في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة / عندما طالب السلاويون بالعفو عن ولدهم بنعلو

من يستفيد من العفو الملكي..

بقلم: مصطفى العلوي

   السجن – وكثير منا عرفوه – هو بصرف النظر عن صعوبة ظروفه، يبقى مدرسة يتعلم فيها كل سجين من رفاقه في الزنزانة، الشيء الكثير.. وكثير من الصداقات والتحالفات الأكثر من أخوية، نمت في أطراف السجون، حيث يعرف السجين ظروف رفاق المحنة وملف كل سجين، وأسباب اعتقاله، وحكايات المحامين(…)، وأساطير المساطير القضائية، وجبابرة السجانين، ثم إن السجناء، هم مثلنا نحن غير المسجونين، أو الذين نعيش في سراح مؤقت(…)، فيهم كثير من المظلومين، لأن تقليد بعض السجون عندنا، وفي سجون الدنيا كلها، يعزل المجرمين الكبار، بعيدين أو بوسائلهم الخاصة، في زنازن بالثلاجة والتلفزيون، بل فيهم من أصبحوا يزاولون التجارة من داخل معتقلاتهم (الأسبوع عدد 10 شتنبر 2015) عن الدار التي بيعت بأربعمائة مليون في سجن عكاشة.

   ولكن ظروف السجن تتغير، عندما يتزامن واحد من الأعياد مع بلاغ صدور العفو، الذي أصبحنا في السنوات الأخيرة، نسمع أنه يشمل الآلاف.

   وهكذا فإنه عندما يشمل العفو سجينا، يعرف رفاقه، أنه حصل على العفو، بطريقة أو بأخرى(…) فإنه لا يبقى لرفيق السجين المعفى عليه، إلا أن يفكر في الانتحار، مادام الناس سواسية.. كما خلقهم الله، فلماذا يخرج هذا ويبقى الآخر، وربما حتى على مستوى الجريمة الثابتة، إذا كانت هناك جريمة، فلماذا يعفى على هذا.. ويبقى الآخر في السجن.

   مرة في أيام الحسن الثاني، كانت إشكالية العفو، مطروحة بشكل جعل ملفها يتفجر سنتين من بعد، حينما صدر عفو – كالعادة – بصيغة “تفضل سيدنا أعزه الله..” وأحس السجناء الرفاق، للمعفى عنهم، بخلل العملية، فانتظر منهم، سجينان اثنان، فرصة زيارة الرئيس الفرنسي ميتران للمغرب، وقررا الانتحار، إساءة للمغرب طبعا، وانتقاما من العفو الملكي الذي كانا يعتبرانه، قد أصبح قضية بيع وشراء، وقد كشفت الأيام بعد موت السجينين، أنهما كانا صادقين، بأنه لن تكون في العفو عدالة.

   فقد كان الملك الحسن الثاني، يعقد ندوة صحفية مع مراسلين لجريدة “لوموند” (7 جوان 1987) حين صدمه سؤال لواحد من الصحفيين، قال له: ((إن وفاة اثنين في السجن، نتيجة إضرابهما عن الطعام، خلال زيارة الرئيس ميتران لإيفران، صدمت الرأي العام الفرنسي، بينما كنتم قبل أيام، قد أعلنتم عفوا واسعا عن عدد من المساجين)).

ليستجمع الحسن الثاني دهاءه، ويغطي على إحراجه، ويقول للصحفي: ((إنه باستثناء المس بالوحدة الترابية للبلاد، فإني أصدر عفوا في كل مناسبة، فالقضية قضية التزام، وليست قضية صلاحية.. لأن العدل كان دائما ملازما للإنصاف. الإنصاف من الله، والعدالة موكولة للبشر)) (استجواب 7 جوان 1987).

   واعتراف الحسن الثاني للعفو، بأنه إنصاف، جعله كمغربي، يعرف خروب بلاده(…) يهتم بخطورة التلاعب بالعفو، إلى أن اكتشف سنة 1995، أن المكلفين بتحضير لوائح العفو أصبحوا يتلاعبون بالأموال، بعد أن ضبط في بيت واحد منهم، أحد المسؤولين الكبار، المقربين من رئاسة أمن القصر، على شيكين، كل واحد قيمته مليون درهم، وعندما اعتقل الرجل القوي رغم قوته(…) كشف البحث أن الأمر يتعلق بعصابة: ((تستغل قربها من بعض الأسماء(…) لتضيف في قوائم العفو الملكي، بمناسبة الأعياد، أسماء متابعين خطيرين(…))) (الأسبوع. عدد 1 شتنبر 1995).

