في الأكشاك هذا الأسبوع
سي ناصر رفقة رمز المقاومة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات

حوار الأسبوع | مع علال سي ناصر، مستشار الملك الحسن الثاني

يمكن القول إن محمد علال سي ناصر، مستشار الملك الراحل الحسن الثاني، ووزير الثقافة سابقا مؤهل أكثر من غيره للرد من موقعه على “دعوات اعتماد الدارجة في التعليم العمومي” بحكم سجله الحافل، فهو يقول إن من لا يتذوق اللغة العربية لا يمكن أن يتحدث ويقدم في هذا السياق بيتين شعريين معروفين من معلقات عنترة بن شداد:
وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ *** مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها *** لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ
سي ناصر وفي حديث حصري مع “الأسبوع” أكد أن حضور شخصيات وازنة من بينها مستشار الملك في اللقاء الذي دعا إليه الفاعل الجمعوي “نور الدين عيوش” يحمل في طياته “استغلالا للسلطة”، ويعتبر أن من يقفون وراء الهجوم على العربية هم أشخاص، لا يعرفون حتى “الدارجة”.
رغم هدوئه الواضح، يتساءل سي ناصر حول “ما علاقة عيوش بموضوع التعليم؟ وبأي صفة يقول ذلك، واش غير أجي وعلم الناس”، ويعطي بعض الأمثلة التي توضح الخلط، ويبدو وكأنه يضع “مسك الختام” لهذا النقاش الذي شغل الناس في الفترة الأخيرة.

حاوره: سعيد الريحاني
——————-

– كيف تتابع الجدل الدائر هذه الأيام حول مقترح اعتماد الدارجة في التعليم العمومي؟
– بعض الناس لا يدركون أهمية اللغة بالنسبة لكيانهم، ليس بالنسبة للثقافة فقط، وحتى نأخذ الأشياء من أساسها، كيف يمكن أن نتصور مثلا الإسلام بدون لغة؟ فما أحاط بالناس هو اللغة التي كان يتكلم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، لدرجة أنه أصبح مثالا في البلاغة رغم أنه أمِّي في منطقة كانت فيها تقاليد أدبية محضة، ومن أثار تلك التقاليد هم ما تمت تسميته فيما بعد بالمعلقات “القصائد التي كانت تكتب بماء الذهب وتعلق على أستار الكعبة قبل مجيء الإسلام”.
———————–

خذوا العبرة من “المستشرقين الفرنسيين”

– كيف استقبلت الدعوة التي صدرت عن الناشط الجمعوي نور الدين عيوش باعتماد “الدارجة” في التعليم العمومي؟
– العربية الفصيحة لها همتها، “ماشي غير جات وطلعات”، جاءت بعدما تكونت في الجزيرة العربية إمكانيات راقية جدا للتعبير، حتى أن الفرنسيين أنفسهم كانوا معجبين بها لما اكتشفوها وساهموا في ترجمتها للفرنسية “يضحك”، مثلا بلاشير “يقصد المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير الذي ترجم عدة كتب عربية إلى الفرنسية منها: تاريخ الأدب العربي Histoire De La Littérature Arabe”، وشارل بيلا “ويَقصد المستشرق الفرنسي صاحب كتاب “اللغة العربية والعالم الحديث” رغم أنه كان يوصف بالعنصري، هذا الأخير كان فرنسيا محضا ولكن تأثير العربية فيه جعله من الناس المعجبين بها، وكان يلوم في بعض المرات العرب على قلة اعتنائهم باللغة العربية وبالمُثل التي تحملها(..).
– كيف تعتبر الدعوة إلى اللغة الدارجة التي صدرت عن عيوش؟
– الدارجة هي الدارجة، ولسنا وحدنا من يوجد عندنا الفصيح والدارج، فالألمان يوجد عندهم الأمر نفسه، وكذلك الشأن بالنسبة لفرنسا(..) ولكن هذه اللهجات واللغات الخاصة بجهة معينة أو نطاق معين تبقى غير كاملة، ووجودها مرتبط بوجود اللغة الشمولية، ولهذا فإن ما يمكن قوله لمن يدعون إلى الدارجة هو أنها موجودة، ولكن أن تكون أساسا للتكوين فهذا غير صحيح(..) فهل هذه اللغات تمكننا من كل ما نحتاج إليه من أجل التكوين؟ طبعا هذا غير صحيح، ولا يمكن للإنسان أن يدرس اللغة الطبيعية على أساس اللغة الدارجة، لأن العلم نفسه له منطق يفرض تطوير اللغة(..).
لنأخذ العلماء الكبار في الشرق والغرب، فأهميتهم تكمن في كونهم عندما يفكرون ينشئون أشياءً في اللغة لم تكن معروفة من قبل، بحيث أن عبقريتهم تبقى فوق اللغة الأم وفوق اللغة العامة، وسَمَوا باللغة التعبيرية للإنسانية إلى درجة لا يمكننا أن نتصور بدونها العلم والشعر الجميل، المعلومات الدقيقة(..) إلخ.
في الواقع، الذين دعوا إلى اعتماد اللغة الدارجة وغيرها، وقعوا في خلط بين مشاكل مختلفة لا علاقة فيها بين مشاكل اللغة في حد ذاتها، والتي هي في الواقع وسيلة لتزيد للإنسان مكانة في الكون(..).
——————-

