في الأكشاك هذا الأسبوع

المغاربة ليسوا أكباشا.. المحايدون .. محرومون

بقلم: مصطفى العلوي

 

   هذا الموضوع حول الهيمنة الحزبية على الأوضاع السياسية، على حساب الملايين من الذين لا علاقة لهم أو لا ثقة في الأحزاب، يحلل وضعية كانت غير منصفة في حق هذه الشريحة.. وقد كتب سنة 1993، بينما لازال الوضع كما هو في سنة 2015. المغرب لم يتقدم إذن في مجال الديمقراطية الحقة، لأن الأحزاب تريد الهيمنة وحدها.

   من بين التعبيرات اللاصقة كالتنبر، المدموغة على وثيقة شهادة ميلاد الديمقراطية في بلادنا.. دمغة نبيلة وضعها جلالة الملك الحسن الثاني على جبين التاريخ المغربي، فقالها عبارة، لابد أن يحفظها كل مغربي، ويرددها في ليله ونهاره، ويرمي بها – بكل شجاعة – في وجه كل من يريد الاستهانة بأي مغربي، فيغشه، أو يظلمه.. أو يطرده.. أو ينكل به، أو يعتقله ظلما.. أو يستفزه.. أو يحتقره.. في خطاب له يوم 19 نونبر 1972، قال جلالة الملك عبارته المشهودة: “المغاربة ليسوا أكباشا.. والله لو علموا أن شخصا أو هيأة(…) تسيطر عليهم، والله (وانظروا القسم) والله لأخذوا أسلحتهم.. ولاعتكفوا في المساجد، ولفروا إلى الجبال”.. لعل المغاربة نسوا هذا الخطاب.. ولقد نساه أكثر من المغاربة، أولئك الذين بقوا يتعاملون معهم كتعاملهم مع الكباش، ومع تجمعاتهم، كتعاملهم مع قطيع الغنم..

   ومن المثير أكثر للاستغراب، أن الطبقة المتحركة(…) الحاكمة والمنظمة، رجال سلطة وهيآت.. لم يضعوا أبدا في حسابهم وفي ممارساتهم.. هذا التحذير، وهذا التنبيه.. وإنما اتفق المسؤولون عن تسيير شؤون الدولة، والمتخصصون في شؤون الأحزاب، على اقتسام الكعكة بين الحاضرين “واللي غاب.. غاب حقه”، بينما الغائبون – بديهيا – هم الأغلبية.. والأغلبية لحسن حظهم جميعا، صامتة..

ولكل صامت مندمج في حزب نشيده الوطني، ترديد لبيت شعري، للشاعر القاضي، المرحوم حماد العراقي، حين قال:

فاصمت فقد تأتي الظر          وف بما يتوق له الحكيم

   شاعر مرحوم آخر هو التونسي أبو القاسم الشابي أضاف لأنشودة المرحوم العراقي، شطرا أكثر حدة.. حين قال: ولابد للليل أن ينجلي..

ويظهر.. أن دياجير الليل بدأت تنجلي.. وأن صمت الصامتين، أتت ظروفه بما يتوق له الحكيم..

واتضح أن المصداقية لا تحصل إلا بمراعاة رأي هذه الأغلبية، ودعوتها للتعبير عن رأيها.

   فإلى متى وشباب محامون، وخريجون، وأساتذة، ومحنكون مربوطو الأفواه، منبوذون من طرف الأحزاب.. بينما قنوات الحظ والتوظيف والترقيات وغرابيل الاختيار، محبسة على طبقة معينة من النخبة التي تفرزها الهيئات السياسية، والتي يرضى عنها زعماؤها ليرشحوها في المفاوضات السرية وليبقى الباب مسدودا، في وجه كل من ليس له صلة أو قرابة أو مصاهرة.. أو شراكة..

وإلى متى ولوائح الترشيح للمناصب أو للبرلمان موقوفة في الأمانات العامة للأحزاب، على من هو أهل لثقة الأمين العام..

