في الأكشاك هذا الأسبوع

هل نريد محاربة الفساد.. أم لا..؟

بقلم: محمد بركوش

                           

   ليس هناك من علة أو سبب مقنع يدعوان إلى كل هذا الصخب السياسي إن صح التعبير، وما صاحبه من وعيد انتهى بالتهديد غير المبرر بالانسحاب التام والكامل من الغرفة الثانية، ليس لذلك من دافع سوى الخوف كما قيل من إحراق تلابيب البعض، ومحاولة برمجة مسبقة لتفادي النيران الملتهبة التي تأتي على كل فائز بطريقة مشبوهة، بها غش وتدليس على إرادة المواطن الحرة، خاصة وأن أمر الفساد الانتخابي لم يكن محصورا في أرض دون أخرى، أو مقتصرا على فئة دون غيرها، كل الأحزاب وبدون استثناء حتى تلك التي “طرأت تغييرات وتحولات على مستوى تصورها وبرامجها بعد أن انتقلت إلى نهج أسلوب يقوم على البرغمانية والمصلحية عوض الاكتفاء بالمرجعية والقيم الأخلاقية بدعوى الاحتكام إلى مبدأ التدرج وغيره من التسميات والشعارات” (الأستاذ محمد الزهراوي الأحداث المغربية العدد 5714)، قلت كلها صاحت في وجه الفساد ونددت بتصرفات بعض المنتخبين الذين دخلوا الميدان النظيف مدججين بسلاح المال، ناسين أو متناسين ارتفاع منسوب النضج لدى المغاربة وتطور وعيهم  بالكامل كما قال صاحب الجلالة محمد السادس: كلها دعت إلى النزاهة والمصداقية والكفاءة  لتدبير المرحلة بنوع من الوضوح والاستقامة حتى (لا يكون الخروج من الخيمة مايل) المنظمات التي تعني بشأن الوطن وحقوق المواطن رددت نفس الكلام مع إضافات  في الاجتهاد والاقتراحات، منابر شتى تجاوزت الحد المعقول بعد أن أعماها الغضب واستبد بها القلق من فرط تطبيق القانون، بحيث وجهت اتهامات خطيرة، تحتاج إلى مساءلة (على مستوى الاتهام)، وجهتها إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها التي لا تقوم لها قائمة إلا بوجود ثقة وتعاقد مبدئي (أخلاقي بالدرجة الأولى) بينها وبين المواطنين يسمح لها بأن تؤدي واجبها وتقوم بمهامها في أحسن الظروف وبمساعدة المواطن الذي يرتاح لعملها ويضع ثقته فيها، وزير العدل والحريات نفسه وفي سياق تبريره لعدم تحريكه للنيابة العامة “لمتابعة أثر اتهامات تراشق بها مسؤولون وسياسيون” وصرح بها صقور من حزب الوزير ذوو ثقة ومصداقية، قال أي وزير: “إنه بدوره يشعر أنه جرى استعمال المال في الانتخابات ولكنه لا يمكنه التحرك بدون دليل” وهذا في نظر البعض موقف رجل مسؤول لا ينساق وراء الادعاءات والمزاعم المؤسسة على مجرد الظن أو الافتراء ليس إلا.

