في الأكشاك هذا الأسبوع

10 أسرار في الانتخابات الجهوية والبلدية لـ 4 شتنبر

فرنسا دعت إلى إلغاء الانتخابات المغربية وأمريكا اعتبرتها خطوة نحو اللامركزية

إعداد: عبد الحميد العوني

   سعى حزب الأصالة والمعاصرة منذ الساعات الأولى لفرز الانتخابات إلى تضخيم الأعمال العنيفة المصاحبة للانتخابات التي جرت في 4 شتنبر، تأكيدا للشكوك الفرنسية التي قالت بشأنها تقارير سرية وتسربت إلى الإعلام، أن الدورة الانتخابية في المغرب يمكن أن تتجه إلى منحى آخر وتكون “مغامرة عنيفة”(جورج جوفي 1).

   وهدفت جهات في المملكة إلى الركوب على هذه التقارير الحساسة والدفع بدوائر القرار إلى إلغاء نتائج الانتخابات أو “إعادتها على الأقل” قبل أن تطفئ خارجية الولايات المتحدة هذه الفورة، حيث أكدت الوزارة أن انتخابات المغرب تشكل خطوة مهمة وإيجابية، وأكد مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية لوكالة المغرب العربي للأنباء “أن الاقتراع المباشر للرابع من شتنبر لانتخاب المجالس الجهوية والمحلية يشكل خطوة مهمة وإيجابية إلى الأمام في إطار جهود الحكومة نحو اللامركزية وتعزيز القرب من المواطنين”، مشددا على أن واشنطن “تدعم جهود المغرب في مجال التنمية الديمقراطية المتواصلة” ونتائجها بطبيعة الحال، وهو ما فصل الخطوة المغربية عن معالم الحل في الصحراء.

   وذهبت باريس إلى رفض اجتياح الإسلام السياسي المستدعي للعنف وهي التي دعمت حصاره في مصر وتونس، وأقرت واشنطن نتائج انتخابات 4 شتنبر دون أي تعليق على مسألة الجهوية في المغرب كي لا يكون موقفها “دعما غير مباشر” لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء كما تقترحها الرباط، وقزم العالم انتخابات 4 شتنبر إلى حدودها الدنيا، حيث بقيت هذه الانتخابات الجهوية ذات “خطوة محلية وبلا معنى جيو سياسي”.

   واختار المسؤولون في الخارجية الأمريكية نفس ما صرح به بن كيران لوكالة “أ. ف. بـ” بأن ما جرى في بلاده (خطوة جدية وحاسمة نحو الديمقراطية) وحذف المسؤول الأمريكي (الجدية والحسم)، وهي ذات الأوصاف التي استخدمها مجلس الأمن في إحدى قراراته لوصف موقفه تجاه مبادرة الحكم الذاتي (ذات الجدية والمصداقية)، حسب التعبير الأممي.

   وتم استبدال جملة نحو الديمقراطية (بالتنمية الديمقراطية) كي لا يعتبر النموذج المغربي ديمقراطيا كفيلا لوحده بحل المشكل في الجنوب أو دعم النوع المقترح على صحراويي اللجوء.

   واستخدمت الجزيرة الإنجليزية نفس العبارة في موقعها نقلا عن جريدة “أخبار اليوم” المستقلة القريبة من حزب العدالة والتنمية، مع تعديل يقول: “إنها خطوة أولى في طريق بناء المستقبل”(2)، ودائما دعما لعبارة بن كيران.

   وبعد تمرير نتائج 4 شتنبر “دوليا” وحصرها داخل المغرب دون أي تأثير إقليمي، ظهرت أسرار أخرى:

   أولها، أن انتخابات 4 شتنبر التي نظر إليها الفرنسيون بأنها مهددة للاستقرار انتهت بانعكاس نفس الصورة على الإعلام الأمريكي من خلال قصاصة “أسوشيد برس” التي نقلتها كل الصحف الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، ورأى بعض الملاحظين أن مصدرها وجهة نظر واحدة مثلها الباحث محمد مدني ورد عليها وزير الاتصال المنتمي لحزب العدالة والتنمية في مقال له في جريدة “أخبار اليوم” وقعه بصفته الحزبية.