   تساؤلات أفرزت غضبا، ورفضا حتى في صفوف تلك الأحزاب نفسها، وما نعيشه هذه الأيام، من انتصارات حققتها الدولة(…) وأزمات خانقة نطت على حواجزها، إلا نتيجة انصهار صلابة التضامن الحزبي، أمام حرارة التذمر والغضب.. وما خفي كان أعظم..

   وبصيغة أخرى فإننا نرى، بالعين المجردة، أن عجز الأحزاب القديمة والجديدة، وحتى التي حاولت أن تكون مجددة، أفقد الثقة المطلقة في اختيارات الأحزاب، أو الاعتماد عليها وحدها.. بعدما حكم على تجارب الأحزاب المولودة بملعقة ذهب في فمها، بالفشل الذريع.

   وعادت الأيادي الرهيفة تبحث في أكياس الكيان المغربي، عن دور قد يلعبه المحايدون، أولئك الذين كانوا مهمشين.. وإن كانت الخشية، من أن يكون الأمر، لا يتعلق إلا بالاكتفاء من “المحايدين” بالتسمية.. وبوس الكتاب في جلدته.. دون التعمق فيما يزخر به..

   فقد عادت ظاهرة “المحايدين” لتطفو على وجه الواقع السياسي المغربي، الممتقع المحيا، بعلامات تكشف عما في جوفه من أمراض.. وما يختفي خلف ابتسامات ذلك الوجه، من هموم وأحزان.

   والذين تتبعوا “مسلسل” الانتخابات عبر “التجارب” الأخيرة.. يذكرون – والذكرى تنفع المؤمنين – أن المحايدين (الذين لا حزب لهم) حرموا من المشاركة في البرلمانات السابقة، – رغم وضوح نصوص الدستور الذي يجعل المغاربة سواسية ولم يسمح للمواطن أن يترشح إلا إذا أدلى بترخيص – ضمانة – من طرف حزب معترف به – علما أن كثيرا من الأحزاب حاولت الظهور، فلم يعترف بها أحد -.

وهو – بكل وضوح – نموذج صارخ من نماذج الظلم.. واعتبار المواطنين، اعتبارات بعيدة عن المنطق..

وها هو البرلمان، الحر، المبني على أسس الدستور الحر، “الممنوح” بمقتضى التصويت الشعبي الحر.. الحاصل على تصويت 99 في المائة.. والمعدل بنسبة 99 في المائة.. ولكن مؤسسته الأصلية، التي هي البرلمان، موقوفة الدخول إليها، على ترخيص من عشرة أفراد.. هم رؤساء الأحزاب السياسية، ثلاثون مليون مغربي – إذن – معلق تمثيلهم البرلماني ومرتبطة ممارساتهم الديمقراطية، ومشروطة حقوقهم النيابية بعشرة أفراد.. ومن لم يحصل على تزكية أحدهم.. فملف ترشيحه مرفوض.

   كان هذا هو الواقع الذي خلخل الحياة السياسية منذ سنة السبعة والسبعين.. وكذلك كانوا يفعلون.. على أن بلغ بهم الأمر، حد بيع التزكيات التي وصل ثمن واحدة منها إلى مائتي مليون.

فماذا جرى في هذه المرة..؟ وما كل مرة تسلم الجرة!!

   جرى أنه في إطار السرية المطلقة، وبعيدا عن لجنة مراقبة الانتخابات، وهي اللجنة التي لو اطلع مطلع، حسن الاطلاع، على ظروفها، لاكتشف أنها حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة.. وفصل من فصول “كليلة ودمنة”.. وتركيبتها إعادة لتركيبة مجالس “علي بابا.. والأربعون..”، في غيبة هذه الجمعية إذن – وهي المجلس الإداري لزعماء الأحزاب السياسية – والذي يسمونه لجنة مراقبة الانتخابات.. وتشهد جميع محاضر اجتماعاته، أنه كان مجلسا لمراقبة عملية اقتسام غنيمة التفرد بالعمل السياسي، ومنع شيكات الدعم الحكومي، الذي يصرف من عنق الشعب، حتى لا تسقط إلا في أيدي المجموعة إياها.. ولم يحصل أن وقف أي واحد منهم ليقول لأعضاء اللجنة، بأنهم جميعا لا يمثلون إلا القليل.. وأن تناقضهم وارد من خلال تحاربهم، حيث الأغلبية هي الأقلية بشهادة طرف منهم، والأقلية هي الأغلبية بشهادة الطرف الثاني.. في غياب شهادة الشاهد الحقيقي الذي هو الشعب.. والذي يصنفونه في دور الفكاهي المصري عادل إمام.. حيث الشاهد ما شافش حاجة.. لكن.. عشنا وشفنا..

