في الأكشاك هذا الأسبوع

الملك خادم للجميع وليس عبدا لأحد

تأملات على هامش كتاب: “الحسن الثاني الملك المظلوم”

 

بقلم: الأستاذ عبد الله شقرون

 

بَعْدَ أَنِ اطَّلَعْتُ اطِّلاعاً متأنِّياً، في كلِّ صباحٍ باكرٍ خلال أَيَّامٍ متواليةٍ، على كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”، وأَحَطْتُ، سَعِيداً، بخباياه وطَوَايَاهُ، واستفدتُ فِعْلاً مِمّا كان غائباً عن بالي من وقائعَ و أَسرارٍ تَنْدَمِجُ كلُّها في اعتباراتِ “تاريخ المغرب الحديث”، يَسُرُّني كثيراً أنْ أَقُولَ جهاراً وبكلِّ مودّةٍ ومن سُوَيْداءِ فؤادي لمؤلّفه المقتدر، والصحافيّ الجليل، والوطنيّ الصادق، والكاتب الموثِّق الأستاذ مولاي مصطفى العلويّ، متوجّهاً إليه مُباشرةً وبكلّ اعتزاز: هنيئاً لك ولِقُرَّائِك ذكوراً وإناثاً، وأنا واحدٌ من بينهم، ومَرْحى، وأَشُدُّ على يَدَيْكَ الكريمَتَيْنِ بِمَوْفُورِ الإِخلاص، وأُشيدُ بالقَلَمِ الذي تُمْسكُ به أنامِلُك، وبالْفِكْرِ الوقَّادِ الذي مَيَّزك اللهُ به، وأُنوّهُ، إكباراً بذخائر المعلومات التي تَزْخَرُ بها ذاكرتُك، وبالوثائقِ المُدقَّقةِ التي حَدبْتَ أَعواماً على جمعها وتجميعها بمهارةٍ أنت مَوْسُومٌ بها، عَطَاءً وكرماً من الله تَعالَى.

ومن العَصِيِّ على قَارِئٍ – مثلي – استظهارُ مُخْتلِفِ مُدَقَّقاتِ كتابِكَ الإعلاميِّ الفَذِّ “الحسن الثاني الملك المظلوم” من مجرّد قراءته والاطِّلاعِ على مُحْتوياتِ فقرات كلِّ فَصْلٍ فصل، إنَّهُ كِتابٌ غَنِيُّ المادَّةِ وزاخِرٌ بشتَّى الْجوانِبِ الإِخباريَّةِ والتاريخيّةِ المتفرّعة فيما بَيْنَها تَفرُّعاتٍ جذَّابةً، زادك اللهُ توفيقاً وسداداً.

وكم تَأَمَّلْتُ وبكلِّ إعجابٍ واهتمام في إشاراتِ عناوينك وتخريجاتِك البليغةِ دون إلحاح، ولكنَّها تدعو القارئ والقارئةَ إلى المزيد من الإحاطة أَكْثَرَ من مرة..

نعم، إنّي قد قرأتُ الكتاب من أوله إلى آخره ولكن تلميحاتٍ – رَسَمْتَها جيداً تدعوني – وقد دعتني حَقّاً – إلَى الْعَوْدَةِ إليها بكلّ تمهّلٍ وبِكُلِّ مزيد من الوعي، وهذه أمثلةٌ متراميةٌ منها : “هو صَاحِبُ المِظلّ، لكنّه يَمْشِي تَحْتَ الشمس وهم يَتَمَتَّعون بالظلّ”؛ إنَّ هذه الإشارة تحمل على التّوَقُّف والاستزادة من الاطلاع.. وهنا تفَرُّعاتٌ أخرى فعلاً: “التوازنُ الْحَسَنيِّ: تهدئة للفقراء وتخويفٌ لِلْأَغنياء”، ومنها كذلك “الحَسَنُ الثاني لا يُرِيدُ أن يكون قاضياً”.. أو مثل هذا الإِعلان الواقعيّ.. تاريخيّاً وبفضل مروياتك الموفقة: “الضربات القاسية توجه للحسن الثاني من أَقرب الناس إليه”. وهذا التَّأَمُّلُ وحده فيه ما فيه من التأسِّي على واقعٍ مُؤْلِمٍ تأكيداً لواقعية ظُلْمِ ذوي القربى من الناس ومن البِطانة. ولِلْقارئِ والقارئة لِتَفَرُّعاتِ بعض فُصول كِتابك القيِّم والْمُمْتِعِ والفريد من نَوْعه أن يَتَأمَّلا معي مثلاً: “اَلْمَلِك خَادِمٌ للجميع وليس عبداً لِأَحد”.. أو “الحسن الثاني يوصي بالمواظبة على قراءة الصحف”، أو عنوانك : “لا بَهَائِيّة ولا هَّابيَّة”. وقد تَوقَّفْتُ مليّاً حول الفصل السادس عشر من كتابك القيّم، عند هذا الفصل الذي يحمل العنوان التالي: “الجنرال الدليمي: قُطْبُ المخابرات المغربيّ بلا منازع”.. وقد أَبَنْتَ فيه، لا فُضَّ فُوك ولا نضب مَعِينك، خَبايا المفاوضات السرّيّة بين المغرب والجزائر قديماً، وكان الْفَصْلُ الحاملُ للرقم الثامن عشر حول موقف الحسن الثاني فيما بين يهود إِسرائيل ويهود المغرب تِبْيَاناً لما خَفِيَ من بعض الأَسرار قَبلاً عند الرَّأْيِ العامّ.

