في الأكشاك هذا الأسبوع

((تبوس اليد، تبوس الراس، وها أنت غني)) (حكمة قالها المهدي بنبركة)

ذكرى وفاة المهدي بنبركة

بقلم: مصطفى العلوي

   

من الجزئيات الراسخة المثبتة في قضية المرحوم، المهدي بنبركة، ذلك الاتفاق الحاصل، المفصل في أكثر من ثلاثين كتابا حول هذه القضية الشائكة.. تشوكا(…) يمنع أقطاب المغرب، أولا، وفرنسا ثانيا، والعالم ثالثا، من أن يمسوا هذا الملف.. خوفا من أن تلدغهم أشواكه، أشواكه التي لم ترطبها قرابة خمسين عاما من الزمن.. ستة وأربعون عاما بالضبط، ليلة التاسع والعشرين من أكتوبر 1965، حينما نزل المهدي بنبركة من سيارة البوجو 403، التي أركبه فيها الشرطيان باليس ودوباي.. وأدخلاه بيت الجلاد المشهور بوشسيس، على أساس أن له موعدا مع شخص مهم.. فجلس المهدي وأخرج كتابا، وشرع يقرأ ثم قال لحارسه دوباي: أريد إبريق شاي. ومعروف أن المشرفة على مطبخ البيت، سيدة مغربية(…) لم نسمع في تاريخ بنبركة اسمها ولا مصيرها.. رغم أنها هي التي حضرت له وجبة طعام مغربية في تلك الليلة، ومن يدري، ربما لازالت حية في واحد من أحياء مدينة المحمدية، حيث كان لمشغلها بوشسيس ملهى ليلي معروف، وربما كانت الصراحة التي يعرف بها المهدي، متطابقة مع عنف حارسه دوباي.. الذي سجل في تصريحاته من بعد ((أن المهدي بنبركة بعد أن شرب الشاي، قال للبوليسي الفرنسي: عندما أصبح وزيرا أولا في المغرب فأول شيء سأعمله، هو الاهتمام بوضعية البوليس)) (قتلوا بنبركة. دوروكي وبلوكان).

وهو التصريح المؤرخ، والذي يكشف فيه بنبركة أنه كان سيدخل لحكومة المغرب.

   ودون الرجوع إلى ما نشر بإسهاب، حول ما أكده المرحوم عبد القادر بنبركة، أخ المهدي في مذكراته، من اتصالاته مع السفير المغربي في باريس، المرحوم الأمير مولاي علي، والذي أبدى رغبة الملك الحسن الثاني، في تكليف المهدي بالحكومة المغربية، وهو ما يفسره كلام المهدي في ليلة اختطافه، عن فرضية تكليفه برئاسة الحكومة، رغم أنه في رسالته الخطية، إلى زوجته غيثة يوم 3 مايو 1965، يقول لزوجته عن مشروع دخوله للحكومة: (إن الجيش ومن ورائه من المصالح الاستعمارية لا يمكنهم أن يسلموا الحكم بهذه السهولة) وهنا تظهر النظرة البعيدة للرجل وكأنه بهذه الفقرة، يكتب ما حصل فعلا.

   العجيب المريب في هذه الوقفة، عند قرار الحسن الثاني بإدخال حزب المهدي بنبركة، في الحكومة، وكان المهدي في رسالته اشترط أن يدخل حزبه في الحكومة وحده: ((لا نريد حكومة نكون فيها سجناء لمجموعة من الانتهازيين والخونة(…) يكون دورنا هو تزكيتهم وتضليل الشعب الذي لن يقبل مثل هذه الألعوبة)) قرر الحسن الثاني بعد هذه التجربة، أن يعين سنة 1998 ما أسماه حكومة التناوب، أسندها لشريك المهدي بنبركة، وحليفه الوفي، عبد الرحمن اليوسفي.

