في الأكشاك هذا الأسبوع

هل يتحول ملف “الأقليات الدينية” في المغرب إلى مشكل سياسي

حكومة بن كيران وملف بناء الكنائس

                                

أعد الملف: سعيد الريحاني

   لا أحد يمكنه أن يتجول في مدينة الرباط دون أن يشاهد هذا العدد الهائل من الأجانب الذين يقصدون الكنيسة، وهم في أبهى حلة، كل يوم أحد، ولا أحد يمكنه أن ينكر هذا التسامح الديني الذي يؤكده فتح الكنيسة للأبواب على مصراعيها أمام روادها، هذا من حيث الشكل أما من حيث المضمون، فنشاط الكنائس لم يعد يقتصر على الكنائس المعترف بها، وفي الأماكن المعترف بها، حيث بات يعمد عدد من المهاجرين إلى ممارسة طقوسهم الخاصة في كنائس منزلية، ولا أحد يستطيع أن يعرف عدد هذه الكنائس المنتشرة في عدة مدن مغربية أو نوعية نشاطها بالضبط(..).

   ((يحكي “جيك بيث”، قس في كنيسة منزلية بالدار البيضاء، عن تقربه من الكنيسة الأنجليكانية لما جاء للمغرب، وهو الذي غادر مدينته برازافيل بالكونغو، وهو على المذهب المورموني، يقول: في المغرب، تقربت من الكنيسة الأنجليكانية، لكنها لم تكن ما أبحث عنه خصوصا، ثم التقيت بعدها بصديق من الكونغو أسس كنيسة منزلية خاصة، أسماها “زارعو الإنجيل”، بدأ يقلدني مسؤولياتها شيئا فشيئا منذ 5 سنوات)).

   “جيك بيث” بدأ برفع عدد رواد هذه الكنيسة المنزلية حتى بلغ عددها حوالي الخمسين، يمارسون شعائرهم الدينية في شقة غير بعيدة عن ميناء الدار البيضاء.. ويعتبر القس “جيك”، أن الكنائس المنزلية هي “أكثر عائلية، وكل شخص بإمكانه التعبير عن همومه أمام الآخرين، نزور بشكل جماعي المرضى والنساء اللواتي وضعن مواليدهن، ونقدم لهن مساعدات ونصلي من أجلهن. البعد التضامني قوي جدا عندنا في الوقت الذي اختفى بالكنائس التقليدية، لهذا طورنا بنيات خاصة بالعمل الاجتماعي” (المصدر: الجريدة 24/ 30 يوليوز 2015).

   بغض النظر عن النقاش حول حرية المعتقد، وهو أحد أنواع النقاش ذات الأثار الجانبية الخطيرة(..)، فإن الحديث عن انتشار كنائس منزلية يفرض التساؤل عن الإجراءات الحكومية المصاحبة(..)، فهذه الكنائس تشكل في بعض الحالات صلة القرابة بين أعضاء الكنيسة والمقيمين في وضعية غير قانونية بالمغرب، حسب المصدر المشار إليه.

   ما الذي يضمن عدم انحراف مطالب المهاجرين، ما الذي يضمن عدم تحول هذه الكنائس إلى قنابل موقوتة مع تحولها إلى ملاجئ، مغلفة بغطاء ديني.. كيف يمكن حل المشكل بعد هذا الخلط بين ماهو شرعي، وما هو غير شرعي، “فعدم القانونية صفة لا تخص فقط بعض رواد هذه الكنائس بل تمتد لتشملها أيضا، فالكنائس الأنجليكانية والكاثوليكية الرسمية هي الوحيدة المعترف بها بظهير شريف”.

   لحد الآن، لا توجد مشكلة واضحة للعيان(..)، لكن يمكن استشعار الخطر القادم في المستقبل، وإلا ما معنى أن يسارع رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إدريس الأزمي، إلى القول بأن المغرب في حاجة قادرة على استيعاب العدد المتزايد للمسيحيين المقيمين فوق تراب المملكة”.. علما أن نفس المسؤول يحذر من مغبة إجبار الأجانب، خاصة من بين أفارقة جنوب الصحراء، على التعبد في أماكن سرية، كما كان الحال مع مسلمي أوربا في سبعينيات القرن الماضي، في إشارة إلى ما كان يعرف حينها بمساجد الطوابق تحت أرضية (المصدر: جريدة الصباح).