ندوة عيوش واستغلال السلطة

– ولكن هذه الدعوة إلى اللغة الدارجة صدرت عن ندوة وطنية حضرتها شخصيات وازنة مثل مستشار الملك ورئيس المجلس الأعلى للتعليم(..) كيف تقرأ هذا الحدث؟
– هذه الندوة “ما فراسيش” (يضحك)، ولكن كل واحد له الحق من الناحية العلمية أن يطرح الموضوع الذي يريد، شريطة أن يكون له معنى، وشرط أن تتوفر له الوسائل لدراسته(..) في هذا الصدد أنا أتساءل عن علاقة عيوش بالموضوع؟ وبأي صفة يقول ذلك، “واش غير أجي وعلم الناس”.
– ولكن حظي بدعم تجسد في حضور الشخصيات التي أسلفت ذكرها، بما فيها المستشار الملكي “الهمة”؟
– أنا أعتقد أن هذا الأمر فيه استغلال للسلطة من طرف عيوش ومن اتبعه(..) التعليم مسؤولية وليس مناقشات(..) أنا مثلا كنت في التعليم، ولكن لم أمارس هذه المهمة إلا بعدما درست في “دار المعلمين” العليا في باريس، وهناك من لجأ لوسائل أخرى، فهل يمكن أن نتصور معلما في جامعة القرويين وهو “ما قاريش”؟
“راه ماشي غير أجي وعلَّم الناس”، ولكي يكون الإنسان معلما عليه أن يمر بمجموعة من المراحل، وقد كانت مدارس التكوين البيداغوجي مكلفة بذلك، ولهذا أعتقد أن قضية جز اللغة هكذا جزافا في قضايا التعليم، لا معنى له، فهو هراء، وفي الغالب من يقفون عند مثل هذه الأمور لا يفهمون المتطلبات الوطنية وهي مسؤولية تكوين الجميع.
—————-

لابد من إحداث لجان للعناية بالتعليم

– كنت مستشارا للملك الراحل الحسن الثاني، لو كنت بقيت مستشارا ملكيا إلى حدود اليوم، هل كنت ستحضر لقاء من النوع الذي نظمه عيوش؟
– ما يمكن أن أقوله، هو أنه لا يمكن لأي شخص يحترم نفسه أن يدعوني لمثل هذه “الخزعبلات”، وأظن أنني رأيت عيوش مرة واحدة من بعيد لما كانت عندي مدرسة(..)، ولكن هذا يبدو لي ولا أؤكده(..).
– لو كنت مستشارا ملكيا ماهي النصيحة التي يمكنك تقديمها في هذه اللحظة؟
– النصيحة، هي إحداث لجان مختصة للنهوض بالتعليم، وأهميته الأساسية تكمن في أساسه وليس في الدرجات العليا(..) للنظر مثلا إلى الناس الذين اهتموا بالدعوة للدارجة، حيث نلاحظ أنهم لا يعرفون اللغة العربية، ومن ثم فإن من لا يمكنه تذوق اللغة العربية لا يمكنه أن يدعوا إلى اعتمادها، لأنه يجهلها(..) ومن لا يملك ذوق اللغة العربية لا يمكن أن يعرف قيمتها، وفي هذا الصدد دعني أسوق بعض الأمثلة من الشعر العربي الكلاسيكي:
وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ *** مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها *** لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ
“نواهل: أي تنغرزُ في جسدي فتَنهل منه اللحم، بيض الهند: السيوف المصنوعة في الهند، بارق ثغرك: اللمعة التي تكون على الشفتين”. انظر إلى الذوق والموسيقى في هذه الأبيات، واسمع أيضا:
قفا نبك لذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل
لا أريد أن أطيل في ذلك، ولكن المصيبة وهي أن من له ذوق في العربية وله دراية بجميع أشكال ظهورها في الفكر والشعر(..) لا يمكنه أن يتكلم عنها جزافا(..).
—————–

الهجوم على اللغة العربية “خوار”

