في الأكشاك هذا الأسبوع
رمزي صوفيا والصحفي اللبناني شفيق نعمة والملحن العراقي ناظم نعيم مع ناظم الغزالي قبل وفاته بيوم واحد

ناظم الغزالي.. صوت دجلة والفرات

    صوت العراق الشجي الذي أطرب الأجيال والذي تحدت أغانيه كل السنوات التي مرت على رحيله المبكر. كان يتمتع بحضور فني كبير وكان جمال صوته يعبق بين دجلة والفرات ويتخطاهما نحو كل ربوع العالم العربي.

    كانت معرفتي بناظم الغزالي وطيدة حيث كنا نلتقي من وقت لآخر. وعندما كان يتعذر علينا اللقاء بسبب التزاماتي ورحلاتي وراء الخبر الصحفي في كل أصقاع الدنيا، فكانت أغانيه تجعلني ألتقيه بروحي وأسماعي من فرط إعجابي بصوته وبفنه الراقي.

   وقد ولد ناظم في منطقة الحيدر خانة في بغداديتيما، ودرس في المدرسةالمامونية. وبعد تردد طويل التحق بمعهد الفنون الجميلة قسم المسرح،ليحتضنه  فنان العراق الكبير حقي الشلبي نجم المسرحوقتها، حين رأى فيه ممثلا واعدا يمتلك القدرة على أن يكون نجما مسرحيا، لكن الظروف المادية القاسية التي جعلته يتردد كثيرا في الالتحاق بالمعهد نجحت في إبعاده عنه، ليعمل مراقبا في طاحونة للدقيق ببغداد.

    لقد أبعدته الظروف عن المعهد، لكنها لم تمنعه من الاستمرار في دراسة أصول الغناء والعزف على مختلف الآلات الموسيقية على يد مطرب العراق الذائع الصيت محمد القبانجي. ولم يلبث أن عاد ناظم الغزالي إلى معهد الفنون الجميلة لإكمال دراسته، ليأخذحقي الشلبيبيده ثانية ويضمه إلى فرقة “الزبانية” ويشركه في مسرحية “مجنون ليلى” لأمير الشعراء أحمد شوقي في عام 1942، ولُحِّن له فيها أول أغنية شدا بها صوته وسمعها جمهور عريض، أغنية “هلا هلا” التي دخل بها إلى الإذاعة، والتي حول على إثرها ناظم اتجاهه، تاركا التمثيل المسرحي ليتفرغ للغناء، وسط دهشة المحيطين به الذين لم يروا مايبرر هذا القرار، خاصة أنَّ ناظم كان يغني في أدواره المسرحية، إلا أن وجهة نظره كانت أنه لكي يثبت وجوده كمطرب فإنه لابد أنْ يتفرغ تماما للغناء.

    وهكذا تقدّم إلى اختبار الإذاعة والتلفزيون، وبين عامي 1947 و1948 انضم إلى فرقة الموشحات التي كان يديرها ويشرف عليها الموسيقار الشيخ علي الدرويشوالتي كان بها عدد كبير من المطربات والمطربين.

 وكان صوته من الأصوات الرجولية الحادة من نوع التينور الدرامي وهو الصوت الرجالي الأول في التصنيفات الغربية. ومع انفتاح حنجرته كانت قدرته غير العادية على إجادة الموال وتوصيل النوتات بوضوح، بجوابه المتين وقراره الجيد في مختلف ألوان المقامات وأنواعها، وإضافة إلى ذلك كله فقد ساعدته دراسته للتمثيل على إجادة فن الشهيق والزفير في الأوقات الملائمة. لقد أجاد الغزالي الموال باعتراف النقاد وكبار الموسيقيين الذين عاصروه، وما كان يميزه في ذلك معرفته وتعمقه في المقامات العراقية وأصولها إضافة إلى ذلك انفتاح حنجرته وصفائها، وكذلك جوابه المتين وقراره الجيد في مختلف ألوان المقامات وأنواعها.

    ومنذ بداية الخمسينيات بدأت أغنيات الغزالي تعبر الحدود، فسافر إلى عدة دول، وأقام عدة حفلات في كثير من الدول العربية، وأصبح سفيراً للأغنية العراقية. وبداية الخمسينيات هي الفترة التي شهدت تطوراً وربما انقلاباً ملحوظاً في غالبية مقاييس الغناء في العراق ومواصفاته، وبدأت بوادر الأغنية المتكاملة تظهر مع أغنيات ناظم التي نفاجأ اليوم حين نسمعها بوجود لوازم موسيقية ضمن توزيع موسيقي تعدد فيه الآلات الغربية والشرقية، لقد قلب الغزالي غالبية مقاييس الغناء في العراق.

وبعد نجاحه وانتشار أغانيه، التفت ناظم الغزالي إلى قلبه، فكان زواجه من سليمىة مراد باشا في سنة 1953 من الزيجات المثيرة للجدل، حيث كانت سليمة مغنية للباشوات وكانت أستاذة في فن الغناء، وكانت تكبر ناظم الغزالي بأكثر من عشر سنوات. وخلال فترة زواجهما تعاونا على حفظ المقامات والأغنيات. وفي عام 1958قاما بإحياء حفل غنائي جماهيري كبير، فتح آفاقا واسعة لهما إلى خارج حدود العراق فكانت بعدها حفلات في لندن وباريس وبيروت.

 

وفاته

 قبل وفاته سافر إلى بيروت، وأقام فيها 35 حفلا، وسجل العديد من الأغاني للتلفزيون اللبناني، ثم إلى الكويت، وسجّل قرابة عشرين حفلة بين التلفزيون والحفلات الرسمية. وفي العام نفسه اجتهد وبذل جهدا كبيرا ليتمكن بسرعة أن ينتهي من تصوير دوره في فيلم “مرحبا ايها الحب” مع المطربة نجاح سلام، وغنى فيه أغنية “يا أم العيون السود”. ولكن نجاحاته الفنية وسعادته الزوجية مع سليمة وفرحته بالحياة لم تدم طويلا، حيث كان القدر المحتوم ينتظره ذات يوم من أيام 1963، وكان على موعد مع أستاذه محمد القبانجي والصديق إبراهيم الحاج رزوقي حيث كنا سنلتقي نحن الثلاثة بعد نصف ساعة تقريبا لأجري معه حوار صحفيا جديدا. وكان ناظم يحلق ذقنه وخادمه يهيء له كأس القهوة العربية التي اعتاد على احتسائها قبيل التوجه إلى مواعيده، وفجأة سمع الخادم صوت سقوط قوي، فهرع نحو الحمام ليجد ناظم مرميا على الأرض وعيناه مقلوبتان ولونه مصفرا، فأمسك الخادم بسماعة الهاتف وطلب الإسعاف ولكن سيف القدر كان قد قطع الطريق على كل إسعاف حيث انتقل ناظم الغزالي إلى رحمة الله بسكتة قلبية مباغثة تاركا الحسرات لمن أحبوا شخصيته المرحة العاشقة للنكث والدعابة، وتاركا رصيدا غنائيا رائعا من أجمل روائعه بصوته الشجي الذي لم ولن يتقادم مهما مرت السنوات.

error: Content is protected !!