في الأكشاك هذا الأسبوع
الدكتور عبد اللطيف الفيلالي في حوار مع الصحفي رمزي صوفيا

المنبر الحر | إذا كذبت على الشعب المغربي مرة فلن يصدقك في المرة الثانية

الفيلالي يقول: قال لك الحسن الثاني إذا كذبت على الشعب المغربي مرة فلن يصدقك في المرة الثانية

بقلم. رمزي صوفيا

 

   هو رجل عصامي ومفكر كبير وسياسي كان يتميز بالصمت الحكيم والهدوء الرشيد، إنه الدكتور عبد اللطيف الفيلالي، رحمه الله، صهر العائلة الملكية في شخص ابنه الوحيد فؤاد الفيلالي والد الحفيدة الأقرب إلى قلب الراحل العظيم الحسن الثاني للا سكينة، حفظها الله.

عندما تعرفت على الدكتور عبد اللطيف الفيلالي كان وزيرا للإعلام. وكان يشيد بالصحافة اللبنانية والكويتية وبتطورهما وخطهما الحداثي الذي كان يتميز بالصور والألوان والأخبار الشيقة إضافة إلى المقالات العميقة والدراسات السياسية والعلمية. وكان يشكو أمامي باستمرار لعدم وجود مطابع مغربية بمستوى الدول الأخرى، حتى أنه أبدى ذات يوم رغبته في إصدار مجلة أسبوعية من طرف وزارة الإعلام تكون في مستوى وشكل المجلات الشرقية مقترحا علي تولي رئاسة تحريرها ومبديا استعداده لاستيراد أحدث التجهيزات المطبعية من أوربا. فأجبته شاكرا عرضه المشرف لي وأخبرته بكوني مرتبطا بجريدة “السياسة الكويتية” بعقد يمنعني من ترك عملي معها. وقلت له بأن جريدة “السياسة” مقتنعة تماما بعراقة النظام المغربي وجودة علاقات المملكة مع شقيقاتها البلدان العربية، وإنني موجود في المغرب للتزود بكل الأخبار الهامة والإيجابية عن المغرب وخاصة قضية الصحراء وأحقية المغرب فيها، بحكم سجلات التاريخ ومقتضيات البيعة الشرعية القديمة بين القبائل الصحراوية والعرش العلوي.

وكان الدكتور الفيلالي على جانب كبير من الثقافة والعلم وفق التوجه الفرنسي حيث كان يصعب عليه التحدث باللغة العربية فكان كلامه خليطا بين اللغة العربية والفرنسية. وكان يسألني باستمرار عن الصحف والمطبوعات الشرقية وعن عدد العاملين فيها وما إذا كانت وزارات الإعلام العربية تدعمها ماديا وعن مستوى حريات الصحافة في هذه البلدان. فكنت أجيبه بأن المصدر الوحيد لتمويل الجرائد والمجلات هو الإشهار، وعندما كنت أخبره عن سعر الصفحة الإشهارية الواحدة كان ينبهر من ارتفاع المبلغ مقارنة مع سعر الإشهار على صفحات الجرائد المغربية.

والذي كنت ألاحظه عليه وهو في عز منصبه كوزير أول للمغرب هو محدودية علاقاته مع الشخصيات العربية الكبيرة، حتى أنه كان لا يعرف أسماء البعض منهم. ولكنه كان فائق الذكاء وبالغ الدقة في التفكير، وكان يتابع بكل دقة كافة تطورات دول العالم وخاصة الدول العربية.

وقد روى لي ذات مرة وأنا أجالسه كيف أن حياته سارت على خلاف ما كان يخطط له، حيث كان شغوفا بمجال الهندسة وكاتبا لماحا للقصص القصيرة ولكن باللغة الفرنسية. ورغم ذلك فقد نجح في منصب وزير أول إلى أبعد الحدود.

والشيء الذي كان يثير إعجابي به كثيرا هو أناقته ورهافة حسه، حيث كان كثيرا ما يبدي ملاحظاته لوزرائه مقترحا على أحدهم تغيير لون ربطة العنق وعلى الآخر مثلا عدم ارتداء هذا الشكل أو ذاك من الملابس أو الأحذية. وكانت ملاحظاته تنم عن ذوق رفيع.

وقد ظل الفيلالي، بالنظر إلى المهام السامية التي أسندت إليه، قريبا من مصادر القرار بالقصر الملكي، لفترات تربو على أربعة عقود، تدرج خلالها في سلم المناصب الكبرى، بدءا من مدير الديوان الملكي (1959/ 1960) حيث اشتغل إلى جانب الملك الراحل محمد الخامس، إلى تمثيل بلاده سفيرا في عدد من العواصم الكبرى مثل بكين ومدريد والجزائر ولندن ودول البينيلوكس، كما شغل منصب مندوب المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة حيث أمضى هناك حوالي سنتين (من 1978 إلى 1980) نقل بعدها سفيرا في لندن لكنه لم يمكث بها هي الأخرى طويلا، فقد استدعاه الملك الراحل الحسن الثاني ليكلفه بمهمة أمانة سر أكاديمية المملكة المغربية، المؤسسة المحدثة التي أرادها الملك واجهة علمية ودبلوماسية، لذلك منح عضويتها لعدد من رجالات الفكر والسياسة الأجانب. مثل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “هنري كيسنجر”.