   الدولة بكل مقوماتها حاولت بما في وسعها وطاقتها أن تكتسب الرهان وتستفيد من المرحلة التي قيل عنها بأنها منعطف خطير فيه (إما وإما) بعد أن تلقت الإشارات الكبرى وأدركت الأهداف منها، حيث سخرت كل إمكاناتها كما قلت سابقا ومواردها والوسائل المتوفرة لديها من أجل تمر كل الأشواط الاستحقاقية في ظروف ناصعة وبلا شائبة كما قال أحد الأساتذة، ترفع من قيمة المغرب وتجعله يخطو بخطوات سريعة إلى جانب دول لها جذور في درب الديمقراطية، ووضعت ترسانة من القوانين المتطورة تماثل قوانين دول متقدمة أن لم تكن أرقى منها كما قال صاحب الجلالة بمناسبة افتتاح الدورة الأخيرة للبرلمان، كما هيأت أجواء ملائمة وأمنخة موالية رغم ما قيل عن مواعيد الانتخاب لأن هذه الأخيرة مشتركة ومطبقة على كل الأحزاب والأفراد والجماعات، ومكنت المؤسسات الحزبية من وسائل الدعاية والحملات. بما في ذلك المال “عصب كل حركة”، ولم تنس أن ترصد تحركات المؤثثين للمشهد الانتخابي عن طريق التصنت، وهي عملية لم تعد تجدي في الوقت الراهن نتيجة “نبوغ” السماسرة وتطور أساليب عملهم، واستعمال تقنيات عالية في التواصل، والتخاطب، بمصطلحات ومفاهيم لا علاقة لها بالعملة المغربية (أي الفلوس)، مثل الأكباش والأبقار وأشياء أخرى تدخل في سوق البهائم أو التجارة، ورغم محدودية عملية التصنت إلا أن اللجنة المكلفة بتتبع الانتخابات والتي يرأسها وزير العدل والحريات ووزير الداخلية بعمق تجربتها وانطلاقا من قوة التزامها والسلطة المستمدة من الظهير المؤسس لها والذي ينص على مهامها والاختصاص الموكول إليها “بمحاداة مع الصلاحيات التي يخولها القانون للأجهزة التشريعية والإدارية والقضائية” تصرفت في حدود القانون، خاصة عندما نشرت بلاغا (بعد أن جمعت معلومات مهمة) بأسماء بعض “المتورطين” من جميع الأحزاب حتى حزب الوزير مصطفى الرميد، وهذا يعطيها ربما بعضا من المصداقية وينفي عنها تهمة الانتقائية التي روج لها البعض، ويبعد عنها “ترجيح كفة على أخرى”، ويسحب عن عملها ونتائج بحثها صفة الإرهاب، وأعلنت عن لوائح “المتهمين بالفساد” وتقدم المال للفوز في انتخابات ليست “غاية في حد ذاتها”، وإنما هي وسيلة لبناء مؤسسات في المستوى وفرز نخب قوية في مقدورها تدبير الشأن العام والدفاع عن الوطن أمام المحافل الدولية والمنظمات العالمية التي لا زالت متدبدبة في مواقفها وخاطئة في تصورها، تلك اللوائح التي اعتبرتها الاتحاد الاشتراكي العدد 11133 “نهاية منطقية لمسلسل بدأ أعرج وانتهى أعرج”، والتي أيضا احتجت بعض المنابر (بحرارة باردة) على نشرها لما فيها من “مس بالكرامة وضرب لمبدأ البراءة هي الأصل” بيد أنها وفي سياق الانتقاد عملت على نشر صور أولئك الأشخاص بالألوان الناصعة وليس بالأبيض والأسود.

   لقد رأى البعض في البلاغ “انتقال من خروقات تهم التدبير إلى أخرى تمس مكاسب حقوقية مكرسة بالنص والممارسة” رغم أنه أي البلاغ لا يشير إلى متابعة هذا أو ذاك بقدر ما يشير إلى إحالة الملفات على الجهات المختصة باحتياط كبير من الاحتراس وتفعيل لمبدأ “الحق في المعلومة”، وضرورة إخبار الرأي العام “بنتائج البحث التي أجري بشأن الشبهات في استعمال المال في انتخابات مجلس المستشارين”، وهذا رأي الأستاذ طبيح عبد الكبير، مضيفا إليه قوله “الأشكال ليس في سوء تطبيق الإجراءات المسطرية أو التعدي على بعض المبادئ، وإنما في الإساءة إلى الإرادة الشعبية، إذ أن استعمال المال كرشوة لقضاء أغراض خاصة هو بسيط بالنظر إلى استعماله لأجل تشويه وتغيير الإرادة العامة للمغاربة” أي بالعربية تاعرابت “واش بنا نحاربو الفساد ولا لا”.

error: Content is protected !!