في الأكشاك هذا الأسبوع

الانتخابات “صفقة دولة” بين رئيس الحكومة والمستشار الهمة

تقارير سرية للدول الدائمة في مجلس الأمن

إعداد. عبد الحميد العوني

 

جزمت خمسة تقارير سرية لثلاث دول دائمة في مجلس الأمن بأن نتائج الانتخابات الجهوية في المغرب “صفقة دولة” بين رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، والمستشار الملكي علي الهمة الذي يقود ملف الجهات ونظامها بشكل حصري، منذ نقل زميله في القصر ورئيس اللجنة الاستشارية الملكية حول الجهوية عمر عزيمان إلى إدارة ملف التعليم.

وقرر بن كيران صفقة “الانسحاب الصامت” من مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة غداة ظهور نتائج الانتخابات الجماعية لتؤول إدارة خمس جهات في المملكة إلى حزب البام، بدأها إلياس العماري بجهة طنجة، قال فيها من سمى نفسه “ولد خديجة” متوجها لبوهريز، وفي نص مسجل: أنت من ربيتيني، وأن هذه الاختيارات للمستقبل لن تفهمونها الآن؟ وأدرك الجميع أن الحسابات الجارية تحمل طابعا أمنيا واستراتيجيا انتهت بتعاون العدالة والتنمية مع الأصالة والمعاصرة وإيلاء المالية إلى أحد الإسلاميين.

والتقى الهمة بعبد الرحمن اليوسفي مطولا قبل لقاء شيخ الاتحاديين بإلياس العماري لتوضيح حسابات الدولة المرتكزة في رهان واحد: الجهات، وكان الاتحاديون منزعجين من قضية وادي نون، ودخل بلفقيه الذي فقد منصب الجهة لصالح بوعيدة، القريب من كاتبة الدولة في الخارجية، في البروتوكول الذي استقبل هولاند.

وحسب تقرير فرنسي، فإن إدريس لشكر أظهر في زيارة هولاند غضبا شديدا على إدارة الانتخابات في بلاده، ولم يعتبر تطييب الخاطر الذي حدث مع اليوسفي وبلفقيه كافيا لحزبه على الإطلاق، وتحولت المعركة إلى القضاء الذي انتصب فيها الوكيل القضائي دفاعا عن والي جهة كلميم يومين بعد صدور حكم من المحكمة الإدارية يقضي بإعادة فرز الأصوات الملغاة في اقتراع 4 شتنبر، واعترف الخطاب الملكي الأخير بوجود حوادث معزولة وجب عرضها على القضاء.

ويضيف التقرير في فقرته الخامسة: “هناك صفقة صمت بين بن كيران وعلي الهمة”، مررت كل الحسابات الموضوعة على الطاولة مع هامش مناورة إعلامية لرئيس الحكومة كي لا يفقد حزبه وهو ما يتماشى مع تصريح أخير للوزير بن عبد الله (إن لبن كيران حس كبير لمصالح الدولة ويعرف كيفية اشتغالها”، ولم يصطدم بأي جهاز أمني أو مصدر قرار إلى الآن.

وحسب مصادر خاصة، تدخل بن كيران لوقف أفتاتي الذي دافع عن تحالفات الأغلبية في شمال البلاد، “وسمح القرار بشق الجدار الذي توسع لصالح البام”، وقبل 4 شتنبر الماضي أبطل رئيس الحكومة اقتراح العثماني بتقديم منافس قوي لإسقاط إلياس العماري في دائرته.

وفي لحظة فاصلة، عوض مصطفى الرميد أفتاتي، ودعا وزير العدل إلى تحالف الحزبين: الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية في الحكومة القادمة لإنجاح معركة الجهوية التي بدأت بوادرها من مراكش التي اتصل فيها بن كيران بالأمين الجهوي لحزبه وقال له: لا تناقش في اخشيشن، انكمشوا إلى أن يمر لرئاسة الجهة، وكانت هذه التفاصيل التي تابعتها الأجهزة الغربية “إيذانا بوجود بوجود انكماش استراتيجي مقصود لحزب العدالة والتنمية في الجهات لتمرير الخطة والأسماء التي يريدها علي الهمة للوصول بالجهة إلى بناء مؤسسات قوية”.

وبدأ ما دعاه تقرير المملكة المتحدة “الانكماش المقصود لحزب رئيس الحكومة” مباشرة بعد تخوف الحكومة الفرنسية وإعلامها من سيطرة حزب العدالة والتنمية على ثلاث من أصل 4 جهات هي الأقوى كثافة في المملكة، وتضم 15 مليونا ونصف المليون نسمة، أي نصف سكان المغرب، وحوالي 40 في المائة من الناتج الوطني الخام.

