في الأكشاك هذا الأسبوع

نزار قباني قال لي: إن انفجار السفارة العراقية في بيروت ومقتل زوجتي بلقيس كان وراءه حافظ الأسد

 

بقلم: رمزي صوفيا

   شاعر لن يتكرر في العالم العربي لعقود وعقود وربما لقرون… إنه نزار قباني الذي تغنى بالجمال والحب وأكرم المرأة في قصائده، فحول عشقه للجمال إلى روائع على أصوات أكبر المطربين والمطربات في العالم العربي.

   عرفت الراحل نزار قباني عندما كنت مقيما في بيروت وكنت أكتب في المجلات اللبنانية التي اشتهرت باهتمامها الكبير بعالم الفن ونجوم الفن في العالم العربي والغربي. وذات ليلة كنت مدعوا إلى مائدة العشاء ببيت صديقي الأستاذ ماجد دوماني، الذي كان يعمل يومها ملحقا صحفيا بالسفارة الكويتية في بيروت. وكانت له ابنة تزوجها الثري الكبير نجيب ميقاتي، الذي حصل بعد ذلك على منصب رئيس وزراء لبنان، والذي لا زال سكان مدينة مراكش الجميلة يذكرون الحفل الأسطوري الذي أقامه بهذه المدينة الرائعة لزفاف ابنه.

   في تلك الليلة جلست مع ماجد دوماني نتحدث عن أمور السياسة والفن والمجتمع، ففوجئت بدخول الشاعر العربي الكبير نزار قباني وكانت تتأبط ذراعه زوجته العراقية بلقيس، حيث كان الاثنان مدعوان أيضا لحفل العشاء. وكانت بلقيس موظفة سامية في سفارة العراق ببيروت. فجلسنا نتسامر ونتجاذب أطراف الحديث حول عدة مواضيع فقال لي نزار مبتسما: “لقد قرأت عدة مقالات بقلمك وأعجبني أسلوبك واختياراتك للأسماء الفنية التي تحاورها. فقلت له: “شكرا، هذا بعض ما عندك، فأنت شاعر العرب وملهم الفنانين”. فقال لي: “لقد سعدت جدا بعد أن علمت بأنك عراقي لأن الحب الكبير في حياتي تمتلكه عراقية هي زوجتي بلقيس وأشار إليها بنظرات كلها حب. وأخذ يسألني عن الفن والفنانين ثم أمسك بيدي وقال لي: “لماذا لا نكمل حديثنا في التيراس بالهواء الطلق” فتوجهنا إلى هناك وجلسنا لوحدنا، فقال لي: “حدثني عن حسناء العالم بأكمله وفاتنة الرجال صوفيا لورين، لأنك حاورتها، فهل هي حقا جميلة مثلما تبدو على الشاشة الفضية، وهل هي مخلصة لزوجها رغم كل الجمال الذي حباها الله به بينما زوجها عجوز قصير القامة ومزعج الشكل؟” فأضحكتني تساؤلاته وماكان مني إلا أن قلت له ضاحكا: “لماذا كل هذه الأسئلة وبالداخل (وأشرت بعيني إلى داخل البيت) توجد زوجتك الحسناء العراقية بلقيس؟” فقال لي: “لا تذهب بخيالك بعيدا، فهذا فضول رجالي فقط. وأعتقد أن كل الرجال رغم حبهم وإخلاصهم لزوجاتهم فلابد من أن تهفو أنفسهم للجمال، فما بالك إذا كان هذا الجمال من العيار الثقيل بل الثقيل جدا وقلبي المسكين لا يتحمل ثقل الدبابات والبلدوزرات الجمالية”. فقلت له: “أنا صحفي، والصحفي يصل إلى أسرار النجوم ولو كانت في سابع أرض. فصوفيا لورين يا سيدي رغم حبها لزوجها المخرج كارلو بونتي، والد ابنها كارلو جونيور، فهي عاشقة حتى الثمالة للنجم الوسيم غاري غرانت وهي على علاقة عاطفية معه في السر بطبيعة الحال”. فسألته بدوري: “إن الملايين يعشقون نزار قباني، الرجل الذي ترجم أحلى العواطف الرجالية في قصائده، فهل من المعقول أن يكون قلب نزار قباني في ملك امرأة واحدة فقط؟” فأجابني ضاحكا: “سؤال وجيه جدا لهذا سأجيبك عنه بكل صراحة: أنا فعلا أحب زوجتي الغالية التي تزوجتها عن حب. ولكني رجل ولابد لي من وقت لآخر أن أخضع لنزوات الرجل وضعفه أمام الصبا والجمال كما قال الموسيقار محمد عبد الوهاب، لابد لي من وقت لآخر من التعرف على شابات فاتنات يلهمنني ويجعلن أشعاري تفيض حبا وغراما صادقين. ولكني وبمجرد استيقاظي من نزواتي فإني أعود راكضا نحو أحضان بلقيس حبيبة عمري”.

