في الأكشاك هذا الأسبوع
صورة مركبة للفقيه بلعربي العلوي وهتلر

تجسس هتلير على الفقيه بلعربي العلوي والكشف عن تواجد جاسوس فرنسي في قصر الملك محمد السادس

بقلم: مصطفى العلوي

 

   من الحكم التي خلفها لنا الملك الحسن الثاني – إذا كنا راغبين في الاستفادة من الحكم – اعترافه للتلفزة الفرنسية مساء 25 يناير 1981 بقوله: ((إن المصالح السرية تتحكم فينا أحيانا بالرغم منا)) ورغم أن الملك المطلع(…) لم يكشف سرا بهذا الاعتراف، فإن المصالح السرية، في الداخل والخارج، هي التي تمهد للأحداث الكبرى التي تهز الشعوب، رغم أن الكثيرين من المحظوظين بالقرب من الأقطاب، يستصغرون كل تدخل أجنبي، وكل دور خارجي في توجيه أوضاعنا الداخلية، وبقينا – هنا في المغرب –  صامتين.. لأننا وحفاظا على الصورة الأزلية، نعيش في نعيم واستقرار(…).

   وأخيرا.. وفي العدد الصادر من الجريدة الفرنسية “لوجورنال دو ديمانش” (عدد 13 شتنبر 2015)، نجد حوارا للصحفيين الفرنسيين الحاصلين(…) في ما سمي بابتزاز ملك المغرب، لا يهمنا ما قدماه من دفوعات لتبرئة ساحتهما، ولكن التعمق في حديثهما التفاوضي (…) مع المحامي المغربي هشام الناصري، يجعلنا مشدوهين أمام صمت وسائل الإعلام المغربية الرسمية، وغير الرسمية، والمقربة(…) أما الخبر الصحفي الذي كشف عنه الصحفي الفرنسي إيريك لوران، للصحيفة الفرنسية الأسبوعية حين كشف حرفيا: ((أن هناك أشخاصا جندتهم المخابرات الفرنسية للتجسس على الملك محمد السادس، وأن هناك شخصا في المحيط الملكي جاسوس للمخابرات الفرنسية ينقل الأخبار، وهو الذي شوهد حاضرا في عشاء رسمي في أبو ظبي)) وتأخذ جزئية الحضور في عشاء بأبي ظبي، مصداقيتها من الرحلة الأخيرة التي قام بها الملك محمد السادس، ومن يدري، ربما يتوفر جهاز المخابرات الفرنسية التابعة لوزارة الدفاع “ج.س.أو”، كما سماه الصحفي الفرنسي، على صورة هذا الشخص، الذي لا نعرف، إذا ما كان المحامي هشام الناصري قد أخذ ما يكفي من المعلومات، عن هذا الجاسوس الأجنبي الذي يعيش داخل القصر الملكي بالمغرب.

   فهل صدرت تعليمات سرية كالمعتاد، لوسائل الأخبار المغربية ألا تثير أي تعليق عن هذا الموضوع، فإذا كانت قد صدرت، لأن وسائل الإعلام المغربية العصرية والمعاصرة، سكتت بناء على تعليمات، فإن تواجد هذا الجاسوس، سيكون أمرا واقعا، وإذ لم يكن أي أحد انتبه لهذه الجزئية، ولم يصدر في شأنها أي تكذيب، ولا تصحيح.. فسلام على المرسلين، فالتعامل مع النوازل، كان رجال السلطان والمخزن قديما.. وحتى حديثا، يتم على أساس القاعدة المخزنية: كم من حاجة قضيناها بتركها، ولو تعمقنا في التقاليد لاكتشفنا أن الله وحده، هو الذي يقينا شر الجواسيس، ولو عن طريق المعجزات، كما حصل في هذا البلد السعيد سنة 1903، عندما كان المارشال ليوطي من الجزائر، يخطط لاحتلال المغرب، وهو قابع في منطقة عين الصفرا على حدود المغرب، يحضر جيوشه للاحتلال.

