في الأكشاك هذا الأسبوع

عندما سأل محمد الخامس عن البطالة وهو في غرفة الإنعاش

أسرر استمرار الملكية المغربية

 

   في طهران، تفرد المؤرخ مصطفى العلوي بتركيزه على معامل (البركة) التي أنقذت الحسن الثاني من انقلابين حمراوين في أقل من سنتين، وربما انتساب الملك وهذا الصحافي إلى آل البيت جعل هذا العامل هاما في كتاباته المميزة بين العرش في المغرب والعرش الشاهنشاهي، تقول دكتوراه في جامعة طهران عام 2001.

   ويضيف ب. معظمي في دكتوراه عن صناعة الدولة، ونوقشت في جامعة المدرسة الجديدة ص: 270 “إن القبضة الحديدية للحسن الثاني نجحت ولم تنجح مثيلتها التي مارسها الشاه لانتساب الأول لآل البيت وبركتهم في نظر الكثير من مؤيدي الثورة، وان كفر بها العاهل المغربي”.

   ويبسط مصطفى العلوي عوامل استمرار الملكية في المغرب لتفسير السلاسة التي وصل بها الابن الأكبر للحسن الثاني لخلافة عرش أبيه، ومواصلة المعنى الخاص لهذه الملكية لدى العائلات المغربية، ويعتقد المؤمنون الفارسيون بأن عدم وجود (روح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم) عصف بجزء لا يتجزأ من تاريخ إيران لمدة 2500 سنة حسب تعليق الإمبراطورة فرح، فأين باقي أسرار الاستمرارية؟

 في هذه الحلقة نكتشف باقي الأسرار مع نصيحة ذهبية يأتي بها الحال من الشرق، تقول:

   من المهم ألا يضع العرش كل قوته في الأعيان، يقول مصدق، وأن يقوي الدولة، وأخطأ الشاه في ذلك، فيما نجحت الثورة لأنها أرادت الدولة القوية، يقول حجة الإسلام رفسنجاني، ومن شرق إيران تقول حكمة السفير البريطاني في أفغانستان، إن الملك مجرد تواصل (مذكرة 4 فبراير 1944، فو 371، فارس 1944 / 34 _ 52710)، وأحسن بن كيران الإسلامي في توسيع صدى إمارة المؤمنين في فئات اجتماعية جديدة، كما فعل قبله اليوسفي في صفوف اليسار، فكان مصدق المغربي وبعده آية الله “المخزني” في خدمة العرش العلوي.

كيف تجاوز الملك المغربي كل المعيقات

   سؤال يرى البعض إجابته في تواضع شخص محمد السادس، ومنذ أجيال استمدت المغربية قوتها من بساطتها وعدم تشبثها بالقصور والأبراج يقول مصطفى العلوي في مقاله ليوم 10 شتنبر 1999، ويورد، ما إن قيل لمحمد الخامس:

   سننفيك إذا لم توافق، حتى قال لهم: انفوني، مضيفا، (والله لو وضعوا الشمس في يميني) وذهب فعلا للمنفى، وهناك جدد العهد لأزلي بين الملكية والمغاربة وخلفه ولده مولاي الحسن، وكان شريكا له في المنفى، وفي ساعات الضيق الحقيقي، وكانت تلك المشاركة في المنفى هي عنصر أساسي ومصيري في ذلك الترابط العاطفي بين المرحوم الحسن الثاني والشعب المغربي، الذي رأى فيه ذلك الشاب الذي كان بالشروط يحفر الأرض بالفأس والبالة في طريق الوحدة، وكان ذلك مجدا آخر… أضافه إلى ارثه وبنى عليه هيكل خلافته.

