في الأكشاك هذا الأسبوع
لحظة تشييع جنازة الراحل الحسن الثاني

ليلة موته أخبر الحسن الثاني مساعديه بأن غدا ستكون مخزنية كبيرة

بقلم: عبد الحميد العوني 

   بعد التجاوب الشعبي مع التفاصيل المثيرة لكتاب “الحسن الثاني، الملك المظلوم” ارتأت جريدة “الأسبوع” أن تنشر المزيد من تراثها القريب لإضاءة حاضرنا، وتحليلاتنا المطلة على المستقبل، لأن من يملك دقائق وكواليس الأمور يتمكن من إدارتها أو يقترب من فهمها الصحيح إن كنا في الجانب الآخر من المعادلة.

   لا يروق للصحف الكبرى الحديث عن نفسها، لكننا نضع أمام القارئ خلفيات تنويرية في ظل تحول رقمي أصاب الإعلام الورقي. ولأننا لا ننشر بيانات أو دعايات جانبية، أو نخدم جانبا في اللعبة ضد آخر، نعيد نشر تفاصيل هامة لدعم بنية المحرر والقارئ في لحظة واحدة، وهو التحدي الدائم لمنبر يقترب إصداره من نصف قرن.

الحسن الثاني عاش ملكا ومات سلطانا

بذكاء، اختارت جريدة “الأسبوع” في أجواء الجنازة الرهيبة لمؤسس الدولة المغربية صورتين غطت كل صفحتها الأولى: الصورة الأولى للمرحوم الحسن الثاني بعنوان “السلطان الذي مشى عند الله” وخطت تحت من خلفه على العرش: “الله ينصر الملك”، وبدأت “الحقيقة الضائعة” لنفس العدد سطورها: “الله يرحم السلطان”، “الله ينصر سيدي محمد”.

وفي كل دواخل المغاربة نزوع لا يستطيع معه أي مواطن الإجابة عن سؤال محير: هل كان الحسن الثاني سلطانا أم كان ملكا، وهل بموته ماتت مقولة: “السلطان” في السياسة المغربية وبدأ “الملك الدستوري”.

على العموم لا ينسى الملوك المغاربة “أنهم سلاطين يمضون ويبقى المغرب”، تقول “الحقيقة الضائعة” للعدد.

   لقد كانت جنازة الحسن الثاني على مستوى عظمة الرجل، فلم يسبق في تاريخ الدولة الإسلامية في المغرب أن عرفت ملكا أو سلطانا ولا خليفة من طينة الحسن الثاني، وفارقت ـ الأمة المغربية ـ وضعية كاملة بموته.

لم يبق من حق أي لوبي أن يتحدث عن خطر أية معارضة على النظام

   قبل أسبوع من موته عرف الحسن الثاني أن الموت آت، وأعد كل التفاصيل الدقيقة لانتقال العرش إلى ابنه البكر ولمح إلى أن الجيش ضامن الاستقرار والاستمرار.

   بعد معاناة أبانت عن عجز الوسائل.. وتعطل المصاعد في مستشفى ابن سينا.. أدار الحسن الثاني كل التفاصيل دون أن ننسى وصيته في خطاب العرش (3 مارس 1999) حينما لمح جلالته إلى أن الجيش هو ضامن الاستقرار والاستمرار، وفعلا مهر الضباط السامون بيعتهم لخليفة الحسن الثاني الذي تحول معه الشعب المغربي من “شعب كالأسد لا يمكن أن تشعره بأنه مربوط” إلى صورة أخرى حين حولته الحضارة والإمكانيات العصرية ووسائل البذخ والترف إلى شعب “وديع وداعة القطط”.. واستأسدت اللوبيات حول المحيط الملكي.. دون أن تكون حول عنقها سلسلة، بل إن أقطاب تلك اللوبيات كانوا يحلمون بالإبقاء على السلاسل حول أعناق الشعب المستسلم المسكين، وفي رسالة مباشرة من كاتب “الحقيقة الضائعة”، قال: “لم يبق من حق أي لوبي أن يتحدث عن خطر أية معارضة على النظام… في عهد الملك محمد بن الحسن، وهو هاجس نذكر جميعا أنه سبب الكثير من المتاعب الأخرى للملك الراحل، واتضح أن سماسرة القرارات السياسية كانوا يكذبون عليه ليبعدوا عنه كل مفكر صادق أو صاحب فكرة إصلاحية متميزة، وذلك هو الرهان الأول للملك سيدي محمد، وهو في وضع لا يسمح له بالاستمرار في نفس النهج.

