في الأكشاك هذا الأسبوع
الفنان حميد الزاهر

حنيننا إلى الفن الراقي لازال يحركنا

 

   أليس هناك حنين كبير إلى الأغنية الهادفة وإلى المعاني الراقية في الفن الأصيل والجميل الذي يلامس ويعالج مشاكل وهموم الناس في تفاعلاتهم وحياتهم في ظل كل هذا الغناء الساقط والعري الفاضح و المفضوح الذي أصبح الميزة الأساسية في المجال الفني ببلادنا؟
   دأب الكاتب والصحافي الرائد، رشيد نيني، على تسليط الضوء و لفت الانتباه إلى مجموعة من الفنانين المنسيين من خلال برنامجه “نوستالجيا” الذي كانت تبثه القناة التلفزية المغربية الثانية. ولقناعته التامة بأن هؤلاء المنسيين قدموا الشيء الكثير للمجال الفني ببلادنا، عمل على كشف معاناتهم وعلى تقديمهم للمشاهدين على أنهم، أي هؤلاء الفنانين، قد تعرضوا للإهمال والنسيان برغم كل النجاحات التي حققوها وبرغم كل المساهمات والتضحيات التي قاموا بها لإثراء التراث الفني ببلادنا.
   وتميز هؤلاء المنسيون بوسائلهم وإمكانياتهم الخاصة والبسيطة. ومع ذلك، فقد جدوا واجتهدوا وأبدعوا وأطربوا أجيالا كثيرة وأدخلوا الفرحة والبهجة إلى الكثير من البيوت في كل المناطق المغربية عبر المحطات التلفزية والإذاعية. وقد كانت أغنيات بوشعيب البيضاوي وحميد الزاهر وعبد الصادق الشقارة وغيرهم كثير تُضحك المغاربة وتمتعهم بنظمها وقالبها الفكاهي الساخر الذي يجسد العلاقات العاطفية والفوارق والطبقات الاجتماعية التي كانت تحول دون ذلك في “أش داك تمشي للزين وأنتيا راجل مسكين” وفي “أللا فاطمة” وفي “وقتاش تغني يا قلبي” وفي كثير من الروائع الأخرى.
   وفي ظل البهجة التي كان يضفيها بعض الفنانين الكبارعلى المغاربة، سعى أخرون إلى جس نبض قلوب الناس عن طريق التغني بآلامهم وامالهم. وقد عبر هؤلاء عن أفكارهم ومعتقداتهم ومواقفهم من خلال أغنياتهم الحزينة. وبذلك، إستأنس الناس بألحانهم وأشجانهم وبكلامهم. وبالتالي، رددوه وحفظوه.
   كان التفقير والتهميش والحرمان يحركهم ويلهمهم في إبداعهم. وكانوا يتغنون بمعاناة ومأساة كل أولئك المقهورين والمضطهدين. وحزنوا لحزنهم وأبدعوا وجددوا وأضافوا وبصموا بلمساتهم الخاصة قصائدهم وأغنياتهم. ونتيجة لذلك، تجاوزت أغنياتهم الحدود المغربية وأصبحت تضاهي أغنيات بعض الفنانين العالميين في شتى الأقطار الأخرى. وهكذا شكل هؤلاء العمالقة التراث الفني المغربي الذي يجب إحياؤه وتجديده وتدريسه لأولئك الأقزام الذين يعانون من الاستلاب الفكري والثقافي. 
   اليوم، نعرف أن كل شيء يباع في سوق الفن لأن المبادئ والقيم ذهبت أدراج الرياح ولأن الإغراءات كبيرة. لكن المسؤولية الأخلاقية تقتضي منا التشجيع على الفن الجميل والهادف والذي يحاكي الطبيعة في جمالها وفي سمفونيتها ويربط الناس بأصولهم وثقافتهم وقيمهم الأخلاقية، وفي نفس الوقت، يمكنهم من التمتع والاستمتاع بالروائع الخالدة وإلا سنجد أنفسنا نَحِنُّ بكل حزن و شجون ونغني مع عبد الوهاب الدكالي: “فين أخناتون، فين هارون، فين هامان، فين فرعون.. فين الكندي، فين الخليل.. فين موزار، فين عبد الوهاب، فين كلثوم، فين زرياب، فين أبو نواس، فين الخيام، فين شوقي، فين أبو تمام، فين ابن المقفع وموليير، فين شابلين وشكسبير.. وابن زيدون، فين ليلى والمجنون، فين المجنون، فين المجنون”.

أسيم يوسف

error: Content is protected !!