   وكانت المعجزة المغربية(…) حصلت ((عندما فوجئ الجنرال ليوطي في أكتوبر 1904 بفيضانات أغرقت المنطقة كلها، وقتلت ثلاثين من أعوان الجنرال، الذي فاجأه أحد مرافقيه بالكشف عن جثة، قال عنها للجنرال: إنه الآنسة “إيزابيل إيرنهارت” ليستغرب ليوطي ويقول إنه رجل فأجابه مساعده: لا إنها الآنسة إليزابيت، وهي تتجسس لنا داخل الكيان المغربي، تلبس أزياء الرجال ويسميها المغاربة سي محمد)) (مذكرات ليوطي. لوريفيران).

   الجاسوسة الفرنسية أيام السلطان مولاي عبد العزيز، خلفت مذكراتها، التي حكت فيها ذكرياتها(…) فانبري الكاتب الفرنسي في الجزائر “باروكاند” لطبع تلك المذكرات تحت عنوان ((في الظل الساخن للإسلام (Dans l’ombre chaude de l’islam. Barrucemd)

   ترى هل سيكتب الجاسوس الفرنسي في المغرب والذي كشفت عنه الأيام مؤخرا، هل سيكتب مذكراته(…) أو سيكتفي بما كتبه من تقارير، أم أن تضخيم قضية الجاسوس الفرنسي في القصر الملكي ضرب في تضييع الوقت، ما دامت الجاسوسية العالمية، بلغت حدا من التقدم والرقي، تجعل ضحاياها جامدين عن كل ردة فعل. أليس منتهى جمود الدولة متمثلا فيما حدث في المغرب مؤخرا، عندما صدر بلاغ رسمي عن السفارة الأمريكية بالرباط، يتحدث عن سفر مستشار من السفارة إلى مدينة العيون، لعقد اجتماع في بيت المعارضة النصيرة للبوليساريو، أميناتو حيدر، حضره كل أقطاب جمعية “الكوديسا” التي تطالب بالتدخل الأممي لمراقبة الأوضاع الداخلية بالصحراء.

   فهل قرأتم أي تعليق صحفي أو حزبي على هذا الاجتماع، الذي جمع مستشارا في السفارة الأمريكية بالرباط بأقطاب المطالبين باستقلال الصحراء في العيون، أم أنه السكوت المتفرع عن الاستهانة، استهانة من صنف ما جرى في بيت رئيس الحكومة الإيرانية أيام الشاه، هويدا، سنة 1973، عندما جره السفير الروسي في طهران وكان يسمى “فلاديمير بروفييف” وقال لهويدا: ((إن الأمريكيين سيرسلون جاسوسهم رقم واحد إلى طهران))، فيرد عليه هويدا أن الأمريكيين أصدقاءنا ليكذبه الزمن وترسل الولايات المتحدة سفيرها ريتشار هولمز، الخبير في المخابرات، وهو الذي أشرف على عملية الانقلاب ضد شاه إيران، ست سنوات من بعد ما قال رئيس الحكومة الإيرانية أن الأمريكيين أصدقاءنا.

   طبعا ليس الكلام عن تواجد جاسوس فرنسي في القصر الملكي بالرباط، بالحادثة المريبة المنفردة.. فمنذ استقلال المغرب مثلما قبل استقلاله كان السباق الاستخباراتي هو الشغل الشاغل لكل الطامعين، إن في الهيمنة على المغرب، أو في العمل على تخريب هياكله، فقد كتب الخبير الاستخباراتي الكبير “بوب وود وورد” ((كيف أن جهاز السيا الأمريكي، أراد استقطاب الرجل الثاني(…) في عهد العقيد القذافي، وكان يسمى الدكتور المكريف، الذي بعد أن بدأ تعاونه مع المخابرات الأمريكية كتب تقريرا عن جواسيس القذافي في العالم وأكد أن مخابرات القذافي تتوفر على جاسوس داخل الأجهزة المخابراتية المغربية)) (تقرير محرر بتاريخ 5 دجنبر 1983).

