في الأكشاك هذا الأسبوع

هبوط قوي للأبناك الفرنسية في بورصة الدار البيضاء

هل هي إشارة إلى تراجع الثقة الخارجية بالمملكة

 

إعداد. عبد الحميد العوني

 

   ما لم ينتبه المحللون الماليون إليه، وأثار مخاوف اقتصادية في دوائر القرار، هو التراجع القوي في أرباح فروع المصارف الفرنسية في المغرب والمدرجة في بورصة الدار البيضاء، وجاءت النتائج محذرة من:

   أ ـ تراجع الدائرة الإفريقية في الاستثمار البنكي، وتضم باريس دولة المغرب إلى دوائرها في القارة السمراء، وينبئ التراجع الحادث في إفريقيا إلى تدهور مرتقب للعمل البنكي المغربي في القارة.

   ب ـ تراجع الثقة الخارجية للمغرب من طرف أقرب حليف له: فرنسا، خصوصا بعد اصطدام الرباط بشركات كبرى خليجية واسكندنافية في الفترة الأخيرة، وجاء استقبال رئيس الحكومة بن كيران لنائب الرئيس المدير العام لشركة “جنرال إلكتريك”، لتبديد هذه المخاوف، على الأقل في الجانب الآخر من الأطلسي.

   وهبطت أرباح “كريدي دوماروك” أكثر من النصف فيما وصلت خسارة البنك المغربي للتجارة والصناعة إلى 14 في المائة.

   ويزيد المؤشر الفرنسي المذكور سوءا في ظل إعلان الحكومة الأمريكية لعجز مالي وتأثير هذه الأوضاع الحالية على خارطة توجهات الاستثمارات الخارجية التي زادت عجزها في النصف الثاني من سنة 2015.

   وأطلق المغرب موجة ارتفاع جديد في القروض الداخلية للتغلب على انعكاسات هذه المرحلة، فيما تقترب الاقتراضات من   النفاذ في العشرين شهرا القادمة.

   وإذا ما زاد مقدار الأموال التي يمكن للشركات الأجنبية اقتراضها من الأبناك المحلية، فإن نسب السيولة ستكون شديدة الاستنزاف، كما قد يؤدي الوضع إلى كارثة مزدوجة، إن نقلت المصارف الفرنسية عملها من المغرب إلى بلدان القارة السمراء لمزاحمة الأبناك المغربية، ومواجهة الأخيرة للأزمة المالية داخل المملكة بشكل منفرد.

   يقول تقرير سري: إن السياسات المالية المغربية لن تجد المساندة من الأمريكيين في الأفق القريب لأسباب مختلفة، فالاتفاق التجاري الحر بين الرباط وواشنطن لم يطور العمل المالي بين البلدين، وبريطانيا لن تغطي العجز الحادث عاجلا.

حالة مزمنة من التراجع المالي في بورصة البيضاء

   ارتفعت الأرباح الإجمالية للمصارف المدرجة في بورصة البيضاء بـ 2.2 في المائة مع الإشارة إلى تراجع البنك العقاري والسياحي لعدم امتداده في إفريقيا، وتراجع كل من قطاعي السياحة والعقار، ونزلت مبيعات القطاع العقاري خلال النصف الأول من العام بنسبة 27.8 في المائة، وهبطت أرباحه الصافية بنسبة 68 في المائة مقارنة بالفترة الأولى من عام 2014.

   وبسبب هذا التراجع خسرت شركات الأشغال المرتبطة بالقطاع حوالي النصف، وتقدم البناء الذاتي للمساكن وتصدير الإسمنت نحو إفريقيا، بما جعل شركات الإسمنت تحقق تقدما طفيفا بخمس نقطة بالمائة.

