في الأكشاك هذا الأسبوع

العدل والإحسان تبقى دائما على هامش اللعبة لكن في قلب العاصفة

 

   أرشيف/ 

 

قالت الفقرة الرابعة من تقرير الموساد في 9 أكتوبر 1999 تحت الرقم (سري شمال إفريقيا 3031. إن… 27): إن عودة السرفاتي دفعت جريدة قوية ومحافظة “الأسبوع” إلى محاولة استبدال موقعه بياسين، الجمهوري الراغب في دولة إسلامية.

   وجاء تعليق في السطر 18: ويدير هذه الجريدة مدير يدعي أننا حاولنا تصفيته، وتسابق الجمهوريان “السرفاتي وياسين” في زمن الحسن الثاني للتأثير في عهد ابنه، وانتهت بيعة السرفاتي للملك محمد السادس بدفع أنصاره إلى بناء حزب الأصالة والمعاصرة ـ البام ـ تحت إدارة علي الهمة، وخرج حسن أوريد الذي أدار المفاوضات مع الجمهوريين الإسلاميين، بشكل نهائي من القصر.

   ويستغرب التقرير نقلا عن أحد المستشارين المقربين للملك، ويقصد في الأغلب أندري أزولاي: لا يمكن لجمهوريين إسلاميين أن يرفضوا إمارة المؤمنين إن قبلها جمهوري ماركسي يهودي، والمسألة، مسألة وقت فقط، حسب وزير الداخلية آنئذ، وقال إدريس البصري بعد إقالته: كانت المسألة مهيأة لإدماج العدل والإحسان.

   ويقول التقرير في موقع آخر: “كانت الفرصة ذكية لدعم الحداثيين حول نظام محمد السادس”، قبل أن يعصف بهم الربيع العربي الذي جاء بالإسلاميين الملكيين إلى رئاسة الحكومة.

نشر تقرير سري لوزارة الخارجية عن خسارة المغرب فيف الاستفتاء

   على صدر صفحتها الأولى نشرت “الأسبوع” في عددها 79/517 تقريرا رسميا لوزارة الخارجية والتعاون المغربية، مؤرخا بنهاية شتنبر 1999 تحت رقم (سي. أو. سي. أس 9) يؤكد بالحرف، وفي فقرته الثالثة: “إن مسار الاستفتاء الحالي يعطي في حال إجرائه هوامش ضعيفة لهذا الطرف أو ذاك، وتؤكد كل المؤشرات على فشل المغرب في الاستفتاء، ونتصور إلى أي حد سيكون الضغط الدولي، والاقتصادي لإرغام بلادنا على الجلاء عن التراب الصحراوي”.

وفي التقرير فقرة أخرى تقول (كانت الصحراء تجربة لجيشنا، وهاوية لاقتصادنا ولميزانية دولتنا).

   في هذه الأثناء عاد السرفاتي صاحب مبادرة الحل الثالث، أولا غالب ولا مغلوب لدعم القرار المغربي واعتبرته باريس وتل أبيب داعما لخطة الدولة، القاضية باقتراح الحكم الذاتي.

   كانت “الأسبوع” في حينه واعية بالتحول غير التكتيكي للمملكة في ملف الصحراء، وفتحت صفحاتها للصحراويين الرافضين أن يذيع مسؤولون سابقون، وتابعون لإدريس البصري: أنهم هم أعضاء اللجنة الوطنية التي أعلنها الملك محمد السادس قبل أن يستقر الوضع على تزعم رئيس “حزب البونس” الذي قبل في وقت سابق بإدارة ذاتية للصحراويين تحت العرش الإسباني لما سمي “الكوركاس”.

   وإن انتهى الأمر إلى تشكيل (الكوركاس) برئاسة خلي هنا ولد الرشيد والأصالة والمعاصرة، فإن العدل والإحسان بقيت على هامش اللعبة وفي قلب العاصفة التي انتهت بموت مرشدها عبد السلام ياسين دون أن ينتبه النظام إلى تسوية ذكية كانت في المتناول مع هذا التنظيم.

عبد السلام ياسين شريف إدريسي رفض الحسن الثاني مقارنته مع السرفاتي

   في الحقيقة الضائعة للعدد المذكور في حلقاته التي عنونها بـ “الله يرحم مولاي الحسن” قيل في استهلالها: الله يرحم مولاي الحسن فقد كانت له مواقف صارمة من قضايا لا يفهمها إلا هو.

   ويظهر أن الأطراف الأخرى استحلوا بقاء الداعية الإسلامي الشيخ عبد السلام ياسين رهن الاعتقال في البيت، ومهما تسابق فلاسفة التغيير والتناوب في التهافت على إطلاق الشعارات البراقة، عن الحرية والديمقراطية فإنه لا مصداقية لكل ما يقولون.

   يضيف (ولم يبق سرا أن جلالة المغفور له الحسن الثاني قد سبق له أن رفض خلال مناقشة عن أوضاع حقوق الإنسان، أي مقارنة بين القطب الإسلامي الشيخ عبد السلام ياسين وبين المعارض السرفاتي) مشيرا إلى مقارنة المغرب وإسرائيل التي أفرجت عن الشيخ يس ولم تطلق حكومة التناوب إطلاق سراح الشيخ يس.