   وبعد مدة قصيرة على لقائنا، سمعت عن انفجار السفارة العراقية في بيروت مما تسبب في مقتل كل من كان موجودا بها، فقُتلت بلقيس زوجة نزار أيضا، فهرعت إلى بيته لأعزيه في هذا المصاب الذي ألم به. فوجدته محطما ومنهارا تماما وقد زاد عمره بعشرة أعوام من فرط اصفرار وجهه وقوة صدمته، وكان يهذي باسم زوجته الراحلة. وقد أثبتت التحقيقات بعد ذلك بأن الذي كان وراء ذلك الانفجار هو الرئيس حافظ الأسد، الذي كان على خلاف كبير مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

   وكما قيل منذ القديم، فإن مصائب قوم عند قوم فوائد، حيث تعرف نزار قباني على شاب عراقي كان يخطو أولى خطواته في عالم الغناء، وكان هذا الشاب هو كاظم الساهر، ومن فرط حسرته على زوجته العراقية حول نزار قباني كل أحزانه عليها إلى أشعار عذبة قدمها على طبق من ذهب لكاظم الساهر، لا لسبب سوى لكونه عراقي كان يذكره بزوجته الراحلة. وهكذا لمع نجم كاظم على يد قصائد نزار حتى حمل لقب قيصر الأغنية العربية. من جهة أخرى كان نزار لا يبخل بقصائده على كبار مطربي مصر والعالم العربي، وكان يعرف مدى قوة الصداقة التي كانت تجمع بيني وبين العندليب الراحل عبد الحليم حافظ، فاتصل بي ذات يوم وقال لي: “رمزي، عندي موضوع يحز في نفسي وأرجوك تسعى لإيجاد مخرج له”. فقلت له: “خير يا أستاذ نزار” قال: “أرجوك أن تقول لعبد الحليم حافظ أن يكف عن تغيير كلمات قصيدة قارئة الفنجان التي قدمتها له ليغنيها، فقد غير الكثير من أبياتها وأنا لا أرتاح لهذه التصرفات مع أشعاري”. فقلت لنزار: “وأنت ما رأيك في تلك التغييرات، هل كانت في صالح المضمون العام لقصيدة أم لا”. فقال لي: “بصراحة، لقد كانت تغييرات جيدة، لكن هذا يكفي فقد اكتملت القصيدة، وأنا واثق من أنها ستكون حديث الكبير والصغير”.

   وفعلا كانت قارئة الفنجان حديث العالم العربي بأكمله بعد أن تحولت إلى آخر ما غناه العندليب الأسمر حيث رحل تاركا أجمل أحاسيسه في تلك الرائعة التي لا زالت لحد اليوم صالحة لكل الأزمان ولكل الأجيال”.

   وقبل أن أختم مقالي لا بأس من هذه اللمحات عن حياة شاعر العرب الراحل نزار قباني، فإسمه هو نزار بن توفيق القباني، دبلوماسي وشاعر سوري معاصر، ولد في 21 مارس 1923 من أسرة دمشقية عربية عريقة إذ يعتبر جده أبو خليل القباني رائد المسرح العربي. درس الحقوق في الجامعة السورية وفور تخرجه منها عام 1945 انخرط في السلك الدبلوماسي متنقلاً بين عواصم مختلفة حتى قدّم استقالته عام 1966؛ أصدر أولى دواوينه عام 1944 بعنوان “قالت لي السمراء” وتابع عملية التأليف والنشر التي بلغت خلال نصف قرن 35 ديوانا أبرزها: “طفولة نهد” و”الرسم بالكلمات”، وقد أسس دار نشر لأعماله في بيروت باسم “منشورات نزار قباني” وكان لدمشق وبيروت حيزًا خاصًا في أشعاره لعل أبرزهما “القصيدة الدمشقية” و”يا ست الدنيا يا بيروت”. أحدثت حرب 1967 والتي أسماها العرب “النكسة” مفترقًا حاسما في تجربته، إذ أخرجته من نمطه التقليدي بوصفه “شاعر الحب والمرأة” لتدخله معترك السياسة، وقد أثارت قصيدته “هوامش على دفتر النكسة” عاصفة في الوطن العربي وصلت إلى حد منع أشعاره في وسائل الإعلام.

   وعلى الصعيد الشخصي، فقد عرف قبّاني مآسي عديدة في حياته، منها مقتل زوجته بلقيس خلال التفجير الذي تحدثنا عنه، وصولا إلى وفاة ابنه توفيق الذي رثاه في قصيدته “الأمير الخرافي توفيق قباني” وقد عاش السنوات الأخيرة من حياته في لندن يكتب الشعر السياسي ومن قصائده الأخيرة “متى يعلنون وفاة العرب؟”، وقد وافته المنية في 30 أبريل 1998 ودفن في مسقط رأسه، دمشق.

error: Content is protected !!