   ويأتي العجز المالي من استمرار حالة الجمود التي تبناها بنك المغرب لمواجهة الأزمة المالية منذ سنة 2008، حيث زاد من وتيرة الديون الداخلية، وطالبت مندوبية التخطيط المغربية بنموذج اجتماعي دون التفكير في بناء نموذج مالي مغربي، وجاءت بريطانيا للقول إنه مشروع متوسط المدى ولا يمكن توقعه في الفترة القريبة، ويخشى المتابعون من موجة جديدة من الديون الداخلية قد توقع أزمة مالية “غير مسيطر عليها” في ظل انخفاض الأرباح المزمن، وصل في نصف العام الحالي إلى 31.6 في المائة.

ولا يمكن للأبناك المغربية تحقيق متنفس استثماري لها خارج الحدود مع حدوث تراجع لها في بلد “المنشأ”.

   ويعيش المغرب حالة من التردد الكبيرة، وهناك ممارسة مالية قد تورط حكومة بن كيران في حسابات اقتصادية خاسرة باسم الحفاظ على الأمن القومي المغربي، ويجد كل من التقى رئيس الحكومة المغربي هذا التوتر الحساس في كلامه وتصرفاته، وخسر حزب العدالة الحاكم أوساط كبيرة من رجال الأعمال الذين شكلوا بداية فترة حكم الملك محمد السادس.

   والممارسة المالية للحكومة انتهت بإيجاد هامش لها بعد تغييرات قادتها في صندوق المقاصة، ولم تتجرأ أطراف أخرى على دعم هذه الخطوات التقشفية، ويعيش البنك المركزي المغربي (بنك المغرب) على إيقاع واحد منذ سنة 2008 إلى الآن مع ظلال قاتمة على كل من السياسة الاستثمارية والقدرة الاستهلاكية للمواطن محدود الدخل.

 تراجع المصارف الفرنسية في المغرب إشارة مالية “سلبية”

   لن يعود من الممكن مواكبة الاستثمارات الفرنسية في المغرب من فروع المصارف الفرنسية في هذا البلد، إن استمرت التراجعات المزدوجة على صعيد الاستثمارات وعمل الأبناك، وينظر مستشارو هولاند إلى “ضرورة عدم خسارة المواقع أو تبني عمل الأبناك المنافسة” وجاء التصريح واضحا في لقاء طنجة، والرئيس الفرنسي يعبر لمدير “ألستوم” عن ضرورة “ربح الزمن وربح استقرار الأعمال”.

   وتبقى الخطوط المالية المغربية من دون تغيير، حيث يصر بن كيران وحزب العدالة على قيود الإنفاق الصارمة على البرامج المحلية، بينما يرى معارضوه زيادة في البرامج الاجتماعية لمواجهة التحرير الشامل للمواد البترولية، ولا تزال المقترحات المطروحة مثل رفع سن التقاعد، ومواجهة الضغط التأميني مقابل التضخم غير مؤكدة، كما لا تعتبر من المسائل التي تحظى بالنقاش العمومي رغم خطورتها على مستقبل المواطن.

وقد تكون تهدئة الحرب الشخصية بين أمناء الأحزاب متنفسا لإعادة طرح القرارات الحكومية في مرجعيات التساؤل مجددا.

   ولا يجد المستثمرون الفرنسيون الفرصة مؤكدة لسياسات حزب العدالة المحافظة في الجانب الاقتصادي، وتغليب الشركات المغربية أو الحليفة ـ التركية ـ على قطاع هام من الأعمال، فالإسلاميون ينشئون تطويرا لرساميلهم الاستثمارية، ويتقدم هذا التوجه المحافظ إلى الحد الذي وقع فيه تقييم بنكي على (صعوبات استثمارية متوقعة، سيكون بموجبها تراجعات مالية مفتعلة لضرب الحكومة الحالية وعدم تجديد عهدتها، وأيضا لأن الحقل المغربي عرف تسييسا متقدما للرساميل وعمل الشركات الكبرى).