   ومن الغريب أن مصطفى الخلفي لم يشر إلى ما كتبه بول شيم(3) بخصوص هذه الانتخابات، معتبرا أن هذه القراءة “غير سليمة وخاطئة وغير مسنودة”، نافيا التنازع مع الملك مؤكدا على التعاون والإصلاح في إطار الاستقرار، ومتهما حامليها بإسقاط فج ومتعسف للمقولة الفرنسية في توصيف العلاقة بين رئاسة الجمهورية والوزارة الأولى على المغرب.

   وجاء رد الوزير بعد إحراج حزب العدالة والتنمية قبيل انتخابات الكبار في الجهات، وكشف عن عودة الإسلاميين إلى الدفاع عن منطلقاتهم وتفاهماتهم مع دوائر القرار وباقي الأطراف، وبعدها اقترح نفس الباحث دعما لا محدودا لحزب “البام” كي يسعفه منافسة “البي جي دي”، كما أقر أن التحكم المؤسساتي في الانتخابات الحالية غير كاف، وإن حد من المفاجآت الكبرى من خلال التقطيع الانتخابي ونظام الاقتراع.

   وامتنعت “أسوشدبرس” عن ذكر اسم علي الهمة صراحة في قصاصتها كما اعتبرت أن فوز العدالة والتنمية يمكن أن يعاكس الاستقرار، وهذه الرسالة كاشفة إلى الحد الذي عززت فيه مقولتها بأن حزب العدالة والتنمية لا يزال في نظر الكثيرين “مناهضا للنظام” وأن المنتمين إليه “لا يشتركون في فساده”(4)، وهدف الإعلام إلى إلغاء الانتخابات بتصوير حزب العدالة والتنمية مناهضا للنظام الملكي ولاستقرار المملكة.

   ثانيا، ركزت “تي. في. 5” الفرنسية على ما دعاه إلياس العماري (دولة داخل دولة) التي يمثلها حزب العدالة والتنمية، بما يفيد تهديده لاستقرار المغرب، ودون أن تذكر جريدة “لوموند” ووكالة “أ. ف. ب” اسم علي الهمة مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة، ركزت على الجهات التي اجتاحها الإسلاميون، مؤكدة أنها تمثل 15 مليون نسمة بما يجعل الحزب يدير نسبة 40 في المئة من الناتج الوطني الخام.

   وقصدت باريس من وراء حملتها المدروسة عدم وضع النظام الجهوي الوليد تحت سيطرة الإسلاميين القريبين من أمريكا، حيث دعا حزب العدالة والتنمية إلى تمتيع الصحراء بحكم ذاتي “الآن وفورا”، وهو ما تعارضه باريس والنخبة الخائفة من “أسلمة المدن”، واستخدم الإعلاميون الفرنسيون مشكلة تمدد الإسلام السياسي في بلد واحد في العالم العربي، عكس قصر تجربته في تونس ومصر.

   وشجع الفرنسيون شطب انتخابات 4 شتنبر تماما لاعتبارات عديدة تتقدمها الأسباب الأمنية، رغم أن شكاوى الانتخابات المتابعة أمام القضاء بلغت 124 شكوى و25 أخرى قيد البحث، ومع ذلك لم تعتبر باريس هذه الاستحقاقات خطوة نحو الجهوية الموسعة أو الحكم الذاتي في الصحراء، لأن الثمن تريده واضحا: إقصاء الإسلاميين.

   ثالثا، بعد المصالحة السعودية مع الإخوان المسلمين في عهد الملك سلمان، ومشاركة المغرب في حرب التحالف لعودة الشرعية في اليمن، ولسكوت بن كيران عن المشاركة العسكرية لبلاده خارج الحدود صمدت نتائج حزبه في انتخابات 4 شتنبر، ولم تشطب.

   رابعا، انتصار حزب العدالة والتنمية يشجع بن كيران على إصلاحه صندوق التقاعد، وتمثل هذه الخطوة نهاية له في الانتخابات البرلمانية، ويجب على الكل دفعه إلى هذا الخيار السريع للتخلص من “كل التجربة”، يقول تقرير فرنسي حساس.

