في الأكشاك هذا الأسبوع

العبودية المعاصرة في دولة الحق والقانون

 

   تغيرت النظرة نحو الوضعية التي يعيشها الإنسان، والمقترنة بتطوره عبر كل المراحل التاريخية المتمثلة في ظهور جيل جديد من أنماط العيش، بالإضافة إلى القوانين والتشريعات، العرفية و القانونية الحضارية، التي أفرزت الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان، والتي من خلالها اشتقت مفاهيم جديدة تحدد نمط العيش داخل النظام العالمي الجديد المعروف في عصرنا “العولمة”، إلا أن هذا الكم الهائل من الحقوق والمبادئ الإنسانية، التي كانت سباقة إليها النصوص التشريعية الإسلامية، من قرآن كريم وسنة نبوية، قد قطعت بشكل أو بآخر مع بعض الممارسات من ضمنها الميز العنصري على أساس اللون والعرق، بالإضافة إلى العبودية التي أخذت بعدا وغلافا جديدا من أنواع الاستغلال البشع رغم أنف الدساتير والقوانين والتنظيمات الوطنية والدولية.

   العبودية أو الاستعباد بمفاهيمها العامة، نمط من أنماط الاستغلال البشع للتركيبة البشرية، والتي كانت في السابق واللاحق من القرون الماضية، تقوم على مبدأ، العنصرية العرقية المتشكلة أساسا على اللون “السود”، من طرف الطبقات المتوسط والنبلاء، في المجتمعات القديمة كخدم يتاجر فيهم وكان يطلق على أسواق العبيد “سوق النخاس”، إلى أن جاء الإسلام للقطع مع هذه العادات، بسنة “عتق الرقاب”.

   وقد أخذت العبودية في مجتمعاتنا المعاصرة بعدا جديدا متمثلا في ظاهرة تشغيل الأطفال كخادمات في البيوت، تحت طائلة التعذيب وبأوقات عمل غير محدودة، وتحت ظروف تشغيل جد مزرية، بأجور هزيلة وبعض الحالات مجانا مقابل بضع ملابس بالية، طفلات منذ نعومة أظافرهن يستقدمن من القرى والمداشر كعاملات في البيوت لدى ساكنة المدن من الطبقات المتوسطة والغنية من المجتمعات المغربية، واللاتي يتعرضن لأبشع ظروف المعاملات القاسية والإجهاد عليهن، بالأشغال الشاقة وباستعمال مواد كيماوية خطيرة بدون مراعاة أبسط شروط السلامة، والأمثلة كثيرة تتناقلها كل وسائل الإعلام الوطنية(…).

ومن أنماط العبودية المعاصرة أيضا، ظروف الاشتغال التي يفرضها أغلب أرباب المقاهي والمحلات وبعض المؤسسات الفندقية على الطبقة العاملة، أو ما يصطلح عليها “ازدواجية المهام”، وهي المهام الموكولة إلى العاملة في بيت “سيدها (مصطلح يفرض عليهن)”، من أشغال البيت من تنظيف وتطهير وإعداد الوجبات(…)، بالإضافة إلى اصطحابها إلى محل عمله بالمقهى والمطعم، للتنظيف وغسل الأواني، بساعات عمل تتجاوز الثانية عشر ليلا وبثمن لا يرقى حتى للحد الأدنى للأجور، بدون تعويضات ولا هم يحزنون، بالإضافة إلى التحرش الجنسي وما إلى ذلك(…)، في غياب تام للمراقبة من طرف أهل الاختصاص والمرتبة سلالمهم في وزارة التشغيل، بالإضافة إلى غياب الرقابة بخصوص الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

   ظروف الاشتغال غير اللائقة والتي تخرج عن اتفاق الجمهور، ومنها مضامين الاتفاقيات الدولية، والقوانين التنظيمية الموقع عليها، تعتبر استغلالا وفي حد ذاتها نمط من أنماط العبودية المعاصرة، وقد تأسف عموم الجمهور، عن القرار الذي خرج به تصويت مجلس النواب الذي يقضي باستمرار تشغيل الأطفال الذين بلغت أعمارهم 16 سنة، خصوصا وأن القانون المغربي والجنائي منه يحدد سن الرشد ببلوغ 18 سنة ميلادية كاملة.

   هذا وبالإضافة إلى تحمل أنواع السب والشتم من أجل الحفاظ على لقمة العيش خصوصا والظروف الاقتصادية الحالية، التي تدفع بالبعض إلى تحمل ظروف الاشتغال القاسية والتي تعيشها غالبية الشغيلة خصوصا في المجال الفلاحي ومجال الأمن الخاص، وساعات العمل الطويلة بدون أكل وشرب، وحتى اللوازم التي تقيهم الحر والقر، وغياب الرقابة التي سبق وأشرنا إليها والتصريحات بالصناديق المذكورة في غياب مشاريع قوانين تصب في تأطير هذه المهن وغيرها والتي تعود بدولة الحق والقانون إلى “عصر الجاهلية”.

   إن العبودية المعاصرة ظاهرة، تضاف إلى الظواهر التي تجعل من حقوق الإنسان بالوطن، إيقاعات على وتر غير موزون، وضحك على الذقون، وكما يقال “الحكومات وجدت لخدمة مصالح الأغنياء”، لا خدمة الوطن الذين قال عنه أحمد مطر في إحدى روائعه:

نحن الوطن

من بعدنا تبقى الدواب والدمن

نحن الوطن

إن لم يكن بنا كريما آمنا

ولم يكن محترما

ولم يكن حرا

فلا عشنا ولا عاش الوطن

عبد السلام أقصو
error: Content is protected !!