لقد انْتَشَيْتُ كثيراً يا أستاذ مولاي مصطفى العلوي الحبيب بالاطِّلاع على بَعْضِ أقوال الصحف التي تَفَضَّلَتْ بالحديث عن كتابك – الذي أَعْتَزُّ به أَيَّمَا اعتزازِ – كما اطَّلَعتُ على المُنْتقياتِ التي وردت في بَعضِ تلك الصحف، بما فيها المقتطفاتُ التي قَرَأْتُها مترجمةً إلى اللّغة الفرنسيّة، وهذا تعريفٌ مفيد. وَلَوْلاَ أنَّ مَجالَ رسالةٍ في سطورٍ أو مقالةٍ خَطابيَّةٍ متواضعةٍ لا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ من هذا الكلام الأَخويّ وهذه التأمُّلات العابرة لَسَلَكْتُ نفس النهج، إلا أنَّ خاطرةً قَرَّت عَلَى بالي وبَقِيَتْ في بالي، وتَتعلَّق بإشارتك في خِضَمِّ الكتاب بعنوان “تجاوزات المستغلّين لثقة الحسن الثاني”، وتَدْخُلُ هذه الإِشارةُ هي أَيضاً في مَسيرةِ الظلم والظالمين في صُلْب كرم الملك التاريخيّ العظيم للمغرب، وقد تَبْدُو جُزْئيَّاتُ هذه الإِشارةِ “بسيطة” بالنّسبة للظواهر “الفاسدة” الكبرى والعديدة التي فَصَّلْتَها واضِحَ التفصيل، ومن جملة تلك الجزئيَّات:

– أَحَدُهُم كان مديراً للخزينة العامَّة للدولة اشترى مقصفاً أو مَلْهىً في حي أَكدال (بالرباط)، ليكتشف الْمُراقِبونَ الماليُّون أنَّه – أي هذا المدير للخزينة العامّة – كان يُؤدِّي أُجورَ الخُّدَّامِ والعاملاتِ في مقصفه أَو ملهاه الخاصّ من ميزانيةِ الخزينة العامّة للدولة!

– إنّ مديراً للضرائب، كان يَفْرِضُ ضرائب عالية جدّاً على أصحاب شركات كبرى، وإذْ لا تستطيعُ هذه الشركات أداء ضرائبها الْمُجْحِفة هذه فيَتِمُّ الْحَجْزُ عليها أي على تلك الشركات لتباع بأرخص الأثمان لفائدة خواص (بمعرفته إياهم).

– أَعْلَمَ الجانبُ الإسباني ذات سنةٍ الملك الحسن الثاني بتصرّفات ضُبَّاط المِلاحة البحريَّة المغاربة مَعَ صُورٍ لحسابات هؤُلاء الضباط البَنْكيّة في إسبانيا وأبناك لاس بالماس وتحويلات بعشرين مليوناً شهريّاً لِكُلِّ واحد منهم في تلك الأبناك مقابل السماح لمئات البواخر الإِسبانية بالصيد البحري في المياه الإقليميّة المغربية..

.. وذَكَرْتَ يا أستاذ مولاي مصطفى العلوي قَضايا أخرى مماثلةً ومُفصَّلةً من نوعيّة هذا الفساد.. ومنها قضيّةُ اليهوديّة التي قَتَلَتْ زَوْجَها ولكنَّها عند محاكمتها أَعْجَبَتِ القاضي لِمَلاحَتِها فبَرَّأَها وتَزوجها!

وتحيَّاتي القلبيَّة ومَوَدَّتِي وتقديري إليك وحفظك الله.

error: Content is protected !!