   خامسا، في مقال “مات بويهلر” في “الواشنطن بوست” تأكيد على أن الفريقين المتعارضين من الإسلاميين واليساريين في المغرب متحالفين على مواصلة نفس الأهداف، ويرون مكافأتهم في هيمنتهم القبلية على الطبقة الوسطى(5)، وينفي وزير الاتصال وجود ثنائية حزبية بين حزب العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ويقول: “من الممكن أخذ هذه الثنائية بعين الاعتبار في حالة وجود برنامجين سياسيين مختلفين أو قاعدتين اجتماعيتين متباينتين أو تنافس ميداني واضح في المدن الحضرية وبمسارين مختلفين وهو أمر غير موجود”، ويظهر بأن اللعبة المغربية مرتبة بين الحزبين: الأصالة والمعاصرة، والعدالة والتنمية، وقد تسببت في أوهام منقولة إلى الغرب الذي دخل في مخططات مباشرة قد تؤثر في أمن المملكة وسياستها الكبرى، وتخدمها أطراف داخلية ولا شك.

   ونتج عن هذه الانتخابات تطوران هامان يزيدان من استقرار المملكة هما: انتخاب مجلس المستشارين قبل مجلس النواب، وإدارة الإسلاميين لجهتين من أصل 12 جهة، وهذا المنسوب ضعيف في حسابات الجهة الأمنية التي تمكنت من تجاوز الحزب الذي قاد التناوب في سنة 1998 بسلاسة وعبر صناديق الاقتراع، كما أمكن بهذه الخطوة عزل أي حزب يقود عملية سياسية كبرى بين دورتين أو ثلاث دورات انتخابية، وهو رقم قياسي في لعبة تتخوف من هيمنة الحزب الواحد على المشهد السياسي، وكما هو معلوم لم يتمكن المغرب من نزاهة الانتخابات إلا عندما ضمن نظامه أن تكون الحكومة فيه ائتلافية دائما لاعتماد اللائحة في الانتخابات.

   ويبدو أن انتخابات 4 شتنبر حافظت على باقي عوامل التحكم الأخرى وأسفرت عن خارطة ضمنت في نتائجها باقي الحسابات الأمنية.

   سادسا، ضمنت انتخابات 4 شتنبر استمرار حرب المملكة على الإرهاب وعززتها، حيث يحكم “البام” المناطق الشمالية التي تصدر الجهاديين لداعش، وهذه المهمة ضمن خطة من ثلاثة أضلاع: سلفيون مع حزب الكوميسير عرشان، البام في المناطق المصدرة للجهاديين نحو داعش، وإدارة حزب العدالة والتنمية لوزارة العدل لتغطية الحرب على الإرهابيين وتفكيك خلاياهم ضمن استراتيجية الوقاية المتبعة، وغير المراجعة منذ 2001.

   سابعا، نتائج حزب العدالة والتنمية في 2016 لن تختلف عن نتائج الاتحاد الاشتراكي في 2002 في أحسن الحالات، وتراجع الاتحاديين بعد ثلاث دورات انتخابية، وسبق للصحافي “جورج جوفي” أن أكد على ضعف الاتحاد الاشتراكي قائد المرحلة السابقة وملء مكانه من طرف قائد المرحلة الحالية: حزب العدالة والتنمية، وثمن قيادة المشهد الحزبي يدفعه كل حزب، في ما لم يتغير موقع وأعداد حزب الأصالة والمعاصرة من 2009 إلى 2015 (إلياس العماري في ندوته عقب التعليق على نتائج الانتخابات البلدية والجهوية).

   وبدهاء، كان اليازغي قد طالب الاتحاديين المنشقين بالتقدم مستقلين في انتخابات 4 شتنبر كي لا يؤثر الحزب الجديد (البديل) في الحزب الجديد للدولة (الأصالة والمعاصرة)، ودفعت الخطوة المتخذة إدريس لشكر إلى “النأي بنفسه عن التماس” مع الخطة الموضوعة.

