في الأكشاك هذا الأسبوع
مدينة سلا

صفحات من تاريخ مدينة سلا “1830-1930”

 

 

   حظيت مدينة سلا منذ القدم باهتمام المؤرخين والأنتروبولوجيين والباحثين الاجتماعيين، الذين جعلوا منها موضوعا لدراساتهم وأبحاثهم وأطروحاتهم الجامعية سواء داخل المغرب أو خارجه، بالنظر لما تحظى به هذه المدينة العريقة الضاربة في القدم من خصوصيات مميزة أهلتها لجلب اهتمام دول أجنبية كانت تخاف على أساطيلها التجارية، بعد أن طبقت شهرة ساكنتها عبر العصور الآفاق من الغرب إلى أقصى الشرق.

   ويعتبر كتاب “أهل سلا” الذي ألفه الكاتب الأمريكي “كينيت براون” من بين المؤلفات الهامة لأحد الباحثين المعاصرين الذي أعجب بهذه المدينة أيما إعجاب، بعد أن سمع عنها وهو طالب، إلى أن استقر بها لمدة عامين إثنين من سنة 1965 إلى سنة 1967، حيث عاشر أهلها الأصليين وسبر غور تاريخها عبر احتكاكه بساكنتها على مختلف مستوياتها الاجتماعية والثقافية، متجاوزا حدود أسوارها العتيقة ومنقبا بين مؤلفات من سبقوه من المؤرخين الذين أولوا الاهتمام البالغ لعاداتها وتقاليدها الموروثة أبا عن جد، في ظل ما عرف عن السلاويين من تشبث بالقيم الروحية وارتباطاتهم القديمة بين الأسر والعوائل داخل أحيائها المتعددة وأزقتها الملتوية.

   وهكذا استطاع هذا الكاتب الأمريكي أن يستخرج من صدور شيوخ المدينة ورموزها الثقافية والسياسية معلومات هامة أفادته لوضع منهاج واضح للتعريف بهذه المدينة، وإن كان قد اختار لهذا الكتاب فترة حرجة من تاريخها المعاصر تمتد من سنة 1830 إلى سنة 1930، مع ما تمثله هذه الفترة العصيبة في تاريخ المغرب من إرهاصات سياسية تركت بصماتها واضحة جلية على كل أرجاء البلاد بصفة عامة، وعلى واقع مدينة سلا بصفة خاصة.

   من خلال الأبواب والفصول التي يضمها الكتاب القيم الذي استغرق من الكاتب عشر سنوات أخرى بين المكتبات الوطنية في كل من باريس، ولوس أنجلوس، وشيكاغو، ومانشيستر، بعد أن غرف من ينابيع الخزانة الصبيحية ومخطوطاتها الثمينة، وبعد أن أخذ من أفواه محمد الغربي والعربي بن سعيد ومؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، وخزانة القصر الملكي والمكتبة الوطنية، ما أغنى هذه الفصول والأبواب غنى شاملا، بعد أن حصل على دعم من عدد من المؤسسات العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى.

   إن ما تتضمنه فصول هذا المؤلف الرفيع المستوى ليعتبر بحق وصفا دقيقا للحياة الاجتماعية في هذه المدينة خلال تلك الفترة الدقيقة من تاريخنا المعاصر، بل إن الأوصاف التي نقلها بقلمه في تلك الحقبة يمكن أن تحملها إلى اليوم وتضعها على بعض ما بقي من عادات تليدة وتقاليد راسخة في الأذهان.

ألم يأخذ الكاتب هذا المثل العربي الذي معناه واضح للعيان: “الناس بأزمانهم أشبه منهم بأسلافهم” «Les hommes ressemblent plus à leurs temps qu’à leurs aïeux»

فعلق عليها الباحث “مارك بلوش” بقوله: «Pour avoir oublié cette sagesse orientale, l’études du passé s’est parfois discréditée »

بمعنى: عندما تجاهلنا هذه الحكمة الشرقية، أضحت كل دراسة للماضي غير واقعية أو بدون مصداقية.

   لا أدعي أنني أحطت بكل محتويات هذا الكتاب القيم الذي قامت بمراجعته الأستاذة زكية داوود وحرر مقدمته الأستاذ محمد الناصري، بعد أن قام بترجمته من الإنجليزية إلى الفرنسية “Fernand PODEVIN” أحد أساتذة اللغة الإنجليزية بالثانوية الفرنسية بمراكش، وأمكن طبعه بدعم من قسم التعاون الثقافي بسفارة فرنسا بالمغرب.

   لذا يمكن للباحثين الشباب في كليات الأداب والعلوم الإنسانية أن ينكبوا على هذه الدراسة المتميزة عن تاريخ إحدى حواضر المغرب، وأن يسهروا على ترجمته إلى اللغة العربية حتى يتمكن دارسو لغة الضاد في المغرب والمشرق من التعرف على صفحات مشرقة من تاريخ هذه المدينة المجاهدة.

عبد الرحمن الكرومبي

error: Content is protected !!