في الأكشاك هذا الأسبوع

العدالة والتنمية ليس ظاهرة انتخابية

 

بقلم: محمد بركوش

   الكثيرون اليوم يمجدون فوز حزب العدالة والتنمية، وانتصاره في “أم المعارك” وكأنها في حرب صليبية، ينتقون النعوت والأوصاف، ويقولون في واضحة النهار بأن “تسونامي” الحزب ضرب بقوة واكتسح معاقل أحزاب قوية وعتيدة خاصة مدينة فاس العريقة ذات الإشعاع الديني والعلمي، والتي “أصيب رئيس مجلسها بطلقة واحدة من عيار وزير، رغم أنها رصاصة مستعملة”، بعد أن وضعوا لها تاريخا جديدا انطلاقا من يوم “تحريرها على يد إدريس الأزمي” الذي حرر “صندوق المقاصة والمواد المدعمة” بأمر من جهات قابضة بناصية الدول المتخلفة، ولم يخجلوا وهم يقارنون بين الأخيرالذي يعاني من شعور ما وقلة في إتقان المواجهة، وبين مولاي إدريس الأكبر الذي حمل رسالة السلام والإسلام إلى المغرب، ودخله آمنا مطمئنا بعد أن أَوَاهُ المغاربة وأقاموا له سدة تليق بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخلعون رداء الخرافة على الرئيس الذي اعتبر في نظرهم “ظاهرة سياسية” تشبه كما قال أحد المراكشيين الظاهرة الانتخابية التي كانت تصول وتجول في مراكش إلى أن أتاها أمر الله فاختفت من الميدان، وإن كان الناس يذكرون فضائلها على الفقراء والمحتاجين والأرامل والضعاف، وهي خصال المؤمن بالرسالة المجتمعية، وليس بالرسالة الحزبية.

   حزب العدالة والتنمية طبعا أحرز على نسبة من الأصوات ليس بقدرته على اختراق المدن الكبرى واستمالة الطبقة الوسطى كما يتردد، وهي نسبة لا تدعو إلى الابتهاج والرقص على إيقاع مغشوش، ولا تدفع إلى ركوب رياح الغرور وادعاء الكمال، وبالأخص إذا ما استحضرنا الكثير من المعطيات والسياقات والأجواء التي مرت فيها العملية الانتخابية والثغرات السياسية إن صح التعبير، التي استغلت بتواضع وليس احترافية، منها “وجود عدة منشطات وتوابل غير ديمقراطية كما قال الكراوي (جريدة الأخبار، العدد 866)؛ أولها انخراط رئيس الحكومة في الدعاية الانتخابية واستغلاله لمنصبه ورمزية مركزه في استمالة الأصوات” وأيضا الإنزال القوي لشبيبة وأعضاء الحزب الذين جابوا “الصخرة بالوادي” في حملة “منظمة” لتسجيل المواطنين ومرافقتهم إلى الأماكن المعدة لذلك، والاشتغال على الدعوة والدين أحيانا، والتستر وراء بعض شيوخ السلفية الذين قدموا دعما للحزب بالدعاية له والتصويت عليه في مراحل حساسة من الحملة، على النقيض من الشيخ المراكشي الذي أبى إلا أن يساند الأحزاب الأخرى على أمل أن يحصل منها “عند الفوز” على وعد بفتح كتاتيبه، وهذه كلها أشياء ساهمت بدون شك في استقطاب المئات من الأعضاء الجدد للانخراط في حزب يقود الحكومة، يسهل معه الاستفادة بالتقرب إليه والحصول على تمويل بعض المشاريع “العشوائية طبعا” التي يتحول أصحابها في وقت الحاجة إلى أبواق لا تمل ولا تكل من الدعاية وقول كل شيء فيه راحة للعدالة والتنمية، هذا الأخير الذي استفاد أيضا من فراغ الساحة بعد أن انهارت أحزاب كبيرة وظهر “الوهن” على بعضها نتيجة الوضع التنظيمي الذي تعيشه تلك الأحزاب، والتمزق الذي اعتراها نتيجة الصراعات الداخلية، وغياب الديمقراطية بها، وفناء زعاماتها القوية التي كانت تعرف كيف تحافظ على الاستمرارية والتفاعل مع القواعد والاحتكام إلى الشورى والدفاع عن المبادئ والقيم السامية، تلك الساحة التي أثثتها جمعيات “لا تنتسب إطلاقا إلى المجتمع المدني” تم تفريخها وبأعداد هائلة (ربما الحاجة ماسة إلى مراجعتها) في عهد الرجل الذي تتمثل فيه شخصيتان دون القدرة على الفصل بينهما، وتخلت تلك الأحزاب (القوية بشعبيتها) عن الريادة والالتصاق بالجماهير، بعد أن أخذ منها بن كيران الدرسوأصبح “آلة انتخابية” مثله مثل باقي الآلات الأخرى التي تتصارع على المقاعد والوصول إلى السلطة لخدمة مصالح ضيقة تنحصر في مصالح الأهل والمقربين والمنتمين وأبناء الصقور والنقابيين، والتوسط لأبنائهم لمتابعة دراستهم “على برا” وتخصيص منح مهمة بطرق تبقى مجهولة لدى أبناء الشعب المجردين من التوصية الحزبية.

