في الأكشاك هذا الأسبوع

داء السرطان في المغرب.. رحلة نحو الموت بسبب غلاء الأدوية

بقلم: رمزي صوفيا

 

   كنت منذ بضعة أيام في زيارة لإحدى المستشفيات المتخصصة في علاج السرطان، فوجدت العشرات من المرضى المصابين بداء السرطان بمختلف أنواعه. وكانت صدمتي كبيرة عندما شاهدت بأم عيني فتيات في عمر الزهور وأطفال في سن اللهو واللعب من بين المصابين بهذا الداء الخبيث. وكان الجميع ينتظرون دورهم للعلاج، فانتحيت جانبا بشاب في حوالي العشرين من عمره وسألته: “هل أنت مصاب بداء السرطان؟” فقال لي: “نعم، أنا أعاني من سرطان الحلق، فقد مات والدي مؤخرا بسبب سرطان الرئة حيث كان يدخن بشراهة، ويبدو أن الدخان الذي ترعرعت فيه قد جعل حياتي اليوم على كف عفريت بسبب…” وسكت قليلا وكأنه تردد في البوح ولكنه استأنف كلامه قائلا لي: “بسبب غلاء العلاجات، فأنا ابن عائلة فقيرة وقد كان والدي بائعا متجولا لهذا أعتقد أنني لن أعيش طويلا بسبب صعوبة وصولي للعلاج”. فتألمت في نفسي وأنا أرى وجهه الحزين وبشرته الصفراء ونظراته المستسلمة بسبب قلة الحيلة والعجز عن مواجهة المرض الشرس.

   وتحدثت مع طبيب متخصص في هذا الداء من أصدقائي المقربين متسائلا عن مآل الفقراء العاجزين عن الوصول للعلاج، فقال لي: “هذا المرض يتعامل مع جسم الإنسان بشراسة حيث يهاجم أعضاءه الحية بسرعة في حالة التأخر في الكشف عنه وبدء العلاج. ولكن للأسف فإن هناك المئات إن لم أقل الآلاف الذين يكتشفون المرض بطريقة مبكرة ولكنهم يتوقفون عن أخد الحصص العلاجية بسبب غلائها الفاحش، فمثلا في حالة مرض سرطان الدم أو “اللوكيميا” الذي انتشر بشكل مريع في المغرب وخاصة بين الأطفال، نجد العلاج الجيني يتطلب مبلغا لا يقل عن 3500 درهم في الشهر، أما العلاج الأصلي فيبلغ ثمنه 27000 درهم في الشهر ناهيكم عن المبالغ المطلوبة للحصول على العلاج الكيميائي”. فسألته: “وما هي الحلول في نظركم”، قال: “الحلول بيد الدولة، فلا يمكن لأي قطاع أن يتحمل تكليف توفير علاجات داء السرطان أو غيره من الأمراض المزمنة. بل الميزانية العامة هي التي يفترض فيها أن تحلّ هذه المعضلة”. سـألته: “وكيف يتعاطى المواطن الفقير مع هذه الحالة وهو الذي لا يملك حتى قوت يومه؟” قال متأسفا: “المواطن من هذه الشريحة الاجتماعية يلجأ للعلاجات الشعبية وللشعوذة معتقدا أنها يمكن أن تشكل بديلا فعالا للعلاج الطبي. وهنا يقع في خطأ التأخير في مواجهة المرض دون وعي من بخطورة ذلك ولكنه يكون مكرها” سألته: “وما هي نتيجة التأخير في الحصول على العلاج أو أخذ علاج غير كاف؟” قال لي في جملة واحدة: “الموت بسبب انتشار المرض في الجسم”.

   وللإشارة فقد دقت جمعية مرضى سرطان الدم “اللوكيميا” ناقوس الخطر إزاء تفشي هذا الداء، مشيرة إلى أن 2400 مغربي يعانون من هذا المرض، ولا يحصل سوى 1680 منهم على العلاج، ولا يتجاوز عدد الذين يحصلون على علاج كافٍ 606 أشخاص، وكل هذا بسبب التكلفة المرهقة للعلاج.

   وعلى غير ما نسمع ونرى في دول أخرى حيث تتكفل الدولة بالمواطن من يوم مولده حتى وفاته، فإن المواطن في المغرب يجد نفسه مضطرا للجوء لكرم وسخاء الأقارب أو المحسنين في حالة إصابة فرد من أفراد الأسرة بهذا الداء الباهظ العلاج، أو يضطر لبيع أثاث البيت بل حتى البيت نفسه، ولكن هيهات أن يستطيع الوقوف في وجه نزيف أسعار العلاج الذي يستنزف كل إمكانيات الأسرة في وقت قياسي.

   وللحقيقة والتاريخ فإن صديقا عزيزا على قلبي من الأثرياء اكتشف منذ سنة بأنه مصاب بسرطان الرئة فسافر إلى لندن لتلقي العلاج هناك على أيدي أطبائه إلا أنهم هناك أشاروا عليه بالخضوع لعملية لاسئصال جزء من رئتيه، فتمت العملية التي استغرقت عدة ساعات، وبعد مكوثه في المستشفى لمدة شهر كامل وجد فاتورة تبلغ ما لا يقل عن 200 مليون سنتيم بالحساب المغربي في انتظاره عن العملية وسرير المستشفى. وحين عاد للمغرب كانت معه وصفة ضرورية لفرملة السرطان وهي حبوب تاراسيفا التي يدفع المسكين مبلغ 30 ألف درهم شهريا للحصول عليها.

   والسؤال الذي يطرح نفسه من خلال هذه الحكاية هو: “لو كان الأمر متعلقا بمريض فقير فهل كان سيصمد أمام سرطان الرئة دون أن يدفع المبالغ المذكورة؟” الجواب معروف سلفا وهو أنه كان سينتظر الموت البطيء حتى يصله ليخلصه من حياة لم يستطع فيها مواجهة مرض من العيار الثقيل.

   لكل هذا وباسم كل المصابين بداء السرطان في المغرب والذين تتكبد عائلاتهم الأمرين للإبقاء عليهم أحياء (دون نسيان أن الآجال بيد الله تبارك وتعالى)، فإني أطلب من السيد وزير الصحة ومن كل الفعاليات التضامن مع مرضى السرطان الفقراء في المغرب، والالتفات لحالاتهم المثيرة للحسرة والتي تحول عائلاتهم إلى بقايا بشر فقط تحت تأثير الحسرات والهموم التي يتكبدونها لمعالجتهم. أطلب من الدولة أن تتكفل بحالاتهم وتعالجهم لأن الفقير المريض الذي يعلم حق العلم بأنه لا كفيل له، لا يتردد في انتظار موت محقق منذ اللحظة التي يعلم فيها بأنه مصاب بداء السرطان.

error: Content is protected !!