   ولم تتمكن الحرب الإيديولوجية التي قادها إدريس لشكر، وحرب “الأسرار والتسريبات” التي قادها العماري في المساس بأخلاقيات الحزب الإسلامي، كما فشل شباط في وضع المحافظين في حزبه مقابل حساسية المحافظين الجدد، والتي مثل شرعيتها إسلاميو حزب العدالة والتنمية.

   وهذه الحروب الصغيرة التي أَعْمَتْ المغاربة عن الملفات العميقة والاستراتيجية أدارت اللعبة بعيدا عن إثارة الرهانات الكبرى وتقييم أوراش الدولة.

   ويشير “مات بويهلر” في “الواشنطن بوست” إلى أن هذه الحروب الصغيرة مستمرة لطبيعة الصراع بين فئات الإسلاميين والإثنيين الجدد (العرقيين) ويمثلهم إلياس العماري، ورجال الأعمال المنفردين والراغبين في بناء شبكات، والاتحادات العمالية التي يمثل وجهها السياسي حميد شباط قبل أن يمثل حزبه (الاستقلال) فئة المحافظين في بلاده، ثم الحركات النسوية التي اكتفت بما تجود به الدينامية السياسية عليها، وتدوم هذه الحروب الصغيرة لأن المطلوب في المغرب بتعبير نفس الكاتب تغيرات سياسية ميكروسكوبية ـ صغيرة ـ.

   سابعا، دخل الانفصاليون المناصرون لجبهة البوليساريو في لوائح حزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية في العيون والاتحاد الاشتراكي في كلميم لكبح رهانات العمل الجهوي في المملكة، وعدم توسيعه كي يصل إلى حل واقعي لمشكلة الصحراء، والتقى الرافضون لتوسيع الجهوية ونقلها إلى “المعايير الدولية المتعارف عليها” والرافضون للحكم الذاتي في أكبر تحالف نجح في عزل الانتخابات الجهوية عن قيمتها المضافة، وهو ما انعكس على الصعيد الدولي وخصوصا موقف الولايات المتحدة.

   ثامنا، حزب الأصالة والمعاصرة استوعب دينامية رجال الأعمال في الانتخابات المهنية على صعيد المدن، واحتوى ديناميتهم السياسية في القرى التي تركها حزب العدالة والتنمية لغريمه في إطار “تحالف الأهداف” بتعبير بويهلر،

   وأضاف أن رجال الأعمال في المغرب أو روابطهم المهنية والتجارية أو شبكاتهم الجديدة على وجه صحيح (استخدمت اللا استقرار لنهوض يقود التغيير في السياسات الداخلية)(6).

   تاسعا، لم يمتد أثر الحراك المغربي، “وفعلا، حيث كانت حركة 20 فبراير فاز حزب العدالة والتنمية.

   عاشرا، خلاصة أكبر صحيفة متخصصة (ريتش جورنال أوف ميدل إيست ستاديس(7) أن النقابات المغربية دخلت دينامية جديدة كشف عنها سقوط شباط، وبدأ هذا السقوط بنهاية مشواره النقابي، وهذه الحساسية الجديدة في الجسم النقابي قادرة على هزيمة حزب العدالة والتنمية وفي موقعة صناديق التقاعد سيبدأ مؤشر “التحول الكبير” الذي قد يتجاوز قواعد اللعبة نفسها.

هوامش

  • If  French suspicions  are  true, then morocccan’s electoral cycle might  be  a  rather violent  affair) George Jofee 13/ 8/2015 (Al Araby al jadeed)
    -2 (First step along the road to building the future) Al Jazeera English 5:45 (5/ 7/ 2015)
3 – (Antistatusequo in a country still dominated by the monarchy)
4 – (The P J D are still seen as ant system and are not associated with the corruption of the regime) by Paul schemm (A.P)
5 – (The traditionally antagonistic opposition groups_ Islamists and leftists _to ally to pursue similar goals and reward their predominately middle class supports) by matt Buehler, Washington post 24/ 3/ 2015.
6 – (Moroccan trade Unionsts used instability from the uprising to drive change in domestic politics) wasting post, 24 / 3/ 2014 
7- British journal of Middle East studies in how morocco’s unions took advantage of Arab uprisings, W.P.
 
error: Content is protected !!