في الأكشاك هذا الأسبوع

نقــــــطـة النــهـــايــة..

 

بقلم: محمد بركوش

   قاسيا كان ذاك الصباح كصباحات سبقته وأخرى تلته كما سترون، داهمتنا فيه أخبار ليل متوحش، لم يخف سفر الأستاذ مربوح على فرس الريح إلى حيث أراد، بعد أن خلف وراءه صغارا في مزرعة اليتم، وحقيبة بها نماذج لأحكام عالية في الجودة والإتقان والصنعة، وفضل أن يقيم في الموت منجاة من الإقامة في هذا الزمن الرديء (كما قال العوفي): زمن فقد مذاقه ونزعته الإنسانية، وتحول إلى لعبة في يد القدر، تمارس أصعب الحركات في أحلك الأجواء.

   انتهى في رمشة عين، بعد أن طوق جيده بحبل من مسد، ليس بالطويل ولا بالقصير، وعرج مع الروح التي كان يؤمن أيما إيمان بأنها الوحيدة التي تشكل إنسانيته وتحقق فضائله، دون الجسد الفاني الذي ظل في صراع تام معه حتى وهو يضع نقطة النهاية، دون أن يفكر في الرجوع إلى سطر الدنيا، هذه الأخيرة التي فجرت لديه ينابيع من الصراعات الداخلية، سقط معها مرات دون أن يتوقف أو ينهزم، وكأنه يردد قول أحدهم: “ليس كل سقوط نهاية، فسقوط المطر أجمل من بداية”.

   لم تكن له مشاكل البتة مع الإدارة، ولا مع المسؤولين الذين يقدرون فيه إخلاصه وطاقته العجيبة، وهزمه للتواكل وتمسكه بالإصرار والتحدي حتى في أشد اللحظات وأقساها، تلك اللحظات التي كانت ينسف أحزانها بأفراح رباها كقطيع حنان أليف، ما نقلته بعض المنابر لم يكن حقيقيا “عاريا من الصحة كما يقولون” حسب إيضاحات رؤسائه الذين نفوا بالقطع أن يكون محط شكايات أو اتهامات أو استفسارات حول أي موضوع كان، كل ما في الأمر أن جهات متعجرفة تسعى إلى ضمان احتفالية النهاية (بعد أن أدين أحدهم) ورسم خطوط مشروع استغاثة مغلوطة، طبعا من خلال توجيه رسائل ركيكة بواسطة “سعاة” يجهلون كل شيء عن القضاء الذي لا يتأثر ولا يجاري.

لم يكن الأستاذ مربوح رحمه الله (ضدا على بعض العلماء) يحسب العمر بالأيام ولا بالسنوات، بل بالأخطاء والأعطاب القضائية التي لم ينحن قط أمامها، بقدر ما كان يتعلم من عمودها كيف يقوي احترافيته، ويسمو بمهنيته، ويكسب ود زملائه واحترام رؤسائه وتقدير المتعاملين معه، ولم تأخذ منه رحلة التعب المضني وهو يطارد الرمال ويغالب الزوابع (في الداخلة)، ويحصد النجاح الذي يستهويه رغم جسامة المسؤولية في مناطقنا المعتزة بمغربيتنا، لأنه كان يرنو إلى تسجيل اسمه بين الكبار وصب ملامح التفوق فوق ناصيته، ووضع الكل أمام نموذج فد في التفاني وتحمل المشاق ونكران الذات.

    انتهى في غفلة منا ومن أهله وعشيرته التي تأويه، لم يستشر أحدا، ولم يفكر في ذلك، ربما لإيمانه بأن الموت أفضل من تجرع ترياق اليأس، في عالم كله يأس في يأس، انتهى وكأن قدرا مجهولا ككل الأقدار الهوجاء كان يطارده من الخلف يلاحقه كالظل من أجل أن ينتزعه (ولو بواسطة حبل)كحجر بابلي كما قال الشاعر مصطفى ملح، بعد أن حمل كل الأسرار وبقاياها، وقطع إنشاد كان يسجلها في صمت، اقتفت هي الأخرى أثره، وكأنها تريد أن ينفرد لوحده حتى وهو في الدار الأخرى بسماعها وتردديها بأعلى صوته، بعد أن تخلت عنه الحياة التي كان يعشقها، واسترخصته بتلك الدرجة، لا لشيء إلا لأنه أشركها مع الموت انسياقا مع قول “تيبولوس” “الحب والموت قصيدتان لشاعر واحد أتقن الحب وأدمن الألم”. نعم! انتهى بدون وداع وهو الذي كان يحمل إرثا من الأحلام الساكنة في العقل والوجدان، وكثيرا من الأوهام التي كانت تريحه حينما يخلو إلى نفسه، يزرع ظلا كما قيل وفاكهة وحبا، ويعترف بكل تلقائية بأن المكان أضيق من حزنه، وأن البحر لم يخلف إلا لخنق أمواجه، استسلم في رمشة عين فوق ذلك السطح اللعين لنزوة ظالمة اخفت كل الأنوار التي كانت تضيء في العمق، وأفشلت أحلاما طرية لم تنم بعد لحداثة عهده بالقضاء، أحلام مزينة مساحتها بألوان من الأمل والعشق ولذة الحياة، فكان موته ألما حادا، استيقظ في لحظة كأنه كان في قاعة الانتظار ليمزق كل أطراف السكينة، ويوقف زحف الابتسامة العريضة والعناق الحار اللذين كان يجيدهما بحسن نية وليس من قبيل النفاق كما يفعل البعض، كما يجيد مخالطة الناس ومعاشرة الأخيار والاحتراس من الشبهات، رغم كراهته للمدينة الجاحدة التي حرمته من امتلاك قبر الحياة، ودفعت به وسط دوامة القروض والديون.

   لم يكن وحده الذي غادرنا في ذلك الأسبوع المشؤوم، قاضية شابة “أمال أمين” في مقتبل العمر اختطفتها يد المنون رغم صراعها الطويل مع المرض، وطموحاتها الكبيرة التي لا تحد بالبحار ولا بالأنهار، ورغبتها في أن تكون  “دكتورة” في القانون الذي تشتغل عليه داخل محكمة الأسرة بمراكش إلى جانب قضاة “وقاضيات” ملهمين ومتمكنون واجتماعيين في نفس الوقت، رجل دفاع أيضا ركن إلى الغياب، انتقل إلى عفو الله بعد أن حارث قواه، ولم يعد قادرا على الاستمرار في درب مظلم فقد كل مصابيحه، خاصة عندما رحلت زوجته وأم عياله، ولم يقتصر الإحساس بالفاجعة على هذا الحد إذ قبل هذا وذاك كانت كاتبة بنفس المحكمة قد فشلت في مقاومة الداء، واستسلمت في خشوع تام إلى النهاية المؤلمة والتي لم تكن منتظرة من قبيل زملائها وزميلاتها الذين فوجئوا بموت غير مسبوق بإنذار ذات صباح لم تطلع فيه شمس الله، حيث أعلن عن حظر المرور إلى مملكة صغيرة بدون أمراء “يقال لها المحكمة” بعد أن مرت قبرة النعي قائلة بكلمات خافتة (إنما يعجل بخياركم).

error: Content is protected !!