النظرة المالية المحافظة تسود وزارة المالية وبنك المغرب

تبحث دوائر القرار المالي في المغرب عن “محسنات ديكورية” لتمييز كل طرف في دفاعه عن نفس السياسة المالية.

   ولا يوجد حسب تقييم فرنسي “أي خلاف جوهري بين وزارة المالية وبنك المغرب ورئاسة الحكومة لأن وزيرا للخزينة تابع لحزب العدالة والتنمية لا يختلف عن أي متفحص مالي ولا يملك قدرة على صناعة أفق مالي جديد للمملكة”.

   ويمكن في الأفق القريب تجاوز عمل الوزير الأزمي تماما. كما يقول المسؤولون في الإدارة المغربية أن تحديات الانكماش المالي لن تؤدي سوى إلى تمرير التسوية الحالية، ولا يجد بن كيران مانعا من زيادة الدين الخارجي للمملكة، وأن في سنة الانتخابات التشريعية، وبصورة منفصلة، يجب وضع مشروع قانون لتمويل النقل وإطلاق بنك التصدير والاستيراد من طرف هولدينغ “سني” (أونا سابقا) لأنها قادرة على إخراج نفسها والمملكة من المأزق.    

   ومن غير الواضح، إذا كانت الدولة و”سني” تعملان على تسوية مالية من أجل فعل اقتصادي متقدم، في الميزانية لم تعد معركة، والسياسة المالية محسومة، ويمكن عدم الانقسام المالي على أي شيء.

   ومن الغريب أن نجد انسجاما للسياسة المالية الداخلية في المغرب وافتقارا استراتيجيا نحو الخارج، فيما يخص الاستثمارات بعد تلاشي دور أزولاي، التسييس المفرط لاقتصاد المملكة بعد انسحاب الهولدينغ الملكي من الاستثمارات المباشرة في الأسواق، وتراجع الحكومة عن سياسات الدعم وإغلاقها لكل المنافذ في السياسات الاقتصادية الخارجية.

   ولا يزال سيناريو التراجعات الفرنسية في السوق المغربي متوقعا رغم ما ينهجه البعض بتعويض شركة بشركة وطرف دولي بآخر.

 الفرنسيون لا يؤمنون بتواصل السياسة المالية خلال ولايتين حكوميتين

   تخلى حزب العدالة والتنمية عن أي إضافة في السياسات المالية للمملكة، وتحول كل القرار المالي فعلا إلى القصر الملكي، واقترح بنك المغرب خلق (سياسة إصلاحية) لكنه لم ينخرط فيها، وستوجبها الظروف بعد سنة 2016، أي مباشرة بعد إنهاء الخطوات الموجهة لصندوق المقاصة.

   وستكون الخطوة التالية حساسة، ولا بد من اتفاق واسع بشأن الإنفاق الحكومي في سنة 2017، ولذلك فالدوائر الدولية تريد المزيد من الاستكشاف بخصوص ما هو متوقع في المغرب في ظل ضغوط الجناح المحافظ القائم على إصلاح الصناديق الاجتماعية بالجملة، ومعرفة هل ستكون الصناديق المالية والاستثمارية ـ البنكية تحديدا ـ في مرحلة ثانية.

   وتلتحم السياسات البرغماتية لحزب العدالة والتنمية ورجال الأعمال إلى حد بعيد، يزيد من تقويتها تمثيل المقاولات في مجلس المستشارين، في فرصة مبتكرة.

   ولا يختلف المحللون الماليون الفرنسيون في أكثر من 5 مراكز للبحث عن قدرة الأبناك الفرنسيين على إعادة إدارة بروزها في منطقة غرب إفريقيا لأن الأبناك المتعاونة معها ليست مدعومة بسياسات مالية في دولها الأصلية، وأن باريس تجد ضرورة جدية لتغيير السلوك المالي المغربي في سنة 2017 على أقصى تقدير.

error: Content is protected !!