   نفهم لماذا كانت الأجهزة المحيطة بالملك الحسن الثاني تضرب ألف حساب لظاهرة الجواسيس، الذي لا يمكن التعامل معهم إلا بملاحقتهم، وهو أسلوب كان الحسن الثاني يبرع فيه لدرجة أن الخبير الأمني الفرنسي الكبير دومارانش، كتب ((إن الحسن الثاني يتوفر على العين الثالثة)) ودومارانش يعرف قيمة شهادته، لأن عينين اثنتين لا تكفيان رئيس الدولة الذي سيكون عليه أن يتوفر على العين الثالثة، التي هي الجاسوسية الوطنية.

   أما الملك محمد السادس، فقد قدم منذ اليوم الأول لتحمل المسؤولية نموذجا عن احتياطه والذي أفزع المتتبعين الإسبان، عندما كتبوا، أن الملك الإسباني خوان كارلوس أهدى لمحمد السادس بعد تنصيبه، تلفونا محمولا كان من أحدث التلفونات المحمولة في ذلك الزمان، وبعد أن فسر له طريقة استعماله، قال له: ها هو الوسيلة الوحيدة للاتصال معي في أي وقت وحين، ليعلق كاتب صحفي: إن الملك محمد السادس لم يستعمل ذلك التلفون أبدا، للاتصال بخوان كارلوس، لأن الملك الإسباني بالتأكيد أهداه الجهاز الذي سيجعل المخابرات الإسبانية تتنصت(…) على كل مكالمات ملك المغرب.

   أطروحة أكدها ما نشر مؤخرا عن الحسن الثاني الذي كان أول ضحية للتنصت التلفوني، حيث كشف المحامي الفرنسي موريس بوتان مؤخرا (موريس بوتان. بنبركة الحسن الثاني)، أن الملك محمد الخامس، أمر بتسجيل المكالمات التلفونية لولده الحسن الثاني خوفا عليه، كما كشف أن المخابرات الفرنسية ((سربت يوما فتاة مخبرة فرنسية، لتحضر سهرات مولاي الحسن، وترفع عنه تقريرا عما سمعته منه برغبته في التعاون مع الأمريكيين، لطرد الفرنسيين)) (الحسن الثاني الملك المظلوم. مصطفى العلوي).

   المخابرات إذن جزء من السياسة الحكومية، إن لم يكن عمودها الفقري، وأبرز نماذج الجاسوسية الأجنبية في المغرب ذلك التقرير الذي ضبطته الأجهزة الفرنسية بعد جلاء الألمانيين عن فرنسا سنة 1945، وكان هذا التقرير الذي عثر عليه في مكاتب الاحتلال الألماني، عبارة عن ((تقرير تم تسريبه من محيط شيخ الإسلام، الفقيه محمد بلعربي العلوي، رفعه بأمر من محمد الخامس، إلى مندوب الاحتلال الألماني بالمغرب، يخبره بمواقع جيوش الحلفاء الذين يحاربون ألمانيا في المغرب))، ويضيف التقرير: ((إن تقرير الفقيه بلعربي العلوي تم رفعه إلى هتلير، رئيس الدولة الألمانية نظرا لأهميته، وتولى هتلير إرسال نسخة منه إلى حاكمه في باريس، لذلك فأنا أكره الفقيه بلعربي)) (الجنرال جوان. مذكرات 1947).

   موقع المغرب منذ ذلك الزمان لم يتغير، والحديث عن تواجد جاسوس فرنسي في ديوان الملك محمد السادس، هو تكريس لمهنة قديمة تعتبر الضامن الأساسي لاستمرار الدول واستقرار الشعوب.

error: Content is protected !!