   ونخرج هنا… رأسا… إلى واقع الاستمرار والخلافة التي سبق لجلالة الملك الحسن الثاني أن أبدى هلعه عليها (أنظر العدد الماضي) منتظرين حدا فاصلا بين الأسلوبين المتناقضين:

   الاستغلال السياسي الانتهازي، والمصارحة الفصيحة السليمة التي لن يؤولها سيء التأويل، إلا جبابرة الفساد الذي طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد… خصوصا انه لم يبق للمؤولين فسحة أو الاتفاق على الموافقة والإصلاح معقود الألوية، مشدود الأطراف من المعارض التقليدي إلى الإسلامي المتشدد، هؤلاء وأولئك ليس من الحكمة أن يصدموا في شعورهم بان يبقى ما كان على ما كان… وهذا النموذج للتسلسلي المحمدي الحسني المحمدي شاهد على أن لكل عهد ظروفه، ولكل ملك وسائله.

سر علوي في استمرار العرش

 

   السر الثاني في استمرار الملكية في المغرب كشفه الحسن الثاني، وكان إحدى وسائله، فغداة بيعته في 3 مارس 1961 وبعد تصريحه بمقولته التاريخية، “علمني والدي أن أكون رجلا قبل أن أكون أميرا” وأعلن يومين بعد جلوسه على العرش عن جلاء القوات الفرنسية عن المغرب وإلغاء ضريبة الترتيب.

    في هذا المقام، لا ينكر أحد الفضل الكبير على تقوية عهد الحسن الثاني برجال أفذاذ أخرجتهم المدرسة الوطنية، فكان منهم من يصارح الملك الحسن الثاني بالحجة والبرهان ـ ولو أغضبه ـ أمثال الفقيه محمد بن العربي، والزعيم علال الفاسي، والفقيه المختار السوسي، والمرشد مولاي هشام العلوي، إضافة إلى حرصه رحمه الله على إحاطة نفسه بجيش من ذوي الأفكار والاقتراحات حيث كانت دواوينه وحكوماته ومجالسه اليومية(…) مخضرمة ما بين دهاة خريجين من المدرسة السياسية الفرنسية، ودهاة في الثقافة العربية والفكر الإسلامي، وأقطاب الأصالة والتاريخ والتقاليد المغربية، إضافة إلى تعهده اليومي(…) بمنبت الرجال الذين استخرج منهم جيلا من الذين تحملوا معه مسؤولية الحكم سنوات طوال كانت هي سنوات المجد.. إلى أن كانت الكارثة الأمنية الكبيرة في حوادث الصخيرات، فاستحضر رجل أمن كان اتساع نفوذه على حساب إبعاد كل المجموعة التي كان الحسن الثاني يثق فيها ويستشيرها ولم تبق إلا قريش بالباب وان كانت الخطوات الأولى للحسن الثاني كملك.. كلها تسير بطاقة مستوحاة من عظمة والده، ومن شعبيته المطلقة… لدرجة أن الحسن الثاني في خطاب الذكرى الأربعينية لوفاة والده (16 أبريل 1961) صارح روح أبيه بقولته المشهورة: “إن دقيقة بجانبك وأنت حي… كانت عندي أسمى من كل عرش، وأعظم من كل ملك”.

قانون ثالث في استمرار العرش وبقاءه  

 

   القانون الثالث في استمرار العرش العلوي هو إطاره الذي يتقدم ويتطور، حسب ظروف العصر، وثوابت الشعب، وبدأ الحسن الثاني عهده بخلق إطار دستوري جديد للمغرب بعد أن قطع والده الخطوة الأولى بإعلان قانون الحريات العامة وتأسيس المجلس الاستشاري، وكانت الخطوة الأولى للحسن الثاني هي تزويد المغاربة بأول دستور سنة واحدة بعد تسلمه الملك.