   إن المفارقة العجيبة كما ورد في إحدى المقالات الرائعة هي “أنالذي قام بالحملة ليسوا هم مرشحو العدالة والتنمية، بل الذي قام بها هو رئيس الحكومة الذي ترك منصبه الدستوري شاغرا لمدة أسبوعين، وطاف على المدن بالطائرات والسيارات الفارهة، يوزع الاتهامات ويلهي الناس ويعبؤهم عن طريق الدعوة والزوايا وبعض الشيوخ ويفرق المغاربة بين مؤمنين يتبعون المعقول وأشرار فاسدين وتماسيح”، وأيضا صراصير بعد أن اختار لحزبه أن يكون نملة تتقن الحديث مع سليمان نبي الله، وسطر على الخطوط الحمراء التي يمنع التفاوض بشأنها (حزب العدالة والتنمية)، وحين “ظهرت النتيجة تراجع عن كل المواقف، كما تراجع عندما عين رئيسا للحكومة وتخلى عن العديد من الصلاحيات المخولة له دستوريا (بدعوى عدم الرغبة في الاصطدام)، ولجأ إلى من “تبرأ منهم في المنصات الخطابية واتهمهم بالتحكم والاستقواء بالمخزن العميق، وأصبح يقول وبصوت عال وأمام حشود من الأنصار والمؤيدين والطامعين في الفتات:”أنا ما عندي مشكل مع الاستقلال والأصالة المعاصرة راهم بحالنا مغاربة”.

   إن حزب العدالة والتنمية ليس ظاهرة انتخابية بالقطع، وبن كيران (مع اعتذاري للرجل، ليس موهبة خطابية كما وصفه أحدهم، الظاهرة هي الشابة سعاد الزايدي التي تمكنت من الفوز بأربعة مقاعد بمقاطعة السويسي، وكذا أخوها الذي حصد 12 مقعدا من أصل 17 المكونة للمجلس الجماعي الشراط ومقعد بجهة الدار البيضاء)، إذن بن كيران زعيم فرضته ظروف معينة يدركها العثماني جيدا، استطاع أن يقود الحملة بعرض سياسي غير مغرٍ، لاكتفائه بسرد المنجزات الحكومية في معرض انتخابات مرتبطة بالجماعات وكأنه لم يستوعب الخطاب الملكي الذي ألقي بمناسبة 20 غشت الماضي، وأن يحصل على أصوات الناخبين بمساعدة أذرعه الموازية وسخط المغاربة على الأحزاب التي تنازلت عن تاريخها ومشروعيتها دون أن يتمكن من تدبير الحصيلة بعد أن وجد نفسه كما قيل، محاصرا بين الاستثمار الأمثل للنتائج وبين الحفاظ على تماسك مكونات الأغلبية التي هاجسها الأوحد هو ضمان رئاسة المجالس والجماعات والجهات. 

error: Content is protected !!