وأوعز بن كيران إلى وزيره في الاتصال بكتابة مقال يرفض فيه من قال بثنائية المشهد السياسي بين حزبه العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وكانت هذه الإشارة تسهيلا كبيرا لتقدم البام في انتخابات مكاتب الجهات وفي رد إلياس العماري ما يفيد أن حزبه يقبل مشاركة حزب العدالة والتنمية في ورش الجهات، لكنه لا يصل إلى رد التحية على الإسلاميين بتغيير قيادة البام والدخول في حكومة واحدة.

ويرغب رئيس الحكومة في تمكين اخشيشن من الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة لطي صفحة الصراع المحسوب مع العدالة والتنمية، وتريد أوساط رئاسة بنشماس لمجلس المستشارين ونهاية طموح العماري في رئاسة جهة طنجة لإنجاح هذه الخطوة التطبيعية بين الحزبين، وجاء الرد الدولة ذكيا ومركبا:

أولا: أراد بن كيران بتعيين وزير جديد للشبيبة والرياضة استبدال وزير العلاقات مع البرلمان التابع لحزبه والذي يرأس في نفس الوقت عمادة الدار البيضاء من أجل إدارة جيدة للعاصمة الاقتصادية، لكن هذه البدعة طرحت تحديا على مصطفى الباكوري الذي يرأس جهة البيضاء والطاقات المتجددة في ورززات، وعلى ضوء تكثيف التنسيق بين البام والأحرار في لعبة تبادل الخدمات أوقفت مراكز النفوذ التصعيد داخل حزب الأحرار والحركة الشعبية بتعيين سريع للسكوري مكان العنصر في وزارة الشبيبة وعدم ترك الاستوزار رهانا للحركات التصحيحية في الحزبين.

وجدد القرار الفيتو ضد توزير القيادي في صفوف حزب العدالة والتنمية حامي الدين، لأنه يحمل بدوره فيتو ضد إلياس العماري وقيادته لحزب الأصالة والمعاصرة.

وفهم بن كيران الرسالة القوية التي حملها قرار تعيين وزير بوزير بشكل فاجأ رئيس الحكومة، حسب مصادر عليمة، وأسر إلى الإعلام بأنه رفض أي تغيير في وزراء حزبه، رغم أن الأمر لم يكن تحت سيطرته.

ثانيا: معركة الصحراء التي استهدفتها الجهوية محسوبة، ولها وجه آخر، يقول تقرير حساس نقلا عن مستشار دبلوماسي لدولة غربية: إن معركة النظام المغربي حاليا ضد الانفصاليين في الأحزاب الوطنية بمناطق وادي نون والعيون ووادي الذهب (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، والأحرار) وفوق أراضي الصحراء، وليست الحرب القادمة في الرباط، وانتهت فترة قاد فيها صحراوي ـ بيد الله ـ مجلس المستشارين، وتركت كتلة حمدي ولد الرشيد هذا الرهان حفاظا على رئاسة “خلي هنا” وأخ حمدي للكوركاس.

وجاءت الرسالة مكثفة على أساس أن نضال الصحراويين محصور في الصحراء، فوق أراضيهم فقط، فيما ملأ انفصاليون سابقون منافذ التحول نحو الجهوية كي لا تبقى رهانا للوحدويين، وتلك قصة أمنية وسياسية جعلت الجهوية “تحت ضغوط الأمن القومي للمملكة” وتنخرط فيه كل الأحزاب بطريقة مباشرة ومناورات شديدة التعقيد على صعيد الخطاب السياسي.

ثالثا: تنزيل (الأمازيغية) لغة رسمية في ظروف آمنة محسوبة؛ في جهة الأطلس عبر وزير الداخلية السابق محند لعنصر، وجهة الريف من خلال إلياس العماري الذراع القريب من الهمة، وعبر الوزير أخنوش في منطقة سوس، وذكر الملك في خطابه الأخير حكومته بضرورة الالتزام بأحكام الفصل 86 من الدستور، الذي يحدد نهاية هذه الولاية التشريعية كآخر أجل لعرض القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية.

ويظهر أن الخطة مدروسة بخصوص “تأمين تنزيل الأمازيغية في جهاتها” دون المساس بالأمن القومي المغربي.

وكانت الكلمة المتداولة، والمترجمة، والتي حملها تقرير كريستوف روس هي التي قال فيها العاهل المغربي في خطابه الأخير “ليس أمامنا إلا خيار واحد هو إقامة مؤسسات جهوية ناجعة حتى لا يخلف المغرب هذا الموعد الهام مع التاريخ” ورغم أن النظام الجهوي بدأ ملكيا من خلال لجنة عزيمان ويتواصل بتدخل ملكي، فإن إدارة حكومة بن كيران له بإشراف كامل لوزير داخلية مستقل وغير حزبي.

