في الأكشاك هذا الأسبوع

محاربة الفساد مسؤولية لا تقبل التأجيل

 

   يعاني المجتمع المغربي من آفة الفساد، كغيره من مجتمعات العالم، حيث إن الفقر الذي يُصَنف بموجبه المغرب في مؤخرة دول المعمور، ليس راجعا إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية وسوء توزيع الثروة فحسب، بل يعود بالأساس إلى مظاهر النهب التي يتعرض لها المال العام منذ عقود خلت دون حسيب ولا رقيب. وقد جاء في مقدمة مجلة “أمل” عدد 31/32، أنه منذ حصول المغرب على استقلاله ” استغلت طوائف من الناس فرحة المغاربة في المستقبل، كما استغلت جهل الأغلبية وسذاجتها لتعوض الفرنسيين والإسبان في مراكز الاستغلال والاستنزاف، وبطريقة أكثر بشاعة وأقل رحمة من الاستعمار نفسه(..)، وابتدأ التأسيس للخلل والفساد والنهب، في مغرب ما بعد الحماية منذ سنة 1956، وتفاحش في مغرب الستينيات من القرن العشرين، ليصبح حالة طبيعية في مغرب السبعينيات، وذكاء ومفخرة في الثمانينيات، وليتورط فيه مطلع التسعينيات وبداية الألفية الثالثة عناصر سياسية ونقابية(..)، ومن تبعات الخلل أصبحت بعض المهن والمهام في المجتمع، لا تُحيل عن المهنة في حد ذاتها، وإنما تحيل على الغنى الفاحش(..)، وقد نشرت بعض الصحف، الكثير حول حالات الفساد، والكثير حول أرقامه وحجمه، كما نشرت الكثير من أسماء المتورطين فيه. وفرضت بعض التحولات الطفيفة التي يعرفها البلد بضغط خارجي – وليس نتيجة قناعات حقيقية – إقامة عدد من المحاكمات لبعض المتورطين، إلا أن النتائج لم تخرج عن إطار اللامعقول الذي حكم الخلل والفساد نفسه..”.

   وفي السنوات الأخيرة طفحت إلى السطح جرائم نهب المال العام بالمغرب، حتى أصبحت عبارة “دَارْ عْلَاشْ يْوَلي” مثلا سائرا، مما جعل حركة 20 فبراير بالمغرب ترفع شعارا مركزيا يؤطر كل احتجاجاتها ومسيراتها “الشعب يريد إسقاط الفساد”. ولا غرابة في ذلك إذا علمنا، على سبيل المثال لا الحصر، أن 80% من مديونية المغرب أهْدَرها الفساد الذي طال الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وحده، وأن حجم المبالغ المُختلسة لا يقل عن 115 مليار درهم، أما “كوماناف” فإلى حدود سنة 1980 كانت تحقق فائضا قدره 180 مليار سنتيم، كما كانت تتوفر على 16 باخرة من أصل 64 في حوزة الأسطول التجاري البحري المغربي، وفي سنة 2000 لم يعد العدد يتجاوز خمسة، علما أن 90% من المعاملات التجارية للمغرب تتم عبر البحر، لتجد الشركة نفسها مديونة بالملايير. أما “لارام” فقد أثبت الافتحاص أن مسؤولا سابقا بالمؤسسة اختلس الملايين من الدراهم، كما صرح أنه مستعد لأداء كل الحسابات شريطة أن يكشف عن كل الخدمات التي كانت تقدمها “لارام” لعلية القوم، لتعيش الشركة على وقع مديونية كبيرة وعجز في الميزانية.

   وقد أظْهَر تدقيق سابق للقرض الفلاحي، طالب به ثلاثة ممولين رئيسيين، وهم: البنك العالمي، الصندوق الفرنسي للتنمية، والصندوق الألماني للتنمية، عن اختلاس مليار درهم، ليظل الفلاح الضمانة الوحيدة لبقاء المؤسسة، والأمر نفسه عرفته صفقة المطاعم المدرسية التي بلغت المبالغ المُختلسة فيها 0.085 مليار درهم، ووكالة المغرب العربي للأنباء 0.02 مليار درهم، والقرض العقاري والسياحي 08 مليار درهم. وتحدثت تقارير أخرى عن نهب 10 ملايير درهم من المكتب الشريف للفوسفاط، ومشروع “الحسن الثاني” لإيواء قاطني “كاريان سانطرال” الذي وصلت قضيته ردهات المحاكم طالبت بخصوصه النيابة العامة باسترجاع حوالي 100 مليار سنتيم. 

وانطلاقا من الدراسات التي سبق أن قام بها عدد من الأطر المُختصة في المبالغ المُخْتَلَسة، توصلوا إلى أنها تمثل حوالي 14 مرة الاحتياطي المغربي من العملة الصعبة لسنة 2001، كما تشكل 34% من الناتج الداخلي الخام، وكافية لبناء أزيد من 20 ألف مدرسة، وأكثر من 220 ألف مستشفى متوسط، وما يفوق عن 170 ألف سكن اقتصادي، وإحداث ما يربو عن 400 ألف منصب شغل. وقد قَدّر البنك الدولي الخسارة التي يتكبدها المغرب بسبب الفساد المستشري في الصفقات العمومية بـ36 ملايير درهم خلال سنة 2007، أي ما يعادل 0.5 من الناتج الداخلي الخام. وسبق لعبد العالي بنعمور رئيس مجلس المنافسة أن صرح بأن الاقتصاد المغربي يفقد سنويا ما قيمته 20 مليار درهم، وهو ما يجعل المغرب يخسر حوالي نقطة ونصف من نسبة النمو بسبب اقتصاد الريع غير المشروع وغياب المنافسة الشريفة، مضيفا أن التصدي لظاهرة الفساد كفيل بأن يربح المغرب نقطتين من معدل النمو سنويا.

   وقد تتبعنا جميعا في الصحافة الغربية كيف قوبلت المستشارة الألمانية “ميركل” بوابل من الانتقادات الحادة، عندما توجهت إلى جنوب إفريقيا في طائرة خاصة لتشجيع منتخب بلادها في كرة القدم، حيث اعتبرت هذه الخطوة هدرا للمال العام، والأمر نفسه عندما توجه ولي العهد البريطاني إلى قمة “كيوطو ” حول الاحتباس الحراري، حيث ووجه بعاصفة من الاحتجاجات. أما عندنا بالمغرب فيتعرض المال العام منذ الاستقلال لعمليات نهب واختلاس وتبذير، وتقدر المبالغ المُخْتَلسَة بعشرات الملايير من الدولارات، إما مهربة إلى الخارج أو مُسْتَترة خلف أسماء الأقارب والزوجات والأبناء، أو يتم تبييضها في مشاريع أخرى للتمويه، ولا تزال عملية سوء التدبير مستمرة إلى اليوم.

عبد الله النملي               

error: Content is protected !!