في الأكشاك هذا الأسبوع

أبواب مدينة مراكش المعروفة والمطموسة

بقلم: إدريس أبايا

الحلقة الثانية 

   

جرت على ألسنة أهل مراكش عبارة تأفف من الذين أحدثوا في المدينة المراكشية أزمة سكنية بفعل التوارد عليها وإحداث الاكتظاظ داخلها.. وقالوا عن أولئك الواردين بأنهم وجدوا أبواب المدينة “مترعة” على مصراعيها، وأنه لم يعد هناك من رقيب لمعرفة أهداف النازحين.. هذه الفكرة أكدها ابن رشد، الفقيه القرطبي عندما أشار على الأمير علي بن يوسف اللمتوني سنة 526هـ بإحداث سور للمدينة للقضاء على الفتنة التي أثارها المهدي بن تومرت ضد المرابطين.. وهكذا بنيت أسوار مراكش في ثمانية أشهر مع سعة البلاد، وخصص مبلغ 70.000 دينار ذهبية لهذا المشروع العمراني والسياسي الخطير.. ومن ذلك الوقت تأكدت فكرة “أبواب مراكش” بحسب الحاجة الأمنية والجهادية والتجارية بخروج التجار والمحاربين لجهات متعددة ونحو مدن معينة، فسميت باسم الوجهة المقصودة كباب فاس، وباب نفيس وسميت أبواب أغمات، وأيلان، وأحمر، وباسم من وفد على مراكش بالدخول والخروج منها.. ونشأة الأبواب لا تعني الفضاء المؤدي إلى الخارج أو الداخل بل تعددت أبواب داخلية بأسماء ساكنتها ودورهم وحوماتهم وحرفهم ودروبهم كقولهم: باب الدرب، باب أحمر، باب الدباغ، وتعددت تلك الأبواب كمدخل للدور كباب الدار – باب السوق. ومن أبواب مراكش بمعناها العام نجد: باب أغمات، باب تاغزوت، باب الخميس أو فاس، باب أكناو، باب دكالة، باب الرب (بالضم والفتح للراء) باب هيلانة أو أيلان، وهذه الأبواب متداولة على الألسنة حتى اليوم.. وتبقى أبواب أخرى تحتاج للتدليل عليها بمن له خبرة علمية وتاريخية كباب الصالحة وباب الكحلي، وباب نفيس، وباب الريال، وباب الفاتحة، وباب البنود، وباب الطبول،  وباب ينتان، بالإضافة إلى الأبواب السرية التي كانت تؤدي إلى خارج المدينة من قصور الخلفاء الموحدين كباب البستان، والوادي، والرياض وباب السقائف.. وإذا كان باب نفيس أو باب الصالحة يمكن توهمهما حاليا، فمن المستحيل ضبطهما بالموقع المحدد لهما من حيث البناء والمكان، والباحث في تاريخ المدينة – مراكش- في عصري المرابطين والموحدين سيتأكد من حقيقة تاريخية أكدها أكثر من مؤرخ كابن عذاري في البيان المغرب، وابن سعيد وغيرهما، وهي أن هناك دورا كانت داخل مراكش تشبه مدنا مصغرة إذ يوجد فيها – لسعتها- كل الوسائل، وبالأخص قصور الخلفاء، ونظرا لوفرة المجالات فإن هناك بساتين كانت ممتدة على ضواحي المدينة كالصالحة وأكدال.

   والباحث في طريق جر المياه لمدينة مراكش وبناء منارة الكتبية وقصر الحجر في عهد المرابطين والموحدين سيدرك مدى المهارة التي كانت تباشر بها تلك الأعمال، مما يؤكد الخبرة الواسعة التي كانت لدى المغاربة وصناعهم ومما تتميز بها أعمالهم في بناء القصور والقناطر وصمود تلك الأبنية رغم توالي السنين، ولا ينبغي أن نغفل المساهمة الشعبية في بناء المآثر التاريخية وبالأخص عند بناء أسوار مراكش وقصر البديع في العصر السعدي، وهكذا نجد مساهمة أبي عبد الله محمد إسحاق المعروف بأمغار يخصص قدرا من الأموال لبناء الأسوار.. ومما يذكره المؤقت المراكشي في السعادة الأبدية أسماء لعدة أبواب من ذلك باب أغمات وباب الرب وباب القصبة الذي أسسه يعقوب المنصور الموحدي عندما أسس قصره بالقصبة وعمل بابا باسمها..

   ومن الأبواب المستحدثة إلى عهد استقلال المغرب ما ذكره المؤقت بقوله: “وزيد في زماننا هذا عام أربعة وثلاثين وثلاثمائة وألف بابان أحدهما بقرب المامونية، والآخر بوسط حديقة المولى عبد السلام”، ولم تقف المدينة على ما ذكره المؤقت من الأبواب المستحدثة بعد موته رحمه الله فقد زيدت أبواب أخرى، كانت الحاجة ماسة إلى فتحها توسيعا وسيرا مع التزايد السكاني للمدينة.. ومن المؤسف أن تبقى هناك مآثر مهملة لتلك الأبواب التي ستحمل تراثا تاريخيا في فن الزخرفة والنقش كما هو الأمر في باب الريال الذي أصبح مجهولا عند الكثيرين.

error: Content is protected !!