   طبعا لا يتعلق الأمر بمجرد خبر صحفي، فقد اعتقل بعد نشر هذا الخبر، مسؤول نادي الطيكواندو، الذي كان مقربا جدا من الحاج المديوري، رئيس الأمن الملكي، وكانت فضيحة كبرى(…) سمتها الصحافة في ذلك الوقت “قضية الركيزة(…)”.

   وتضخمت القضية، حينما صرح أحد المسجونين لعون قضائي، بأنه دفع رشوة من أجل وضع اسمه في لائحة العفو، بمناسبة 20 غشت، وأعطى الحجج على أنه دفع الرشوة لمدير ديوان وزير الدولة(…) حيث أعلن رسميا توقيف مدير الديوان، ليسمع الحسن الثاني الخبر، ويأمر في غشت 1995، بإلغاء منصب مدير الديوان، وهو القرار الذي لازال العمل به جاريا إلى الآن.

   ودون أن ننسى فضيحة العفو الكبرى التي حصلت في المغرب منذ سنتين، قضية العفو – في ظروف شبه سياسية(…)- على المجرم الإسباني كالفان، واضطرار الدولة إلى الإعلان عن تراجعها عن ذلك العفو، تبقى قضية العفو حتى في عهد الملك محمد السادس، جزءا من الإنصاف، كما قال الحسن الثاني، ويبقى مشروعا، التساؤل عن الظروف التي تحضر فيها لوائح العفو على السجناء.. وهل هي ظروف سليمة.. ولو كانت سليمة في الأمر الواقع، لما لمحت الأخبار الصحفية، إلى استفحال جرائم القتل والسرقة التي تحصل بعد صدور العفو في كل عيد، أم أن العفو لا يشمل إلا ذوي السوابق الإجرامية الخطيرة.. ولماذا لا يكون مناسبة لتصحيح بعض الأخطاء القضائية(…) ومراعاة لبعض الحالات الاجتماعية، ليبقى العفو جزءا من الإنصاف، خصوصا وأنه يصدر باسم الملك، أم أن حتمية الظروف الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، أصبحت تفرض إعادة النظر، في طريقة تحضير لوائح العفو، مادام الشك مقطوعا، في أن يكون الملك نفسه هو الذي يشرف على اللوائح.. وهو شيء مستحيل، ليبقى الأمر – بالتأكيد – محصورا في مجموعة مجهولة(…) تضع في لوائح العفو من تريد، رغم أن نزاهة العفو في إطار القضاء، هي الضمانة الوحيدة لمبدإ الملكية الدستورية وللاستقرار.

   الاستقرار، والحرص على الاستقرار، والأمل في تكريس العفو الذي هو من حقوق ملك البلاد، بصرف النظر عن لجنة العفو(…) ليتخذ العفو الملكي طابع الإصلاح، والاستجابة للأغلبية، وهو ما جعل النخبة الشعبية في مدينة سلا بأقطابها، وصناعها وفقهائها، وزواياها، ومسؤولي الأحزاب السياسية فيها، استقلاليين واتحاديين، وأحرار وعدليين وتقدميين، يرفعون إلى الملك محمد السادس، عريضة مطولة، قدمها لمدير التشريفات الملكية، قطب سلاوي محترم، نيابة عن ممضي اللائحة، التي يستنجدون فيها بجلالة الملك، بأن يشمل بعفوه بمناسبة عيد الفطر، الإطار السلاوي الذي يعرفه السلاويون جيدا عبد الحنين بنعلو، بعدما صدر في شأنه حكم استينافي ظالم، مزود بذعيرة مليارين، لم يطلبهما أحد، لا في الجلسات الابتدائية الأولى، ولا أثناء التحقيق، ليبقى أن صاحب فكرة إضافة عقوبة مليارين، هو الشخص الذي يتصرف في الملايير، وليس قاضي التحقيق ولا وكيل الملك.