   حتى الصحفي الفرنسي جاك دوروكي، الذي التقى عبد الرحمان اليوسفي، في أعقاب اختطاف المهدي بنبركة، استغرب الفرق في تعامل اليوسفي مع القضية، مباشرة بعد الاختطاف، أولا، حينما حكى له اليوسفي كيف أن المهدي مشى في مخطط المتآمرين، وقال له أن هذا الشتوكي، ولا أظن أنه موجود، فهو صيغة للعبة الألف دولار، الصحفي الذي نقل هذا الاستنتاج اليوسفي، ربما يجهل أن هذا الشتوكي الذي اتضح فيما بعد أنه موجود.. وأن اسمه ميلود التونسي، وأنه خلال سنوات الحكومتين اللتين ترأسهما اليوسفي مرة في عهد الحسن الثاني، ومرة في عهد محمد السادس، كان هذا التونسي(…) قد أصبح من جلساء أقطاب الاتحاديين في الرباط، والساهرين معهم لنفهم كيف أنه عندما جاء القاضي الفرنسي، بروغيير، للاستعانة بخبرة الوزير الاتحادي في العدل، بوزوبع، أجابت الوزارة المعنية(…) القاضي الفرنسي، بأنها لا تعرف عناوين المبحوث عنهم. ورغم أن اليوسفي لم يكن وزيرا أولا عندما حصلت هذه الفضيحة(…) إلا أن اليوسفي لما كان وزيرا أولا، فاجأ هو أيضا الصحفي الفرنسي: ((إن عبد الرحمن اليوسفي لا يعرف أين دفن المهدي بنبركة. الشيء الذي يدعونا للتساؤل حول مسار الأمور في هذا البلد العجيب(…) حيث الوزير الأول لا يستطيع أن يبحث في أرشيفات الدولة لكي يعرف كيف اختفى منذ أربعة وثلاثين سنة، صديقه ورفيقه)) (قتلوا بنبركة. دوروكي وبلونكان).

   الصحفي استغرب مرة أخرى، حين قال له عبد الرحمان اليوسفي: ((إني منشغل جدا بهذا الموضوع، ولكن الحقيقة التاريخية تتوقف في سان جيرمان بباريس، وبعدها، هناك ضالة(…) من الإسمنت المسلح، تمنعني من التحرك، أنتم تعرفون أننا هنا في المغرب بلاد الهدرة(…) وليست بلاد الأرشيف، وعندما جاء القضاة الفرنسيون الباحثون وسألتُ وزير العدل، أجابني: ليس هناك في وزارتي أي مرجع حول هذه القضية)) (نفس المصدر).

   البيانات التي يعرفها عبد الرحمان اليوسفي، أعطاها له الملك الحسن الثاني، عندما ذهب عنده اليوسفي ليطلب منه إطلاق اسم المهدي بنبركة على شارع في الرباط، فأمر جلالته بأن يطلق اسمه على أطول شارع في الرباط.. صيغة مؤدية للمقولة المغربية: سير تضيم.

   ويبقى ولد المهدي بنبركة البشير، الذي يقف هو أيضا أمام الجدار الإسمنتي(…)، ولكنه يكاد يصدق، أن الحسن الثاني كما يعرف الكثيرون دهاءه وحرصه على القيام بمبادرات ترجع إلى القرون الوسطى، وهي أن الملك الحسن، استحضر الجثة للمغرب، ودفنها في إحدى المقابر المخصصة للشهداء، في مدينة فاس، وقد يكتشفها الناس في يوم من الأيام.

   أطروحة دفن الجثة في فاس، وإن كانت تذكرنا بشبيهتها عندما تم إعدام مدبري انقلاب 16 غشت، أمقران والكويرة، وبعد إعدامهما في سجن القنيطرة، جاءت تعليمات بعدم دفنهما، وفي منتصف الليل جاءت طائرة خاصة، ونقلت جثمانيهما إلى أحد المقابر في الريف.

   وإن كان أصبح من المؤكد أن الحسن الثاني أراد استقدام المهدي بنبركة، وأوفقير  رفض، أو أراد اختطاف بنبركة ليدخله هو إلى المغرب، ويدخل هذا العمل في حسناته، لولا أنه يجب التأكيد على دور الكوميسير الوزاني، الذي لم يرد اسمه في أي صحيفة مغربية، وكان الحسن الثاني كلفه بمهمة تتناقض مع مخطط أوفقير، ويتعلق الأمر بالكوميسير التهامي الوزاني الذي اختاره الحسن الثاني من بين ضباط الأمن الأوفياء (كان كوميسيرا في الدائرة الرابعة بالدار البيضاء) وكلفه بالمهام السرية في القصر الملكي.

