في الأكشاك هذا الأسبوع

رئيس رابطة قضاة المغرب: الكتاب أنصف ملكا عظيما

 بقلم: نور الدين الرياحي

   قرأت مؤلفك الأخير قراءة أولية لأنني تعودت أن اقرأ لكم منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمان ما تكتبون عدة قراءات، لأن عمق إبداعاتكم وأسلوبكم الموضوعي والأدبي في كتابتكم يفرض على أي قارئ أن يعيد الكرة في التحليل والملاحظة أكثر من مرة، وقد لاحظت وأنا لا أجاملك القول، بأن خزانة تاريخ المغرب السياسي والاجتماعي والاقتصادي والقضائي المعاصر كانت محتاجة لمؤلف من حجم مؤلفكم عمقا وأحداثا وجمالية في تشويق القارئ، بل حتى بعض الأحداث الدولية التي سلطت عليها الضوء بما يكفي لإجلاء الحقيقة التاريخية التي كانت محط اهتمام بالغ لأي مواطن مغربي أو مهتم بالتاريخ عموما. 

   ولقد صدق حدسكم أننا بواسطة هذا الكتاب الذي قرأناه بشغف بالغ والذي تمكن من مزاحمة بعض الأقلام التي ترافقني في كل عطلة سنوية منذ 35 سنة مثل “المتنبي” و”ألفونس دو لامارتين” و”أنيس منصور” وجوته و”فيكتور هيجو” في الاستحواذ على وقت عطلتي وعدم رفع عيني على مكنوناته بالرغم من مغريات الراحة والاستجمام وهو ما أهنئك من خالص قلبي عليه كقارئ مخلص لكتاباتكم منذ ردح من الزمن.

لقد ذكرتني كتابتكم بمقولة اللورد بايرون: الشهرة ظمأ الشباب، أما أنا فلم أتملق أنفاسها الكريهة، ولم أثن ركبتي صاغرا لأصنامها.

   فعلا إن الشجاعة الصحفية في سبيل إظهار الحقيقة لا تقابلها إلا الشجاعة القضائية في سبيل إنصاف المظلومين ولعل هذا هو القاسم المشترك بين القاضي والصحفي، لقد كان ابن عمك المرحوم مولاي مصطفى بلعربي العلوي أقوى وزير للعدل في تاريخ المغرب كما سميته وهذا شرف لابنه بالتبني الذي هو عبد ربه لما أمره جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني رفقة مستشاريه الذين تتبعوا إلى غاية فجر إحدى الليالي الرمضانية مرافعتي في قضية ثابت التي شدت أنظارهم جميعا، بتهنئتي باسمه شخصيا على المستوى القانوني لها، وعلى خط التليفون وبعد تنفيذ أمر جلالته طلب مني هذا الوزير طلبا وهو أن أعتبر نفسي من تلك اللحظة ابنه بالتبني لأن الله لم يرزقه إلا البنات، عندئذ الهمني الله الجواب بقولي شرف لي أن أكون حفيد شيخ الإسلام بلعربي العلوي بالتبني، وشرف بعد قراءة مؤلفكم أن أكون من أبناء عمومتكم بعدما أوضحت علاقة القرابة بينك وبين آل بلعربي، وقد وددت يوما لو ساعدني القانون أن أضيف إلى اسم الرياحي اسم بلعربي حفاظا على وصية هذا الرجل الذي كان يقول لي دائما وعقب حوادث تعلمها أكثر من غيرك وكتبت فيها ثلاثة حقائق ضائعة ولم نكن نتعارف شخصيا:

   اسمع بابني أن الشجاعة فضيلة تمكن من القيام بالأعمال الحميدة إبان الأخطار، وهذا هو ما يجمعني بك رغم فارق السن والتجربة لذلك نقول نحن في تافيلالت:لهلا يفيق بها شمايت لأنها سهلة.             

   رحم الله جلالة الملك الحسن الثاني وأقوى وزير في العدل مولاي مصطفى بلعربي العلوي. إننا كقضاة وصحفيين ما يقودنا إلى حقل السياسة هو تعبدنا من أجل الحقيقة كما كان يقول الماهتما غاندي، لكن واجب التحفظ الذي تمليه علينا مهنتنا كقضاة نجد الصحفي الشجاع والمسؤول والموضوعي هو خير لسان لنا في بعض الأحيان للوصول إلى الحقيقة التي أمرنا الله بالوصول إليها تحت طائلة الفوز بالجنة أو الرمي في النار في حالة إغماض أعيننا عليها، فالصبر على مضض السياسة كما كان يقول أرسطو ينال به شرف الرئاسة، لذلك كانت الآلام التي عشتها وأنصفت بها ملكا عظيما مثل المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بواسطة هذا المؤلف الذي سوف يكون مرجعا لا غنى عنه لأي باحث في التاريخ المغربي المعاصر سوف يذكره لك التاريخ وإخلاصك للعرش العلوي المجيد الذي ضمن استقرار بلادنا في عالم متخم بالتناقضات اليوم وهو ما يجب أن تعرفه الأجيال الصاعدة وأن ينظر إليه بعين الحكمة التي يقال عنها دائما بأنها تزحف في حين أن المعرفة تقبل، ولعل القراءة العميقة لمؤلفكم جعلت منكم ذلك الحكيم المجرب لأنه إلى جانب كونكم أديبا وصحافيا لامعا فأنتم رجل دولة حقيقي إذ أنكم استطعتم أن تقيموا نفسكم حكما نزيها، بين طموحاتكم الشخصية والمصلحة العامة، وهذا جزء من الأدوار التي نريد لقضاة المستقبل أن يأخذوا العبرة منها.

فضيلة الأستاذ:

   إن مؤلفكم كما قلت سابقا سيفتح نقاشا كبيرا ومستفيضا وسوف يترجم إلى عدة لغات، أتمنى أن يضفي عليه ما أضفته المناقشات الجدية والبناءة من أجل بناء دولة الحق والقانون في كل الديمقراطيات الحديثة التي كان للصحافة الموضوعية يدا في بنائها.

   وإنني إذ أشكركم على تخصيص بعض السطور حول شخصي المتواضع في هذا الكتاب التاريخي، لن أسألكم طبعا عن مصدر أخباركم لأن من جملة ما ورد في مؤلفكم أن جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني أوصاك بذلك، فإنني أشكر لكم شرف اهتمامكم بالقضاء وبإنصاف القضاة الذين يمنعهم واجب التحفظ حفاظا على الحقيقة والعدالة أن يقولوا كل شيء إلا في إطار معين بما يخدمها أحيانا وذلك موضوع آخر.

   تهانئي القلبية لكم ولمن الهمكم هذا الكتاب وأخص بالذكر حرمكم المصون التي علمنا دورها في مسيرة الكفاح من أجل الحقيقة ووقوفها بجانبكم في أوقات صعبة جازاها الله عن ذلك ولأسرتكم الكريمة ولجميع أصدقائكم الذين جعلوا من هذا المؤلف سيرة ذاتية مشوقة إلى جانب اعتباره مصدرا من مصادر المعرفة والتاريخ والسياسة والصحافة.

error: Content is protected !!