وكان الدكتور عبد اللطيف الفيلالي غيورا على وطنه حتى أبعد الحدود وعندما كان يتحدث عن الإسبان كان لا يخفي حنقه عليهم لاحتلالهم لمناطق كبيرة وهامة من المغرب وخاصة سبتة ومليلية. ولكنه كان لا يخفي تفاؤله قائلا لي بأن الشعب المغربي سيعرف ذات يوم كيف يستعيد أراضيه وهو الشعب الذي لم ولن يترك الاستعمار على شبر واحد من المغرب.

وكان في حديث الفيلالي دائما لمحات من الشجون على الملك المحرر المغفور له محمد الخامس الذي كان يتذكره دائما ويشيد بمواقفه العظيمة وعذابه في المنفى وكان يتأسف على رحيله في سن مبكرة.

وعندما تولى حقيبة الوزارة الأولى ورغم انتمائه لعائلة أرستقراطية فقد ركز الدكتور الفيلالي اهتمامه على تشغيل العاطلين وتقديم الخدمات للمحتاجين كما كان يصر على تعميم التعليم المجاني لكل طبقات المغاربة إيمانا منه بأن المستقبل هو للشعوب المتعلمة وأن الأمية نقطة ضعف تقضي على الحضارات

وقد تميز مساره السياسي بالهدوء الممزوج بالحكمة والإخلاص الكبير للعرش العلوي. وكنت كلما التقيته في القصر الملكي بمناسبة أعياد العرش وأعياد الشباب لا يتوقف عن الحديث أمامي عن القضية الوطنية الأولى ألا وهي قضية الصحراء المغربية، كما كان يشيد أيما إشادة بالدور الكبير الذي قام به الحسن الثاني في توحيد المغرب ودوره في التواصل بين كافة البلدان العربية.

ولكن الدكتور عبد اللطيف الفيلالي وفي أواخر حياته، آثر اعتزال السياسة والابتعاد عن أجوائها في بلده، مؤثرا العيش في العاصمة الفرنسية رفقة زوجته الإيطالية التي أنجب منها ابنين هما: ياسمينة وفؤاد، رجل الأعمال المغربي الذي اقترن بالأميرة للا مريم كريمة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني وشقيقة الملك محمد السادس، حيث أنجب الزوجان طفلين هما مولا إدريس والأميرة للا سكينة، الأثيرة إلى قلب الملك الحسن الثاني والتي تم الاحتفال بعقد قرانها منذ بضعة أسابيع على شاب مغربي.

سألته: ما هي أمنيتك في الحياة وماذا تحب وماذا تكره؟

* يرد قائلا: كنت أتمنى أن أكون ثريا أو أصبح الآن ثريا وأزاول الأعمال التجارية كغيري من السياسيين الذين يملكون الأموال الطائلة ويختزنون هذه الأموال في البنوك وشراء الأراضي وبيعها بأرباح خيالية وإذا دق بابهم فقير طالبا العون فقليلا جدا منهم يساعد الفقراء، في حين أن سبب أمنيتي أن أصبح ثريا لكي أدق أبواب الفقراء وأساعدهم بقدر استطاعتي لأن المال هو مال الله فلا يوجد أحد يأخذه معه للآخرة، والدليل أن كل من وافاه الأجل من ذوي الثروات الطائلة لم يأخذ معه إلا حفنة من تراب. ويضيف أما سؤالك ماذا أحب وأكره، فأجيبك صادقا أني أحب الناس الصادقين وأكره الكذب كرها كبيرا وللأسف الشديد هناك الكثيرون الذين يعشقون الكذب لمجرد الكذب فقط، ومازالت أذكر واقعة معينة عندما كنت طالبا في المدرسة ولي زميل تناولنا الغذاء سوية يوم الجمعة وكانت الوجبة كسكسا فقط وبعد ساعة التقنيا بزميل آخر فسألنا ماذا تناولتم في الغذاء فأجابه زميلي أكلنا طاجين سمك وكسكسا مع فاكهة مانجو، وبعد مغادرة زميلنا سألت صاحبي لماذا لم تقل الحقيقة بالنسبة للطعام الذي تناولناه فأجابني ضاحكا: إنني أحب الفخفخة، فقلت له يا صديقي إذا كذبت في موضوع الطعام فسوف تكذب في أمور أخرى.

وعدت لضيف سائلا: وماذا بالنسبة إليك ألم تكذب مرة في حياتك، فأجابني: نعم أحيانا أكذب بسبب الإحراج أو لإنقاذ شخص من مشكلة، أما الكذب لغرض الكذب فلا وجود له في حياتي، وأضاف مازلت أذكر أنك سألت الراحل الحسن الثاني في مؤتمر صحفي عن المسيرة الخضراء وارتباط الشعب المغربي بالملك الحسن الثاني، فأجابك أن الشعب المغربي شعب ذكي ويثق بملكه لأنه يعلم تماما أن ملكه صادق مع شعبه في كل شيء وإذا كذب أي شخص مرة فلن يصدقوه في المرة الثانية.

وعدت لأسأله من هم أقرب أصدقائك، هناك الكثير من الذين يتوددون إلي ربما لمنصبي أما الذين يحبونني فهم قلة، فاليوم من الصعب أن تجد شخصا يحبك لوجه الله إما أن يحبك لمُلك أو للمنصب الذي تشغله وعندما تنتفي منك هاتين الصفتين يراك الصديق فيدير وجهه إلى جهة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!