وكانت إشارة قوية من الدولة بمواصلة حصاد لكل مهامه، رغم الانتقادات التي دفعت في وقت سابق، وفي انتخابات جزئية إلى إقالة محند العنصر، وجاء رفض ما دعاه الملك محمد السادس “الاتهامات الباطلة الموجهة للسلطات المختصة بالانتخابات” واقتصار التعديل الوزاري على وزير الشبيبة والرياضة رسالة لحزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، ويبدو حسب مصادر خاصة، أن إدريس لشكر وشباط فاجآ مصادر القرار المغربي، ودفعا الدولة إلى تدخل الملك لطي الصفحة وأضافت “إن الانسحاب الذي وقعه بن كيران في وجه الأصالة والمعاصرة ملأه حزب التقدم والاشتراكية في صفوف الأغلبية وحزب الاستقلال وإدريس لشكر في صفوف المعارضة، وسبب هذا التحول قلقا غير مسبوق في أوساط نافذة، واكتشف البعض أن المعركة بين بن كيران والبام لم تكن اختيارية، بل محسوبة”.

ويريد البعض استمرار ترتيبات معركة ما قبل 4 شتنبر إلى الانتخابات التشريعية القادمة لكن الخارطة الحزبية تغيرت بعد الانتخابات الجهوية، رغم التدخلات والمتابعات التي تتواصل لإبقاء المشهد السياسي مستقرا في داخل المملكة.

وسيكون أي توتر على صعيد بناء المؤسسات الجهوية عاملا غير مساعد في ملف الصحراء التي أكدت المواجهة مع السويد أنها “إعادة توجيه للبوصلة الحزبية” بعد الاضطراب الذي وقع في أول الانتخابات جهوية تحت دستور 2011.

وفعلا قرر الاستقلاليون ترك رهان الجهات كاملا لصالح حسابات الدولة، ودفع الحزب ثمن حمله شعار الصحراء الشرقية في وجه الجزائر التي حرمته من رئاسة جهة على الحدود (درعة تافيلالت) قبل أن يستقر الحال بوضع وجدة تحت الإدارة الاستقلالية السابقة، دون تكاليف سياسية جديدة.

وفضل شباط الرهان على مجلس المستشارين، لكن وزارة الداخلية واصلت حساباتها بخصوص المجلس المذكور، وأصرت كما يقول وزير العدل مصطفى الرميد على نشر اللائحة المعروفة بـ 26 رغم تحفظه على المساس بقرينة البراءة.

وضمت اللائحة اسمين من حزب العدالة والتنمية الذي طرح عليه الاستقلاليون المساندة النقدية، وهي إشارة سياسية إلى رفض أطراف التنسيق بين كتل المحافظين في الحزبين (العدالة والاستقلال) وخوف المغرب من ائتلاف حكومي محافظ في المستقبل، فيما تكون فيه الحكومات متعددة الأطياف (الإيديولوجية) إلى الآن.

ويعتقد الجميع أن ملف الصحراء (الشرقية) وفشل البام في دخول الصحراء “الغربية”، والائتلاف الحكومي المحافظ، وإدارة وزير حزبي لوزارة الداخلية خطوط حمراء، لأن وزارة الداخلية غير مستقلة عن الأحزاب لن تخدم تنزيل الجهوية مشروعا للدولة المغربية وليس مشروعا للحكومة، وقد تفشل الانتخابات القادمة لأن الجرأة كبيرة على الداخلية  التي تديرها، كما قد يتعزز مع هذه التطورات البعد العرقي في تنزيل الأمازيغية إن تسلم الاستقلاليون أحد غرفتي البرلمان، ولو بقي الأمر محصورا في الحرب الإعلامية، وتخشى أوساط أن يبعد الاستقلاليون الحزب الإداري لمرحلة محمد السادس (الأصالة والمعاصرة) عن رئاسة المستشارين، فيما تقاسم البام والأحرار الحزب المثيل له عهد الحسن الثاني غرفتي البرلمان.

تقول الفقرة العاشرة من التقرير الموجه لتقييم الدولة الفرنسية “إن الامازيغية تشغل حيزا أمنيا حقيقيا في ترتيبات الجهوية كي لا تكون مدعاة لانفجار عرقي، وإن محدود، نلاحظه في الجزائر”، ويمكن أن يتعمق في إقليم الصحراء، حيث تحولت المواجهة في وادي نون إلى إثارة الجانب العرقي، ولم يبرئ المتابعون القيادة الجهوية لحزب الاستقلال من الأمر.

وإن غطى ترشيح قيوح لمجلس المستشارين على التطورات التي عرفتها معركة رئاسة وادي نون، فإن متابعة وزارة الداخلية للمتورطين في فاس وأكادير، موطن الأمين العام لحزب الاستقلال، ومرشح حزب الاستقلال لمجلس المستشارين، يطرح سؤالا حزبيا محيرا على المنتمين لهذا الحزب، ويزيد من الصعوبات القادمة رغم أن انتخابات مجلس المستشارين لم تكن قضية دولة، بل قال الملك إن كل التجاوزات معزولة ومعروضة أمام القضاء.

error: Content is protected !!