في الأكشاك هذا الأسبوع

لــــو كنـــت ملـــــكــا

عندما كاد جد اليازغي أن يصبح ملكا

بقلم: مصطفى العلوي

   وليس المقصود بأنا هاته.. كاتب هذه الحقيقة، رغم أني متأصل من معدن العلويين، تافيلالت، ومن سلالة المدغرة، المعروفين بمعارضتهم.. المنطلقة من قاعدة في..لا.. لا، مع الجد مولاي العربي العلوي المدغري، في تلك المنطقة التي خرجت منها سيدة وتوجهت إلى حومة فاس الجديد، وسكنت في بيت كراء، وكانت حامل، فشرع جيرانها الفوقيين، بالضرب بالمهراس، وكان المهراس في كل بيت، يستعمل لطحن الفلفل والكامون، لتتضايق السيدة، الفيلالية التحتية، وترسل جليسة لها لتصعد عند الجيران الفوقيين، وتقول لهم: كفى من الضرب على المهراس، إنكم تضايقون جارتكم اللي تحت، وأمير المؤمنين في بطنها(…) في ذلك الزمن الذي كانت فيه كل امرأة فيلالية، تنتظر أن يكون ولدها سلطانا، وهو توقع صائب، استفحل أيام السلطان مولاي إسماعيل الذي كان يجدد فراشه بانتظام، بشكل جعله لا يخرق تعاليم الإسلام التي تمنع أكثر من أربعة، ولكنه رغم ذلك استطاع أن يخلف خمسمائة ولد وبنت، تولى التاريخ تتبع الحروب التي اشتعلت بين الكثيرين منهم حتى اكتست طابع السيبة والحروب المريبة.

   كل واحد منهم مع قبيلة أمه، يريد أن يصبح سلطانا. ولكن ما نسميه في عصرنا هذا، الطموح السياسي، كان منطلقا للصراع الذي اكتسى الطابع الدموي في إطار العمل من أجل الوصول لحكم المغرب.

   ولم تبق فقط النساء الفيلاليات، هن وحدهن اللواتي تنتظرن، أن يكون ولدهن أميرا للمؤمنين، وإنما أصبح كل من يحس بنغزة(…) من الوعي، في بلاد الجهال، يؤهل نفسه ليصبح سلطانا.. ليس في عصور الظلام الجاهلي، فقط، وإنما حتى منذ سنين طويلة تعتبر من العصر الحديث.. حيث لما احتل الفرنسيون المغرب، بدءا من السنوات الأولى في القرن العشرين، أصبح المقيمون العامون الفرنسيون، يبرعون في استعمال منصب السلطان، لإغراء المتعاملين معهم.

   فمثلا عندما قدم الحاج التهامي الكلاوي، ما يكفي من البراهين على وفائه للتواجد الفرنسي، كتب أحد مؤرخي ذلك العصر، واسمه “روني جانون” ((إنه أصبح من المنطقي اعتبار الحاج التهامي الكلاوي، المرشح الأول للصعود على عرش المملكة المغربية)) بل إن هذا الكاتب، توسع في فكرته، بنشر كتاب بعنوان: “السلطان الكلاوي”، صدر عن دار نشر تسمى “دومينيك”، مقرها في الجزائر.

   وفعلا بدأ التفكير جديا في مشروع تنصيب الكلاوي سلطانا، لتقف الأجهزة الفرنسية، أمام عائق كبير، وهو أن سلطان المغرب، يجب أن يكون شريفا من سلالة الرسول، فبدأ تحضير هذه الإجراءات(…) وكتب “أندري جوليان” ((إن الأمير(…) الكلاوي توجه للديار المقدسة سنة 1946 لتحضير وإثبات نسبه الشريف، لولا أن الأحزاب الوطنية في ذلك الوقت ضغطت على المقيم الفرنسي، جوان، بأن يتراجع عن هذا المشروع)) (المغرب في مواجهة الإمبريالية. شارل جوليان).

