صندوق تنمية العالم القروي حيث قال في اجتماع للأغلبية: “إن سيدنا سليمان قدمت له سيدتان تتنازعان عن طفل، وتتدعي كل واحدة أحقيتها به، فخاطبهما بكونه سيقوم باقتسام الطفل إلى جزئين، وهو ما جعل الأم الحقيقية التي خافت على طفلها من هذا المصير تطلب سيدنا سليمان بمنح الطفل للسيدة الأخرى”، ولتأكيد تنازله قال: “لنكن مثل تلك الأم التي ادعت أن الطفل ليس ابنها لتحافظ على حياته”.

   وكانت شهية رئيس الحكومة طيلة الأسبوع الجاري مفتوحة للنكت، بدأها بنكتة حامضة، وانتهى باستعمال عبارات شعبية في موضوع التعليم، حيث قال إن “الصاحبة” أغلى من “الزوجة”، في إشارة إلى العلاقة بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي..

   وكانت شهية رئيس الحكومة طيلة الأسبوع الجاري مفتوحة للنكت، بدأها بنكتة حامضة، وانتهى باستعمال عبارات شعبية في موضوع التعليم، حيث قال إن “الصاحبة” أغلى من “الزوجة”، في إشارة إلى العلاقة بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي.. غير أن هذه النكت لا تستطيع أن تغطي الأزمة التي تعيشها دولة المؤسسات، في شقها الحكومي خلال الفترة الأخيرة.

   ففي تعليقه على انتخابات مجلس المستشارين الأخيرة قال أحد أقطاب حزب أغلبي في الحكومة الحالية، بأن التحضير لانتخابات الغرفة الثانية تميز بارتكاب عدة أخطاء، “يجب أن نبدأ من انتخابات الغرف المهنية مرورا بالجماعات وصولا إلى المجالس الإقليمية، بالنسبة لانتخابات الغرف وبحكم التجربة التي أتوفر عليها في الميدان الانتخابي، في مسار طويل ارتكبنا خطأ في القوانين الانتخابية، الخطأ الأول يتعلق بتحديد عدد أعضاء مجلس المستشارين، لا يمكن تحديد العدد في الدستور، قبل معرفة طريقة التوزيع، العدد حدده أشخاص ليست لهم تجربة في التمثيليات المختلفة التي يجب أن تتوفر في ممثلي مجلس المستشارين، وهذا الأمر انعكس سلبا على تمثيلية الغرف المهنية، فأصبح مستشار واحد يمثل ثلاثة جهات مثلا، ولا علم له بها، بحيث إذا نجح ممثل لغرفة الفلاحة لا يمكنه تمثيل التجارة والصناعة أو الصيد البحري أو الخدمات..”، حسب قوله.

   أما الخطأ الثاني فقد ارتكب حسب قوله، في العدد الإجمالي للمستشارين، حيث تم تحديدهم في 120، وهو ما حرم عدة أقاليم من التمثيلية، بحيث إذا نجح 4 مستشارين من إقليم واحد فهذا يحرم باقي الأقاليم من التمثيلية ولا يضمن التوازن، مثلا إقليم الدرويش نجح منه 4 مستشارين، بينما بقيت 6 أقاليم في المنطقة الشرقية غير ممثلة..

   وعاب نفس المتحدث على الدولة، عدم إشراكها لممثلي الجالية المغربية في الخارج، الذين باتوا يحتجون حسب قوله، بسبب غيرتهم، وبسبب كونهم غير ممثلين لا في مجلس المستشارين ولا في مجلس النواب.. لا سيما بعد تمثيل الباطرونا.. في انتخابات وصفها بغير المفهومة للغرفة الثانية، فالعدد العدد قليل والتوزيع الجغرافي غير متوفر، وأغلبية الناجحين هم الأشخاص الذين كنا نؤاخذهم بعدم الحضور ومنهم أعضاء سبق أن تم الاقتطاع من أجورهم، وسبق لمكتب مجلس المستشارين أن راسلهم بسبب الفراغ الذي يتركونه في التشريع وفي الدبلوماسية البرلمانية، حسب قوله.

   ليس هذا فحسب بل إن المتحدث نفسه يرصد نقطة محرجة لحكومة بن كيران عندما يقول: “الحكومة صرحت بفتح تحقيق مع مجموعة من مفسدي الانتخابات والذين ثبت استعمالهم للأموال ولم تكمل عملها، كان من المفروض أن تكون هناك لائحة ثانية لمستعملي الأموال”، وعندما سألته “الأسبوع” هل تقصد أن هناك انتقائية قال: “نعم..العدد أكثر بكثير مما تم الإعلان عنه”.

   إن تصرفات رئيس الحكومة، وباقي الفاعلين السياسيين وتصريحاتهم هي نفسها التي تجر على المغرب نقمة المتتبعين الدوليين، فقد  قالت باحثة أمريكية اسمها “سارة يركيس”، في مقال بعنوان “هل يمكن أن ننتظر إصلاحا سياسيا حقيقيا في الدول المغاربية في الأجل القريب؟”، نشره معهد “بروكينغز” الأمريكي، إن لديها شكوكا حول فرص المغرب في تحقيق إصلاح حقيقي لعدة أسباب.. ولدى عرضها لهذه الأسباب أكدت الباحثة أن دستور سنة 2011 لم يؤدي إلى تغيير حقيقي، حيث لازالت معظم السلطات متمركزة بيد الملك أو “المخزن”. أما ثاني الأسباب حسب الباحثة، فهو أن معظم القوانين التنظيمية التي نص عليها الدستور لا تزال، بعد أربع سنوات، دون تفعيل، وليس هناك برنامج نحو تفعيلها في المستقبل، لهذا فإن الوثيقة الدستورية، تردف “سارة يركيس”، “التي تعتبر وثيقة مثيرة للإعجاب على الورق، لا يعكسها الواقع السياسي المغربي” (المصدر: موقع فبراير 28 أكتوبر 2015)، ولماذا نذهب بعيدا فبنكيران نفسه ورغم أنه رئيس الحكومة فقد قال مؤخرا: “الدكتاتورية هي الدكتاتورية ولا يمكن إخفاؤها بالماكياج”، فمثل هذا الكلام هو وقود المرحلة المقبلة، داخليا وخارجيا.

error: Content is protected !!