   وسوف يكون من باب الاستمرار في عهد محمد السادس يقول مصطفى العلوي، إعادة هيكلة الخارطة السياسية التي شابها الغش والتزوير، وحملت للمجالس الموقرة التي تمثل الهياكل التشريعية مجموعة من السماسرة والجهلة، وثانيا مواجهة الملف الأكثر تعقيدا منذ حرب الرمال أي ملف الصحراء، داعيا إلى مواجهة الأخطاء التي ارتكبها جهاز لم يكن ليصارح سيد البلاد بحقيقة البلاد، وعلى رأسها ثقل اتفاقية هيوستن التي أمضاها وزيران بدون علم البرلمان الذي لم يصادق عليها ولم يرفضها، ولم يوقع عليها الملك الحسن الثاني أو يصادق عليها بظهير ولا بخطاب ويقول الفصل الثلاثون من دستور المملكة: يوقع الملك المعاهدات ويصادق عليها (الأسبوع، عدد 10 شتنبر 1999) وفعلا تحقق ذلك بعد سنوات، حيث اقترح المغرب الحكم الذاتي على الصحراويين متجاوزا خيار استفتائهم.

مواجهة مشاكل الشعب المباشرة سر رابع

 

   في استمرار الملكية المغربية، فمحمد الخامس عندما ضربوا له شوكة البنج قال لولي عهده: اتصل بالسي البكاري والسي بوعبيد واسألهم عما فعلوه في قضية البطالة…

   لا يمكن أن تكون مشاكل الشعب إلا مشاكل للعرش وإلا انفصلا عن مسارهما وثورتهما كما يخلد المغاربة سنويا، ويذكر الباقون إلى أي حد اهتم محمد الخامس بالجهاد الأكبر، كما قال، وأوردت الحقيقة الضائعة ليوم الجمعة 17 شتنبر 1999.

ما يذكره الباقون الأحياء ممن استدعوا لمحاضرة ألقاها… ولي العهد الأمير مولاي الحسن في 2 أبريل 1957 أنه قدم للأجيال المشرئبة الأعناق، نموذجا، عبارة عن خبر، فهو إذن مقدس.

   روى ولي العهد أن والده المرحوم محمد الخامس: “عندما دخل لإجراء عملية جراحية، وضربوا له البنج (التخدير الذي يسبق العملية الجراحية بدقائق) أشار محمد الخامس لولي العهد (مولاي الحسن) وقال له: اتصل بالسيد البكاي والسي بوعبيد واسألهما عما فعلوه في قضية البطالة، والخبر مسجل في الوثائق الرسمية.

   وعلق صاحب الحقيقة الضائعة أن ملكا يدخل العملية الجراحية لا يدري هل سيستيقظ منها… ويرى نفسه أمام احتمال توديع ملك بعظمته يوصي ولي عهده أن يتصل برئيس الحكومة ووزير الاقتصاد عما فعلوه في قضية البطالة.

   وظهر واضحا للعموم من الأسلوب الحقيقي لاستمرار الملكية في المغرب، حيث لا ينفع عرش ولا مال… وأمام التزامات الملك التي لا تترك الظروف العاطفية وحتى ظروف الموت المحتمل تتوقف ليتوقف التاريخ وتذهب الحكومة إلى إجازة، في انتظار أن يخرج سيدنا من العملية الجراحية أو لا يخرج.

   وفعلا، اتصل ولي العهد حسب وصية الوالد، في مغرب لم يكن يتعدى سكانه ستة ملايين. إن الكثير من المغاربة يرتابون ويخافون ولا يخفون خوفهم على مستقبلهم.

قانون “يدير ويبقي”… الذي أتى بالمعارضة إلى الحكم فيما سمي بالتناوب

   واجه الملك الحسن الغضب الشعبي الذي كان يدير ويبقي بعظمته، وقرر التناوب في آخر حياته لتدخل الأجيال الجديدة، وأعطى في حياته فرصا للمعارضة كي تشاركه إدارة الدولة وإن لم تشارك في الحكومة.

   ويرى مصطفى العلوي من حينه أن على حكومة اليوسفي أن تواجه المشاكل المطروحة أو تستقيل، وحدث أن أتى الملك محمد السادس بحكومة جطو لكنها لم تنجح أيضا في الوصول إلى حلول واقعية ومباشرة بما يعانيه المغرب، قبل أن يقرر بعد عقد من الزمن الالتزام الدستوري بالمنهجية الديمقراطية.

error: Content is protected !!