– معروف عنك كونك كنت تقف وراء تنظيم عدة أنشطة كان هدفها هو التقريب بين الحضارات، هل تعتبر أن الهجوم على اللغة العربية ينطوي على مس بالمكانة الحضارية للمغرب؟
– الهجوم بتعالٍ على اللغة العربية هو “الخوار” ولا معنى له، ولن يؤدي إلى أية نتيجة حسب رأيي، خاصة في هذا الوقت الذي بدأت تصعد فيه “الدارجات العربية” وتأخذ طبيعة سليمة، هل يعقل أن نتأخر نحن؟ الاهتمام بالدارجة ليس حراما، فالسِّي محمد بنشريفة مثلا، أنجز دراسات مهمة حول الدارجة في الأندلس(..) ولكن ذلك لم يصل إلى درجة المس باللغة العربية، لسبب بسيط وهي أنه لا أحد سيأتي ليتعلم “لحسانة في رؤوس اليتامى”، فالدارجة موجودة ولها فصاحتها، ولهذا فمولاي علي العلوي، رحمه الله، كان يضحك على الناس الذين لا يعرفون الدارجة(..) وأنا أكيد أن من يتكلمون اليوم على اللغة الدارجة، لا يعرفون “الدارجة” المعروفة بأشكال تعبيرية قوية خاصة بها.
– هناك من استغل هذه الفرصة وطرح مشكلة أخرى تنطلق من كون المغرب لم يكن أصلا بلدا أمازيغيا؟
– المغرب ليس فيه مشكل “الأمازيغية” لأن المغاربة لم يسبق أن حاربوها، ولكن “اللي تهلاو فاللغة الأمازيغية كانوا في الغالب أمازيغيي التكوين واللغة”، وعلى رأسهم العالم المختار السوسي، الذي لا يمكن فصله في عمله العلمي عن علال الفاسي وغيره(..).
كثير من الأمازيغيين الأقحاح منهم محامون تجدهم متشبثون جدا بالأمازيغية فيما بينهم ولهم احترام كبير للغة العربية “الأستاذ القدوري مثلا(..)”، وكثير من الأمازيغيين في الشمال يعتبرون أن عربيتهم وأمازيغيتهم شيء واحد، لأننا في الواقع عبر العربية والإسلام تم تنظيم مشاكل الجهات الأمازيغية، لأنه أدخلت القوانين وأصبح بالإمكان مثلا حل مشاكل الطلاق وغيرها(..).
– سبق لك أن كنت وزيرا للثقافة، ما هو دور وزارة الثقافة في رأيك؟
– أنا الآن بعيد عن المهمة الإدارية، ولكن الأكيد هو أن إحدى المهام الأساسية لوزارة الثقافة هي التعريف بالثقافة في أصالتها، وليس في النواحي الإيديولوجية(..) ولها دور مهم في إبراز جميع جوانب الثقافة المغربية بجميع أشكالها سواء تعلق الأمر بالذوق أو بالفنون المختلفة(..).
——————–

“ظاهرة عيوش” ليست جديدة والملوك العلويون حافظوا على اللغة العربية

– هناك من يقول إن “ظاهرة عيوش” ليست جديدة في المغرب وسبق أن ظهر شخص مثله وربما يحمل نفس اسمه إبان الاستعمار وتبنى الأفكار نفسها؟
– من حيث الاسم لا أملك التدقيق، ولكن الأكيد هو أنه في بداية الاستعمار وقعت محاولات اتجهت في اتجاهين، هناك من بدأ يشوش على الناس، ويقول إن القرآن “ماشي هو هذاك”، ومن ناحية أخرى ظهرت دعوة لتبسيط اللغة واعتماد الدارجة، وهذا الأمر كتب عنه الفقيه الحجوي، ولكن أقطاب ذلك الزمان أمثال بلعربي العلوي وغيره ردوا على ذلك عمليا من خلال الاهتمام بتكوين الطلاب في جامعة القرويين، وبدؤوا يدرسونهم “شعر الحماسة” ليس للرد فقط على هذه القضية، ولكن ليتم التأصيل للشجاعة عندهم، من هنا يظهر لي أن التكوين الأدبي العربي العادي يتم توجيهه لكي يكون الطالب متحمسا وشجاعا وأن لا يرضى بالضيم، وهذا الشيء لم يكن مقبولا من لدن المستعمرين الذين جاؤوا لكي يُحِلوا بين أيدينا الضيم.
– ما هو سبب هذا التراجع في المستوى، والذي يمهد للهجوم على اللغة العربية؟
– برأيي أن الهجوم على اللغة العربية مرتبط بكون الناس ذهبوا إلى المدارس الفرنسية ونسوا الاهتمام باللغة العربية ثانوية بالنسبة للتعليم الفرنسي العادي، وهذا الأمر لم يكن ضروريا، والدليل على ذلك أن الملك الراحل الملك الحسن الثاني لما أسس المدرسة المولوية للتكوين ومن قبله والده المغفور له الملك محمد الخامس، أصر على وجود التوازن الضروري، لأنه يعرف أن المغاربة عندهم كيانهم الأساسي، علما أن المغاربة منفتحون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!