  لا أحد يملك صورة واضحة باستثناء المعنيين بالأمر، عن نوعية الكنيسة المقصودة، هل هي الكنيسة الأرثودوكسية أم الكنيسة الكاثوليكية أو الكنيسة البروتستانتية، في ظل هذا الصمت الحكومي، لحكومة يقودها حزب ذو مرجعية دينية ولعل هذا أحد أسباب الصمت.

   يمكن القول إن بن كيران وجه إشارات تصب في اتجاه إيجابي مطمئن للأقليات الدينية، من خلال لقائه مع بابا الفاتيكان يوم 19 مارس 2013، في قداس التنصيب، حيث التقط له المصورون صورا مع البابا، بينما كتب بعض المازحين بأن البابا كان يضحك لأن بن كيران حكى له نكتة(..).

وكان بن كيران قد دشن قبلها في حي الملاح بمدينة فاس، كنيسة يهودية “بعد ترميمها من خلال هبات ألمانية”، بل إن رئيس الحكومة الذي كان حاضرا رفقة وزراء آخرين قال متفائلا إنه يقدم: “درسا للقرن 21، يوجهه المغرب إلى بقية العالم”. وأضاف بأن “هذا الحدث يكرس هوية المغرب كأرض للسلام والتسامح والتعايش السلمي بين مختلف معتنقي الديانات السماوية”، مضيفا بأن “تدشين هذا المعبد اليهودي ستكون له بالضرورة أصداء كبيرة على الساحة الدولية”.. وعلى هامش ذلك وجهت لبن كيران عدة تهم(..)، وهناك من قال بأن أصوله يهودية، وتناقلت مواقع إلكترونية بطاقة مدرسية لرئيس الحكومة وهو طفل وتحمل الاسم الكامل “الحاج الختابوس بن كيران عبد الإله”.. وقتها قيل إن مجموعات شيعية هي التي قالت ذلك، وهنا تكمن خطورة موضوع الأقليات الدينية عندما تتحول من مبدإ التعايش إلى مبدإ الصراع(..).

   هذا من حيث الشكل، أما من حيث الممارسة، فإن حزب العدالة والتنمية وقع له ارتباك كبير لمجرد أن مناضليه اعتقدوا بأن “يهوديا” يريد الالتحاق بالحزب، وكانت بعض المواقع قد كتبت أن محام مغربي يهودي يطلب الانضمام إلى حزب العدالة والتنمية، الحزب الرئيسي بالحكومة وذات المرجعية الإسلامية، لما لمسه بالحزب، ولم يلمسه بأحزاب مغربية أخرى، من مبادئ تتماشى وقناعته”.

   كان طلب الانضمام الذي تقدم به “إسحاق” بمثابة قشرة الموز التي تسببت في وقوع كثيرين في الخطإ، بعد أن أعلن أنه مسلم وليس يهودي:”جدي اللي سماني إسحاق، وجدي كان عرف الإسلام المعتدل وعاش مع اليهود المغاربة ملي كانوا المسلمين واليهود كيعيشو في جو من التسامح، وداك الشي علاش سماني هاد الاسم.. أنا مسلم أبا عن جد”. يقول إسحاق.

   أحد المخطئين في تصنيف إسحاق ضمن خانة اليهود، وأحد الأدلة على خطورة مثل هذه النقاشات هو الشيخ الفيزازي الذي قال:”ما المانع من دخول شخص يهودي في حزب العدالة والتنمية؟ الحزب حزب سياسي. وإذ هو كذلك لا يمكنه أن يمارس في سياسته، ممارسة تمييزية بين المواطنين”.. وتابع الفيزازي: “واليهودي مغربي له حق المواطنة كأي مغربي آخر. وليس الحزب “الإسلامي” من دخل في برنامج اليهودي.. بل اليهودي هو من دخل في برنامج الحزب.. أي هو راض بمشروع الحزب وأهدافه..”. هكذا تحدث الفيزازي وسط جعجعة بدون طحين.

