في الأكشاك هذا الأسبوع

“الخيانة السياسية”

بقلم: محمد بركوش

   بعض الناخبين الكبار (كما يسمونهم من باب التملاغ) أفسدوا فرحتنا بلا شك، أوقفوا الرقصة الجميلة التي كنا نحلم بالتمايل على إيقاعاتها داخل فضاءات هيأتها السلطات وأحاطتها بأسوار من الإسمنت القانوني حتى لا ينفث إليها الفساد ويدخلها العبث، قضوا على كل الآمال بعد أن بدأت تنتفض، إن صح التعبير، بفضل إرادة الجميع وتوجيهات الملك محمد السادس، صنعوا فرجة من نوع آخر سالت فيها دماء الديمقراطية على كل الجنبات، وتحركت معها معاول لهدم الصرح الذي سعى كل المغاربة (وفي المقدمة الأحزاب الآلية الأساسية للديمقراطية)، إلى بنائه بكل ما أوتوا من قوة وبأس شديدين، بلبنات من الوطنية والمصداقية والتنافس الشريف واحترام ميكانيزمات العمل السياسي النظيف الذي لا يندرج في إطاره ولا يدخل التحالف الهجين، وليس بالتلاعب في المفاهيم وإضافة مصطلحات إلى القاموس كما فعل أحدهم في برنامج تلفزيوني، حيث اعتبر تصويت المنتخب حقا شخصيا لا يمكن التحكم فيه لأن الحزب ليس ثكنة عسكرية، وليس طبعا يا سيدي مدرسة لتخريج المشاغبين سياسيا وغير المنضبطين.

   لا أحد بإمكانه ولا في مقدوره مهما كانت درجة وعيه السياسي بالخصوص استيعاب ما حصل في ليلة كنا نود أن تكون مباركة (كليلة عيد).. منتخب في المعارضة يصوت في المجالس الجماعية لمرشح أغلبي، وفي الغد ينقل صوته إلى المعارضة في انتخابات الجهة، وزعيم حزب كما قال مبارك مرابط بصوت “على مرشح أخذ مكانه على رأس مدينة فاس ينتسب إلى حزب مرسوم باللون الأسود داخل إطار الأعداء”، لا يمكن ذلك إلا إذا ربطنا مع وقع “بالانحطاط الكبير للسياسة، وبالأمية الخاصة التي تحول الكائن المغربي إلى ما يشبه تلك الكراكيز (وهذا كلام المرابط) التي نرى الخيوط التي تحركها، ولكن لا نلمح أبدا تلك الأيادي التي تتحكم في تلك الخيوط، إنها تلك الأمية التي تعتبر الالتزام السياسي أمام الناخبين مجرد قناع يمكن نزعه بسهولة وتغييره بقناع آخر، انصياعا لتلكم اليد الغامضة التي تتحكم في الخيوط كلها” (أخبار اليوم، عدد: 1782).

   لقد اتضح للمتتبع والمهتم تصدع كل التحالفات التي أقيمت سواء بين المعارضة أو بين الأغلبية، وتحققت نبوءة الكثيرين من المحللين الذين لمسوا منذ البداية هشاشتها، وعدم قدرتها على استثمار القوة المطلوبة من التحالف للتفاوض في ما بينها أو مع أحزاب أخرى لصناعة نتيجة أفضل من النتائج المعلنة، رغم محاولة البعض من “السياسيين” المتمرسين إيجاد التبريرات، وإرجاع الفشل الحاصل والتمرد الفاضح إلى “الخيانة السياسية” التي تردد صداها في اجتماعات كل الأحزاب، وواجه بها الزعماء بعضهم البعض، دون القدرة أو التجرؤ على إطالة السياسة للإشارة إلى مصادرها أو المفتين بها، وإن كان حزب العدالة والتنمية قد فتح باب المحاسبة ومحاكمة المتمردين وغير المنضبطين لقرارات المؤسسة الحزبية على الأقل في ما يروج على لسان “الأخوة”، وأقول على الأقل لأن بعض المهتمين يقولون بأن الحزب نفسه له يد فيها وصلت إليه التحالفات والنتائج المترتبة عنها، بسبب عدم الرغبة في الهيمنة أي التخفيف من حضوره حتى لا يزكي أطروحة الاكتساح (كما قال بلال التليدي)، وتتحرك من جديد ماكينة قص الأجنحة خصوصا أن إشاعة دبرها أناس يساندون الحزب الحاكم من وراء حجاب مفادها “تقوية حظوظ هذا الأخير بترؤسه لنسبة 60 بالمائة من المدن التي يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة في انتخابات مجلس النواب، وهي إشاعة غير قابلة للتداول لأسباب عديدة منها الاختلاف بين العملتين الانتخابيتين، والانتكاسة التي سيعاني منها الحزب بعد تمرده على القيم وإخلاله بالعهود، واختفاء كباره وراء كلام كبير ولكنه مبهم، كالقول بأن “التحكم مازال خصما عنيدا لكن الإصلاح يحاصره، بعد أن أخذ يتوسع ويسير بخطوات التعميم”. 