   لم يكن ذكر الكاتب لإسرائيل أن يمر مر الكرام في تغطيتها الذكية لما يجري في المغرب، لكنها سارعت إلى دعم “السرفاتي” في مساره لاحتواء التطورات المتسارعة في دوائر القرار المغربي بعد وفاة الحسن الثاني، وكان لابد من التحكم فيها.

   يقول الكاتب، في حينه، ما كل شيء يقال، فهذا الشيخ عبد السلام ياسين القابع في بيته في حي السلام بمدينة سلا، تحت إقامة جبرية، زرته مرة حين أشيع خبر إطلاق سراحه، فسبقت الإشاعة… ودخلت عليه، وبعد الحديث الطويل أمسك بيدي وقال لي: إننا نحترم أحفاد رسول الله وندعوا لهم بالهداية، وأكد العبادي بعدها قراءة سورة ياسين على روح الحسن الثاني.

   وبقيت هذه الإشارة تجرد الرجل، حسب المقال، من الصبغة التي تطلقها حوله الأجهزة المتخصصة في صبغ الحقائق وتشويه ملفات الرجل، وليس الرجل هو الإمام الخميني الذي شطب نظام الشاه الفاسد وهو منفي، ولكن الرجل الذي يقف بجانب الأغلبية الساحقة من المغاربة الذين ملوا الشعارات وكرهوا الفساد المستشري، والتفكك الأخلاقي والتبذير الإداري، والمشي بعيدا في الاتجاه المعاكس.

   واكتشف الباحث عن الحقيقة أصل الشيخ عبد السلام ياسين، من رسالة كتبها إلى القاضي عمر فوزي التكزريني يذكره فيها بأنهم أبناء عم ينتمون إلى آيت بيهي وأنهم أشراف.

عبد السلام ياسين ليس الخميني

   حمل مصطفى العلوي المسؤولية المباشرة على عدم لقاء الشيخ المحبوب، كما سماه والملك المحبوب، كما أجمع عليه المغاربة، إلى الأجهزة ذاكرا لها في مقاله الذي أفرده لمرشد جماعة العدل والإحسان، وقال بخصوصه “إن ياسين لا يخفي انتماءه لسلالة الرسول الذي تتفرع عنها الأسرة التي تحكم المغرب باسم الرسالة المحمدية ـ مبدئيا ـ منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا”، وإن كان الشيخ يس إدريسيا وتحدث في بعض كتاباته بإلحاح عن “العداء المزمن بين أسرة الأدارسة والأسرة العلوية”، إلا أنه في نفس كتابه “الإسلام أو الطوفان” وبعد أن يقدم نفسه بهذه العبارة “أنا عبد الله المذنب ابن فلاح بربري نشأ في القلة والحرمان المادي” فإنه يخلص إلى تثبيت مركزه في السلالة النبوية فيقول: “إنني ابن الفلاح البربري الفقير، إدريسي شريف النسب، أعوذ  بالله أن أدعو إلى عنصرية قبلية، وإن من شكر الله علي بالنسب الشريف أن أعرف للعرب فصلهم بشرط جوهري واحد، وهو ألا تكون العروبة غلا في أعناقنا”.

   ولكن المخططين يعملون لتحويل الشيخ يس إلى عدو لنظام يلتقي معه في النسب، وربما هذا ما يؤاخذه من لا نسب لهم(…) على الشريف الإدريسي عبد السلام يس، ولم يكتبوا في ملف الشيخ عبد السلام أنه حفيد قائد كبير من كبار رجال السلطة والمخزن أيام مولاي سليمان الذي كان عكس الظروف الحالية “يدعو القائد أبو مروان عبد الملك بن بيهي بالجلوس إلى جانبه… ويدعو له بالخير قبل أن يتوجه إلى باقي القواد”، والكلام للناصري في الاستقصاء الذي أضاف: “إن السلطان سيدي محمد بن عبد الله أضاف إلى قائد حاحا عبد الملك بن بيهي عمالة سوس ثم أضاف إليه عمالة الصويرة… وبقي على عمالة حاحة والسوس وأكادير إلى أن توفي في بوتزارات ثم نقل جثمانه بأمر مولوي… إلى قبة سيدي مكدول أمام المحراب. وخلف هذا الشيخ، الجد الرابع للشيخ عبد السلام يس ولدا اسمه عبد الله، تعلوه ملامح العظمة والهيبة، ورث عظمة والده وحظوته لدى الملوك، وكانت له أملاك كثيرة بالصويرة حيث يوجد الآن درب عبد الله بالمواسين”.

   الشيخ يس القادم من حظوة أجداده بالصويرة واجه صورة أخرى بثها أندري أزولاي في مهرجان معروف باسم المدينة خاص بموسيقى كناوة.

   دافع مصطفى العلوي وحسن أوريد وغيرهما على لقاء الشيخ المحبوب والملك المحبوب دون أن يتمكنا من مواجهة المناورة السريعة والذكية لأندري أزولاي والسرفاتي وكرسا فيها موقعا متقدما في القصر وبدهاء يقول مصطفى العلوي في نهاية مقاله “إذا كان للسرفاتي ما يعتذر في شأنه، فإنه لا شك أن الدولة المغربية هي التي يجب عليها أن تعتذر للشيخ ياسين”. 

error: Content is protected !!