   ورغم أن الأمر لم يصل بعد إلى مستوى نقاش ساخن، والأكيد أنه سيصبح واحدا من المواضيع المطروحة على الساحة بفعل العوامل الخارجية التي باتت تفرض على الدول ما يناقش وما لا يناقش(..)، إلا العلماء مجرد إطلالة على ما يقوله الشيوخ المغاربة تكفي لمعرفة نوعية هذا النقاش المستقبلي، حيث يتحدث الشيخ عبد الباري الزمزمي الشباب ارتفاع نشاط حركة التنصير، والشباب الذين ارتدوا إلى الإسلام بعدما هجروه ويقول: “وزارة الأوقاف تبذل مجهودا في هذا الاتجاه، لكن لأن التنصير يتم في مناطق بعيدة في جبال الأطلس لا يعرف أهلها حتى اللغة العربية فإنه لا يمكن القضاء عليه لأنه يعمل في السر، وأمريكا هي الراعية لهذه الحركة في المغرب، فقبل سنتين زارني السكرتير الثقافي للسفارة الأمريكية وسألني عن حركات التبشير في المغرب؛ وهم يرعون هذه الحركة لأهداف سياسية تتمثل في تطلعهم إلى أن تتكون كتلة من المسيحيين في المغرب”.
   لا يكتفي الزمزمي بتوجيه أصابع الاتهام إلى أمريكا بل إنه يقول: “يجب أن تتدخل أجهزة المخابرات الوطنية لمقاومة هذه المعضلة التي ازدادت حدتها خلال السنوات الأخيرة” (المصدر: المساء 14 شتنبر 2011).

   يمكن القول إن لكل شخص الحق في اختيار دينه، لكن بعض التصرفات قد لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، بالنظر إلى نوعية النشطاء كأن يأتي ناشط مصنف ضمن خانة الأما زيغيين ليقول لوسائل الإعلام: “درت عرس بالطقوس المسيحية، بقداس في الكنيسة وبالقاضي ديال الكنيسة، باش ندير الخاطر للسيدة، ولكن راه عندي العقد ديال المغرب في الوقت نفسه، وأنا كنعرف مغربي تزوج بالطقوس البوذية في الهند”.. وبعدها يكتشف الجميع أن نفس الشخص من أكبر متزعمي الدعاية للتطبيع مع إسرائيل، وهنا يلتقي ما هو سياسي مع ما هو ديني..

   ولم ينتبه كثير من المواطنين إلى أن بعض وسائل الإعلام بدأت تتساءل هل يتعرض المسيحيون مثلا للتضييق في المغرب، بل إن كثيرا من وسائل الإعلام العالمية تقود منذ أيام حملة لتبييض وجه الكنيسة في العالم من خلال تلميع صورة البابا بالموازاة مع الهجوم على كل ما هو إسلامي، ومثل هذه المواضيع هي التي تشكل بالضبط حطب الفتنة الكبرى، وتوفر الجاذبية الكافية لاستقطاب الشباب ومن تم لا غرابة أن نقرأ: “تركت الدين الإسلامي لأعتنق المسيحية منذ ما يزيد عن 20 عاما ولست نادما على ذلك” يقول رشيد، وهو أحد أنشط المغاربة الداعين للمسيحية على الأنترنت ومنن جملة ما يقول: “كان عمري حينها 12 عاما حينما بدأت رحلة البحث والاطلاع على الدين المسيحي وقررت لاحقا اعتناقه.. اقتنعت حينها بأن المسيح هو الله الظاهر في الجسد، جاء ليخلصنا من خطايانا وقد مات من أجلنا..”.

   سواء تعلق الأمر بالمسيحية أو بالإسلام، فإن السكوت عن تنامي عدد المهاجرين بانتماءاتهم الدينية السابقة، ليس سوى تأجيلا لموضوع قد ينفجر مستقبلا، والأخطر أن ينفجر عن طريق قنوات سياسية.

error: Content is protected !!