   إن الانتخابات التي هي “أرقى أسلوب ديمقراطي توصلت إليه البشرية عبر التاريخ” ليست “سوى محطة للنقاش السياسي وطرح البرامج والتصورات المستقبلية وصنع تحالفات سياسية لا تربك المشهد السياسي”، تستند (كما قال أستاذنا امحمد المالكي) على “مصفوفة من المتطلبات” ذات الخلفية السياسية والثقافية، وأبرزها تكون محكومة بقدر معقول من المنطق والأخلاق، صحيح يقول المالكي إن المصلحة في نهاية المطاف هي الفيصل الناظم والمتحكم في أي تحالف، بيد أنها لا ينظر إليها في بعدها المادي والمنفعي فحسب، بل يدخل في تقديرها الجانب القيمي والأخلاقي  أيضا، وليس فبركة تحالفات تسير على رأسها كما يقال “يستعصى أو يصعب اصطفافها على الفهم وعلى التصنيف” “حزب حصل على أكبر عدد من المقاعد في مجالس الجهة ولم يحصل إلا على رئاسة جهتين”، لأن مدبريها يسخرون بكل ما في الكلمة من معنى من أصوات الكتلة الناخبة، ويضحكون على المواطنين والمواطنات الذين عارضوا في كثير من المدن والجهات ما فعله الكبار، ومارسوا كل أنواع الاحتجاج بما في ذلك محاصرة بيوت المرشحين ورشقهم بالحجارة واحتقارهم بشكل فيه الكثير من رائحة السخرية الانتقامية، كما سماها أحدهم.. قلت لا تحالفات أكثر من هجينة ومقززة أدت إلى إفراغ الانتخابات من “محتواها الحقيقي، وبات ينظر إلى العملية ككل كمسرحية عبثية لا تستحق عناء المشاهدة وبالأحرى المشاركة”، وأصبح المغرب معها البلد الوحيد الذي تتعارض فيه نتائج صناديق الاقتراع مع الهدف من إحداثها، بحيث تخرج تلك النتائج المفسدين من الباب بركلة واحدة من الخلف، ولكنهم يعودون من النافذة بطريقة جهنمية، فيها الكثير ممن التحالف، و”التحايل” وتوجيه المترشحين وأحيانا التمرد على قرارات الحزب أو الأحزاب التي قيل بأنها تقتل السياسة باعتبارها إحدى آلياتها القوية، وهذا بالطبع يقتضي “مراجعة الفعل السياسي (كما جاء في الاتحاد الاشتراكي، عدد: 11114) الذي ظل تقليديا لا يختلف عما عرفه المغرب من عقود سابقة رغم كل ما عرفه العالم من تحولات، إذ ليس هناك أي مشروع جدي للبناء الديمقراطي” الذي يوصل إلى محطة “تندمج فيها النخب الإدارية بالنخب التمثيلية، وبالتالي بناء الأسس المؤسساتية والثقافية التي توطد مقومات ارتقاء جهوية 2015 إلى المستوى المطلوب، ليجعل منها في آخر المطاف آلية ناجعة في مجال سياسة إعداد التراب الوطني”، كما قال الحسن بوخرطة.

error: Content is protected !!