   وصل هذا الكوميسير إلى باريس أسبوعا قبل اختطاف المهدي بنبركة، وشرع في الاتصال بخلية بوليسية فرنسية، يرأسها ضابط شرطة فرنسي من قدماء المغرب، اسمه أنطوان ميليرو، ويسمونه طوني، وطلب منه الاتصال بالمهدي بنبركة، لإخباره بأن أوفقير سيأتي لاختطافه، ويحكي الصحفي الفرنسي دوروكي، أنه اجتمع بهذا الكوميسير المغربي وشاهده عدة مرات في السفارة المغربية بباريس، وتتبع مساره، وأنه بعد اختطاف المهدي بنبركة، كان يسكر في الملاهي ويقول: لقد فشلت، ولم يعد إلى المغرب، ومرة عندما سمعهم يبحثون عن مصير بنبركة، قال لهم عن السيارة الدبلوماسية التي توجهت إلى مطار فيلاكوبلي، وأن السيارة نقلت جثمان المهدي إلى المغرب، حيث دفن في مقبرة للشهداء في فاس.

   التهامي الوزاني الذي تتبعته المخابرات الفرنسية، توجه إلى سويسرا، ثم توجه إلى القاهرة، وهناك جاءت أخبار تؤكد وفاته في مصر.. (المصدر كتاب قتلوا بنبركة. لدوروكي).

   أكيد جدا.. أن الملك الحسن الثاني كلف الجنرال أوفقير باستحضار المهدي بنبركة، وأكيد أكثر أن أوفقير، وبشهادة ضابط الشرطة جان باليس، عندما وصل للبيت الذي كان المهدي معتقلا به، وجده جثة هامدة، بعد أن بدأ المهدي يصيح محتجا، فضربه بوشسيس الضخم الجثة بضربة على عنقه فسقط ميتا، وكان باليس هذا قد كتب هذه البيانات في رسالة بعثها لرئيسه جواتيا في إسبانيا، يطلب منه فيها مائة مليون وجواز سفر، ولكنه عندما لم يتوصل بجواب تم تهريبه من طرف الأجهزة المغربية إلى الرباط، حيث قتل فيما بعد.

   الكوميسير طوني، صديق الكوميسير المغربي التهامي الوزاني، كتب للصحفي دوروكي، بأنه كان يعرف أن أوفقير لن يسمح أبدا بأي تفاهم بين الملك الحسن والمهدي بنبركة، فهل أوفقير هو الذي كلف بوشسيس بتوجيه الضربة القاتلة للمهدي بنبركة.

   كل هذا تم تحت أبصار وأسماع أقطاب المخابرات المغربية، فالإعداد لرجوع المهدي بنبركة، وإحضاره بجميع الوسائل لم يكن سرا في الرباط، لدرجة أن هناك من يؤكد بأن الحسن الثاني، وهو الذي لا يرد له طلب، اقترح عليه أحدهم أن يتم تنويم المهدي بنبركة في فرنسا ليصحو في الرباط، وأن الحسن الثاني كلف طبيبا منتميا للحركة الشعبية، أن يحضر له منوما خاصا لا يقتل شاربه حتى بعد أربعة وعشرين ساعة، وربما كان ذلك الطبيب قبل رحيله(…) يتذكر هذه الجزئية..

   ولازالت قضية المهدي بنبركة، وقد كادت أن تصبح أسطورة من أساطير التاريخ.. لازالت لضخامة جزئياتها منهلا للكثير من المفاجئات، مثلما كان ثمن السكوت عنها سببا في إثراء الكثيرين.. أليس المهدي بنبركة هو الذي قال عدة مرات: “تبوس اليد.. تبوس الراس، وها نتا غني”.

error: Content is protected !!