   أما الصحافة الفرنسية ((فقد أصبحت تتحدث عن سليل الأشراف المزواريين، الأمير الكلاوي)) (لافيجي. عدد 16 يناير 1953).

   ويرجع المستشارون الفرنسيون إلى حل آخر للبحث عن أحد المقربين العلويين، فكتب لهم المعارض الآخر الزعيم الديني، عبد الحي الكتاني، (رسالة سنة 1908) يقترح عليهم تنصيب الأمير إدريس بن عبد الهادي، ولد السلطان مولاي عبد الرحمن، سلطانا على المغرب.

   وكان حاكم المغرب وقتها الجنرال ليوطي، وغداة إمضاء عقد الحماية سنة 1912، قد بدأ يتضايق من حركة معارض صحراوي، اسمه الهيبة، واحد من أبناء الشيخ ماء العينين، وكانت جيوشه قد دخلت مراكش، حيث احتفظت الوثائق الفرنسية، برسالة للجنرال ليوطي، رقم الرسالة 1367، كتبها إلى مسؤول الدولة الفرنسية آنذاك، “ويليام بونتير”، مؤرخة بـ3 نونبر 1913، يتحدث فيها عن إصرار الزعيم الصحراوي الهيبة، على أن يعترف به كسلطان على المغرب، وأن ليوطي عرض عليه أن يعترف به سلطانا فقط على دولة تمتد من الأطلس إلى موريطانيا، بعد الحصول على موافقة قبائل الركيبات والتكنة، لولا أن وزير الحربية الفرنسي “أوجين إيفيان” رفض هذا الاقتراح.

  وأخذت الأجهزة الفرنسية، تبحث إمكانية تنصيب سلطان من أقوياء قبائل المغرب، حيث كان المرشح من طرف خبرائهم، يسمى اليازغي(…)، ولعله من جدود الزعيم الاتحادي الحالي محمد اليازغي. هذا المرشح ويسمى القايد العربي بن عبد السلام اليازغي، قائد منطقة المنزل، بضواحي فاس، وهو يسكن في قصر شبه ملكي بحي بوجلود بفاس، ويحلم في نقاشاته برئاسة المملكة الشريفة، خصوصا وأنه كان على مستوى ثقافي متميز، كلما كلم الخبراء الفرنسيين شرح لهم السي العربي ((بأن الفوضى عارمة، وأن الغلبة للأقوى، وأن السكان لا يعترفون بشيء اسمه السلطان، وأنه لو لم تكن فرنسا، لكنا سنموت جوعا، وان القائد سي العربي، يكره الفاسيين(…) وكانت طلعته وطوله متر وخمسة وثمانين، تبهر الناظرين، خصوصا وأن فرنسا في سياق الاهتمام به، وشحته سنة 1928(…) بوسام جوقة الشرف، نفس الوسام الذي يذكرنا بحكاية توشيح مدير أمننا الحالي، عبد اللطيف الحموشي، لأننا يقول الكاتب، لاحظنا كيف أن القائد العربي اليازغي، قضى على المعارضة(…) وقزمها إلى مستوى العجز(…)، نحن الذين كنا نحضر للقضاء على منابع المعارضة التي يمارسها حزب الاستقلال في ذلك الوقت.

   اليازغي فسر لنا، حتمية الاعتماد عليه بتحميله المسؤوليات الكبرى(…) لأن السلطان محمد بن يوسف، يريد دفع الوجود الفرنسي إلى الهاوية)) (كتاب السلطان الكلاوي. روني جانون).