   ويؤكد الشك، في سلامة الحكم على بنعلو، ما ورد في الصفحة 59 من الحكم الابتدائي (رقم الحكم 157/5/2013) حيث نصت جزئيات الاتهام، على شهادة كاتبة تسمى منى بنبراهيم وصفها دفاع بنعلو ((بأنها ليست إلا عينة من الشهادات الكيدية، لهذه الكاتبة شهادات تنتهي بادعاء فقدان الذاكرة أو ضعف النظر والتي قالت عنها الضابطة القضائية (ص 25) بأنها – أي الكاتبة – تتشبث بأنها لم تعد تتذكر))، إضافة إلى أن نص الحكم، ويمكن الرجوع إليه، يتحدث ((عن استغلال النفوذ وتزوير الوثائق))، دون الحديث عن عمولات ولا عن تلاعب في ميزانية مكتب المطارات.. هذا المكتب الذي تتحدث الصحف كلها عن تردي حالته المالية، منذ توقيف بنعلو، رغم تعيين مديرين أو ثلاثة محله.

   وعندما اجتمع السلاويون على إمضاء طلبهم بالعفو المرفوع إلى جلالة الملك، فلأنهم وهو يعرفون خبايا التنكيل ببنعلو، ويعرفون أن المحكمة لم تدعم حكمها بحجج تلاعب في مالية المكتب، فإن إجماع مئات الإمضاءات المتشفعة في هذا الإطار، تكاد تقتنع بأن بنعلو كان ضحية تلاعب مادام لم يثبت حسابيا، أي خطإ تسييري، فلا رشوة، ولا سرقة، ولا شيك مدفوع لا تحت الطاولة ولا فوقها، فإنه يكاد يصبح عقابا سياسيا(…).

   وها هي الصحف المغربية الكثيرة، لم تجد بعد الحكم على بنعلو مادة صحفية لتبرير الحكم عليه، بل إن الصحيفة الوحيدة المتحاملة على بنعلو(…) نشرت تفاصيل قرابته مع عائلة عبد الواحد الراضي، وعلي الفاسي الفهري، تلميحا إلى الوزيرة ياسمينة بادو، التي جاءت مع المئات، لتقدم لبنعلو تعازيها في وفاة والدته، وكان رجال البوليس، الذين رافقوه للحضور في جنازة أمه، قد شهدوا، بأن بنعلو يتمتع بشعبية نادرا ما بقي أحد يتمتع بها هذه الأيام، وربما لو كان بنعلو حرا طليقا، خلال الانتخابات الأخيرة، لكانت مدينة سلا صوتت عليه لرئاسة بلديتها.

   وليس بنعلو وحده الذي يتعرض لظلم العفو(…) فكثير من أمثاله يقبعون في السجون، لا لأنهم قتلوا، أو سرقوا، وإنما هم ضحايا خروقات مصلحية أو صراعات يعطيها بعض المسؤولين القضائيين طابع المخالفة، أو الجنحة أو الجريمة، والنماذج كثيرة، والضحايا أكثر، ووزير العدل يقول بأنه لا يتدخل في القضاء.. بينما التجارب علمتنا أن الذين يتدخلون في القضاء كثيرون، بينما المصيبة أن الغاضبين والمتخلصين من منافسيهم(…) قرب الأعتاب العالية(…) تنقصهم التجربة، وتعوزهم الممارسة، الشيء الذي يعجل بالكشف عن الفضائح، على حساب المقدسات العليا، والرموز المحترمة.

   وبصيغة أخرى، فإن العفو الذي هو جزء من الإنصاف في حاجة إلى إعادة النظر في أساليب منحه أو حرمان السجناء منه، مادام يصدر باسم الملك، وكما قال رئيس الحكومة بن كيران: ((إن ما قلته عندما كنت في المعارضة لازلت مقتنعا به(…) إن الدولة يجب أن تقوم بتغيير بعض الممارسات، لكن بإرادة الملك، فهذه دولة قائمة على المشروعية، وليس على القهر)) (تدخل أمام جمعية الفقيه التطواني).

error: Content is protected !!