في الأكشاك هذا الأسبوع

رحلة الصيف مع كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”

    قبل أن يتولى إلى الظل ليستريح من وعثاء سفر الكتابة، ومن البحث المضنى عن “الحقيقة الضائعة” لقنصها وتجليتها وتوعية الناس بها، وقبل أن يترك قراعه يكابدون الشوق في ترقب الفجر الوليد صبيحة كل خميس، قبل هذا كله أتحفهم بكتاب هو المؤنس في الوحدة، والرفيق في الرحلة، والسمير في الدجنة، والكاشف عن الأسرار، والمحيط بالأخبار، والمنبئ عن التفاصيل الدقيقة التي تكون حكرا على الخاص دون العام. وفي اعتقادي أنه كتاب الموسم ضمن ما أثمرته المطابع المغربية في حقول المعارف والعلوم والفنون، ذلك أن قطب رحاه يدور حول شخصية استثنائية بكل المقاييس، شخصية ملك ملأ الدنيا وشغل الناس، إنه الحسن الثاني، القائد الفذ، والربان الماهر الذي قاد سفينة المغرب غب الاستقلال والموج عات والماء طاع والريح هوجاء، والمؤامرات تحاك من أطراف شتى ضمنها الأحزاب الوطنية، وكلها باءت بالفشل الذريع، ولو نجحت لا قدر الله لكنا اليوم في حرب أهلية يستحيل إنهاؤها لطبيعة تركيبة ساكنة المغرب، التي لا يجمعها إلا الالتفاف حول العرش.

   تظافرت عوامل شتى ذاتية وموضوعية لتجعل من الأستاذ مصطفى العلوي شاهد عصر ومؤرخ مرحلة حاسمة في تاريخ المغرب المعاصر، بل في تاريخ الدولة العلوية التي يعتبر الحسن الثاني مجدد عهدها، وضامن استمرارها.

   وكتاب الأستاذ مصطفى، بما تضمنه من وقائع وأحداث وأشخاص وأسرار، يؤكد دور الحسن الثاني في الحفاظ على استمرارية حكم الشرفاء على المغرب، وكتابة الأستاذ العلوي لا تنطلق من رواية عن الغير أو عودة إلى الوثائق والمستندات فقط، بل هي كتابة من عاش الأحداث ورافق صناع القرار، واكتوى بنار زبانية المخابرات، وعداوة بعض رجال المحيط الملكي، وكيد الأحزاب وتعرض للاعتقال والتعذيب، ومصادرة جرائده حيث يقول في الصفحة 167 من كتابه: “لا أكتفي في شأن هذا الملك، بارتباطاتي معه كمواطن بملك البلاد، ولكن علاقتي معه كانت مشحونة بالأحداث منذ كان وليا للعهد إلى أن توفاه الله، تتبعته وحسبت خطواته لمدة أربعين عاما، عشت فيها الهزات الصحفية التي عرفها المغرب بقوة الحياد الذي اخترته”.

   وهو حين يدافع في محكمة التاريخ عن مظلومية الحسن الثاني لا يتقاضى عن أتعابه نقيرا ولا قطميرا يقول في صفحة 188: “لست مدينا له بأي شيء، ولم يثبت يوما، لا مباشرة، ولا عن طريق أي وسيط، أن حصلت من الحسن الثاني على أية صلة مادية، وليست لدي رخصة نقل، ولا توسطت من شأن أية صفقة، ولا استفدت من أية كريمة”، إنما كان دفاعه نوعا من كرم الطباع، ونبل المشاعر، وشهامة الفرسان.

   كتاب الأستاذ مصطفى العلوي خلا من الحشور والفضول، كل ما فيه مفيد ممتع جميل جليل، إن طال لم يملل وأن أوجز ود القارئ أنه لم يوجز، ومن تم لا يمكن تلخيصه، بل على القارئ أن يمتع نفسه بقراءته، وأنا ضامن من له أن يعود وملء وفاضه أخبار وأسرار عن هذه المرحلة الهامة من تاريخ الوطن. وفي الختام نقول للأستاذ مصطفى العلوي ما ورد في أغنية مغربية جميلة: “ما منك جوج أنت واحد”.

محمد إكرام السباعي

error: Content is protected !!