   وهي السابقة التي واخذني عن التذكير بها، المفكر الاستقلالي عبد القادر الإدريسي (العلم 28 شتنبر 2015) حينما ذكرت في كتابي “الحسن الثاني الملك المظلوم” أن حزب الاستقلال وقتها، وربما عندما سمع بالتقارب الفرنسي مع الرجل القوي، القائد اليازغي، تقاربا امتد من سنة 1928 إلى سنة 1938(…) فكر في البديل السياسي الوطني(…) وحينما شرع الفرنسيون في العمل بنصائح اليازغي، ومضايقة حزب الاستقلال، نظم رجال الشرطة الفرنسية، حملة تنكيلية للقضاء على حزب الاستقلال، فمنعت جريدة الأطلس، وقضت على ثورة الحزب في الخميسات(…) ثم منعت جريدة “الدفاع” التي كان يصدرها محمد بلحسن الوزاني، ونظمت هجوما على بيوت الأقطاب الاستقلاليين الحسن بوعياد، والإخوة السبتي ((وعندما هجموا على بيت الحاج أحمد مكوار، احتجزوا وثائق كانت تتضمن المخطط الاستقلالي للاستيلاء على الحكم، ولائحة تنص على تنصيب علال الفاسي ملكا على المغرب: الوزير الأول محمد اليزيدي وزير المالية محمد مكوار، الخارجية أحمد بلافريج، الحاجب محمد بناني، الأمين العام محمد الكوهن، المستشار إبراهيم الوزاني)) (ريزيت. كتاب الأحزاب السياسية. نقلا عن جريدة إفريقيا الفرنسية عدد نونبر 1937).

   المخطط الاستقلالي بتعيين الزعيم علال الفاسي ملكا، كان منطلقا من يأس الاستقلاليين، من كل أمل لبقاء السلطان محمد بن يوسف ملكا على المغرب.

   يأس الاستقلاليين من أي أمل في بقاء محمد بن يوسف يرجع إلى عناصر أحداث سبقت مبكرا غداة دخول فرنسا للمغرب، ومخططها، بوضع حد لسلالة الملك العظيم، الحسن الأول، بشكل بقي مؤرخا عن فترة سنة 1909، عندما انبرى القطب الإسلامي محمد الباقر الكتاني لإعلان معارضته للسلطان الشرعي، فوجدت فيه فرنسا الفرصة المواتية: ((سعى السفير الفرنسي للقاء الشيخ الكتاني في منزل الشاعر عبد الله القباج، حيث يروي القاضي محمد الروندة أن السفير الفرنسي جاء برفقة الترجمان قدور بن غبريط، فقال السفير للترجمان، قل للشريف ما له يفسد علينا الناس ويفشي سوء سمعة بلدنا، فأنكر الباقر الكتاني وتلاوم مع السفير، الذي قال له: تريد أن تكون سلطانا.. أجابه لا)) (الحركة الحفيظية. علال الخديمي).

   أحداث تكرس هشاشة الموقع السلطاني في المغرب، واستعداد الكثيرين(…) ليصبح كل واحد منهم سلطانا مكان السلطان.

   هشاشة الموقع السلطاني، تسهم الأيام والليالي في دغدغتها، تلك الأيام التي تدور، وكان من حق السلاطين والملوك، أن يعرفوا أن الدنيا تدور، بسرعة الأيام التي تمضي وفق قاعدة: يوم لنا.. ويوم علينا.

   وهو ما جعل أحد الكتاب الفرنسيين يصر على تقديم نموذج مريب، عندما دارت الأيام على أحفاد السلطان الحسن الأول، وقد كتب عنهم هذا الكاتب الفرنسي بصيغة شبه انتقامية، لمنظر مؤلم: ((في قاعة انتظار بمكتب الجنرال الفرنسي “داماد” بالدار البيضاء، وقد جلس السلطان مولاي عبد العزيز بعدما فشل عسكريا في استرجاع مدينة مراكش، وبرفقته أخوه الأمير مولاي امحمد، وأخيه الأمير مولاي الزين، وأخيهم الأمير مولاي يوسف، وقد قدمت لهم مأكولات التهموها(…) ثم جلسوا خارج المكتب على حجرة كبيرة(…) ينتظرون من سيدفع لهم بعض المال، ونحن نعرف أنهم مطبوعون بالكسل)) (مغامراتي المغربية. كريستيان هويل).

فمن يخاطر مستقبلا برغبته في أن يكون ملكا أو سلطانا.

error: Content is protected !!