   ولابد له من أن يخترق مواقع الخلل في جميع الأجهزة التي كانت لها الكلمة الأولى، وقد قزمت مهام حكومة التناوب، وكان الحديث عنها والمس بمصالحها أمرا من قبيل الطابو “الممنوع”.

تفاصيل اللحظات الأخيرة للملك الحسن الثاني قبل تأكيدها في مذكرات ابن أخيه مولاي هشام

 

    في العدد 14/512 نقلت “الأسبوع” الصلاة الأخيرة للحسن الثاني، ومدى رباطة الجأش الشديدة التي تمتع بها في لحظاته الأخيرة، وكشف الأمير هشام في مذكراته بعد سنوات كيف انقطع الملك الراحل عن المهدئات واستقبل حتفه باطمئنان شديد.

   الرجل الكبير الذي أسقط دمعه أمام التلفزيون ينقل جنازة الملك حسين في الأردن، عرف أن اسمه الحسن شقيق الحسين، وهما ابنا فاطمة بنت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

   يقول المحرر في عدد الجمعة الثالث من شتنبر سنة 1999: “كان الحسن الثاني، النموذج الكبير للرجل الذي حضر لوفاته بكل تؤدة، وكلمة وشجاعة، وتبين الجزئيات التي تسربت في الأيام السابقة لوفاته أنه فعلا كان نموذجيا في وفاته، مثلما كان نموذجا فريدا في حياته).

   وبصرف النظر عن الأساطير التقليدية كسقوط الحصان في إحدى المناسبات وهو ما حصل، فإن الوقائع التي سبقت موت الملك دخلت مرحلتها الأخيرة في باريس، فقد فحصه طبيبه الدكتور “كودو” وتوقع استفحال حالته، فاتصل بعد انتهاء الفحص بالرئيس شيراك، وأخبره بالواقع الحقيقي الذي ألزمه إخبار العاهل المغربي بحقيقة الأمر.

   ودخل جلالة الملك الحسن الثاني إلى الرباط وبدأ عقد جلسات عمل ماراطونية بحضور ولي العهد، والوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي، واجتماعات بين ولي العهد وكبار ضباط القوات المسلحة الملكية، بل إن جلسة عمل تم خلالها دراسة الخطوط العريضة لنص البيعة، وتعليمات بشأن طريقة الإمضاء عليها، ومن سيمضيها، وتوقيت إمضائها.

   ويقول العارفون بالجزئيات، بأن جلالته رحمه الله دخل قاعة العرش يوما قبل وفاته، فوجد بها أشغال إصلاح أرضية، فقال للعاملين: “عجلوا بالانتهاء، فإن غدا ستكون هنا مخزنية كبيرة”، وفعلا كان الغد موعدا لوفاته وللبيعة التي أعقبتها في ظروف خطط لها بنفسه.

محمد بوستة ينتقد طريقة البيعة، فأخبره أحد المسؤولين بأنها تعليمات جلالة سيدنا رحمه الله

   كشف الأطباء الأمريكيون على الحسن الثاني وقالوا، حسب “الأسبوع” أن (المهم في حالته هو القلب، ولم يكن أطباؤه العاديون قد حضروا لهذا الجانب، وتم نقل جلالته إلى مستشفى ابن سينا لمصلحة القلب، وقرر الأطباء إجراء عملية لتسهيل عملية التنفس بجانب الاختبارات الكارديولوجية).

   وتسلح المغفور له بشجاعة كبرى، وتذاكر مع الأطباء حول العملية وموقعها وأثارها، فقال لهم: فليكن، ولكنه وقف في الغرفة المجاورة لغرفة العمليات وصلى ركعتين، وعند الانتهاء من الصلاة، قال ثلاث مرات: “اللهم إني مسلم قالها بصوت مرتفع، ثم جلس على أريكة، وهو في حالة من التعب، لأن تنفسه كان يزداد صعوبة، نتيجة الإغراق المائي الداخلي”.

   وبعد إغماءة طويلة دامت حوالي الساعة أسلم روحه لباريها في هدوء، وسلم عرشه بترتيبات محكمة ومحسوبة التفاصيل إلى ابنه البكر “ملك الفقراء”.

error: Content is protected !!