   هناك المرشح الذي يقدم ملفه، ويجب أن يبين انتماءه السياسي، هل هو اتحادي أو استقلالي، أو حركي، أو حر وهو لا يحتاج إلى تزكية.. واضح من العبارة..

وهناك “المرشح الذي يتقدم باسم هيأة سياسية”(…) يتعين عليه أن يقدم تزكية من الهيأة التي يدعي الانتماء إليها.

سيقول القارئ بأن هذا أمر محسوم فيه.. وانتهت اليوم أهميته.. بانتهاء أجل الترشيح.

ولكن المحايدين الذين توجهوا للترشيح بمقتضى رسالة الوزير، منعوا.. ثم بعد ذلك رخصوا.. وبشروط.

لكن إشكالية المحايدين، تبقى مطروحة.. مثيرة للكثير من الحساسيات والتعاليق.

ذلك أن شساعة رقعة المحايدين، تترك الاحتمالات كثيرة.. وكل احتمال له مصداقيته.

فها هي نخبة من الكبار، سارعت للتقدم إلى الانتخابات وُلوجاً من باب الحياد.

بينما الوزير المحايد مثلا، طينة من البشر، لا تشابه لها ولا تكامل مع طينة المواطن المحايد.

الطالب، أو المهندس، أو الحداد، أو النجار، الذي لم يقتنع باختيارات حزب معين، أو لم يستطع الحزب المعين، أن يفتح بينه وبين ذلك المواطن قنوات الاتصال أو لم يستطع (شراء التزكية).. الوزير إذن، هو الذي تم نصحه بالترشيح، أو أوحى إليه بالترشيح، ليلعب دورا في تسيير الحكومة المقبلة.. عن طريق مشاركته – رغم حياده – في أغلبية مقبلة.. أو حصوله على تأييد أغلبية مقبلة.. ليس هو المرشح العادي المحايد.. الذي رمته على ضفة الحياد، عوامل عدة.. لا يتسع هذا المجال لشرحها.

وما بين الوزير المحايد.. والعاطل المحايد، عالم من البشر الجديد الذي تتلاطمه أمواج الحيرة في بحر “الأغلبية الصامتة”، بحر لا شاطئ له.. هائج الأمواج عاتي العواصف.. تتهدد المواطنين السابحين في أخطاره حيتان ضخمة جشعة البطون.. سلطوية الأسنان، ينظرون بعيون هلعة، وأيد ممدودة إلى هؤلاء المتحزبين المستريحين في المراكب، المتصورين في عدسات التلفزيون، الغافلين في نشوة الحضور، عن أخطار الأمواج، وما تأتي به العواصف، فهم أصحاب المراكب الحزبية (المرخص لها) أو (المعترف بها) أو (المسموح لها).. مشغولون بما يدور حولهم على ظهر المركب الجانح.. لاهون عن أولئك الذين تتقاذفهم الأمواج.. والذين هم بحكم ضيق المراكب الحزبية (أغلبية) وهم بحكم أخطار البحر وتهديدات الغرق، (صامتون) لأن كل من يفتح فمه بالصياح، يعرض ما تبقى من حظوظ حياته للموت.

فكيف يكون صادقا.. من هو جالس في المركب “الآمن مؤقتا” أن يحكم على أولئك المنكوبين في بحر “الأغلبية الصامتة” بأنهم حزب سري.. وهم الذين يبحثون عن أية خشبة يتعلقون بها.

وكيف يكونوا صادقين.. أولئك الكبار من الشخصيات التي اختارت النزول من “يخت الحكم” إلى “أمواج الحياد” للعبور إلى “شاطئ النفوذ”.

error: Content is protected !!