في الأكشاك هذا الأسبوع

حيث ما وجدت المصلحة فتم شرع الأحزاب!

 

بقلم: الحسين الدراجي

   سبحان مبدل الأحوال، وسبحان من غير ولا يتغير ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه الأدعية فرضتها على سلوك وتصرفات بعض الناخبين في الانتخابات الأخيرة، حيث لم يتورع بعضهم في تغيير لونهم السياسي بصفة فاضحة يندى لها الجبين، وشتان بين أحزاب الأمس، وأحزاب اليوم، وكأن القوم غير القوم.

   ويتذكر المخضرمون مثلي الذين عايشوا فترة من عهد الاستعمار، أن المغاربة كانوا ينخرطون في صفوف الأحزاب الوطنية (حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال) ويتهافتون على الانضواء تحت لوائها أفواجا وفرادى وهم يعلمون أنهم معروضون لا محالة إلى الاعتقال والمحاكمة والتعذيب والسجن، بل حتى للإعدام، وكان هذا الانضمام إلى الحزب يتم بعد أن يؤدي المنخرط الجديد القسم على المصحف الشريف ويتعهد بأنه يظل وفيا ومخلصا لمبادئ الحزب مهما كانت الظروف ملتزما بالعمل في سرية تامة وألا يبوح بأسماء أفراد الخلية التي ينتمي إليها إذا تم اعتقاله من طرف السلطات الاستعمارية، وفي مقابل ذلك التعهد كان الحزب يتكفل بالنفقة عليه وعلى عائلته طيلة الفترة التي قد يقضيها في غياهب السجون، وذلك بفضل واجبات الانخراط التي كان يسددها المنخرط لفائدة صندوق الحزب شهريا حسب وضعيته المالية، حيث كان الأغنياء من أفراد الحزب يدعمون الحركة الوطنية بكل أريحية وسخاء، الأمر الذي ييسر عمل المسيرين لخلايا الحزب المتواجدة في جميع أنحاء وأحياء المدينة أو القرية وهو نظام دوخ أجهزة البوليس وعيونه ومخبريه.

   هكذا كان المغاربة يتحلون بصفات الرجال الأوفياء المخلصين للمبادئ والمثل العليا، ولقد كانت لنا في سيرة بعض أبناء هذا البلد قدوة حسنة، حيث ضربوا لنا أروع الأمثال في التضحية والاستشهاد (علال بن عبد الله، ومحمد الزرقطوني نموذجين) وكم من الإخوان المغاربة الذين شملتهم حملات الاعتقال المستمرة التي كانت تقوم بها السلطات الاستعمارية لإضعاف الحركة الوطنية ماتوا داخل مخافر الشركة، تحت تأثير شتى أنواع التعذيب والتنكيل (ضحايا حوادث 16 غشت بوجدة نموذجا) فما ضعفوا وما استكانوا أمام جبروت وغطرسة المستعمر بل ظلوا صامدين إلى أن امتدت يد الغدر إلى رمز الوحدة الوطنية الملك الوطني العظيم الذي ضحى بعرشه وفضل المنفى على أن يرضخ لمطالب الاستعمار، المرحوم محمد الخامس نور الله ضريحه، وكانت مبادرته هذه، الانطلاقة التي حفزت همم الشعب الذي خاض معركة التحرير التي انتهت بحصول المغرب على استقلاله وعودة ملكه الشرعي للبلاد، وما كان ذلك النصر أن يتحقق لولا ترابط الشعب والعرش. ولم تمض على عهد الاستقلال إلا فترة قصيرة حتى أصبحت البلاد تتمتع بنظام التعددية الحزبية التي عجت بها السياسة إلى درجة أن البلاد أصبحت تعاني من التخمة في هذا المجال، وإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده، وهذا ويا للأسف ما وقع في بلادنا حيث تعددت الأحزاب والهدف واحد، وهو الوصول إلى مراكز القرار والسلطة مهما كان الثمن، وقد عرت الانتخابات الأخيرة على هذه الحقيقة إذ سقطت الأقنعة وتحولت الانتخابات إلى سوق تباع فيها الأصوات وتشترى، حيث تحول المرشح المنتخب إلى حرباء يغير لونه حسب الطلب بل أن جماعات من المرشحين أصبحت تتخلى عن حزبها لتنظيم إلى أحزاب أخرى.

error: Content is protected !!