في الأكشاك هذا الأسبوع

هل غلب فراعنة المغرب دولة ملك الفقراء

 

   وملك الفقراء، هو التسمية التي أعطاها الرأي العام المغربي للملك محمد السادس، غداة خلافته لوالده العظيم، المظلوم(…) (انظر كتاب الحسن الثاني الملك المظلوم) حيث كتبت في الأسبوع الموالي للتنصيب، وعلى الصفحة الأولى مقالا بعنوان: “ملك الفقراء، في دولة الفراعنة”.

   وهو حماس صحفي مشروع، كنا.. ومازلنا.. نصفق لبعض القرارات الشجاعة التي واكبت تحمل الملك محمد السادس للمسؤولية، وهو الذي في الأسابيع الأولى، أصدر للناطق الرسمي باسم القصر، وكان هو صديقه حسن أوريد، أن ينشر بيانا، يجرد فيه صهر الحسن الثاني، فؤاد الفيلالي، من صفة الإمارة(…) التي كان يحتمي بها ولد رئيس الحكومة، عبد اللطيف الفيلالي، فوق الترابين الفرنسي والمغربي، بل إنه بعد ذلك البلاغ مباشرة، صدرت الأوامر للسفير المغربي في باريس حسن أبو أيوب، ليسحب الجواز الدبلوماسي من فؤاد الفيلالي.

   نموذج فقط، ليس للتذكير المقصود، ولا للذكرى المثيرة، ولكنه مؤشر إلى انحياز الملك، في تلك الأيام، للتيار الشعبي، الذي استقرت ثقته في المستقبل المغربي، بشكل كان له الأثر الكبير، على الاستقرار الذي عرفه المغرب طيلة الخمس عشرة سنة المنصرمة.

   هذا المستقبل الذي كان سنة 1999 ينتظر، وها هو في سنة 2015، لازال ينتظر، تحقيق تلك الأمنية الشعبية التي كتبتها “الأسبوع”، منبهة إلى تواجد الفراعنة(…) في دول ملك الفقراء، ومحذرة بالمناسبة، من توقف قاطرة الإصلاح عن مسارها الطبيعي، حتى لا نقف يوما من الأيام أمام هياكل الفراعنة، وهم يلتهمون المغرب شعبا وملكا.

   ((بالبحث في شأن الأثرياء الجدد، الذين استغنوا من مال الدولة، الذي أخذوه لأنفسهم، بعد أن كان مخصصا لحل المشاكل الشعبية، متمنين من ملك الفقراء(…) أن يتعمق في خضم إشكالية الفوارق الطبقية، ومسببات المظاهر البأساوية(…) في هذا البلد، بلد الأغنياء والفقراء، وهي سنة الكون، حتى لا يكون فيه الأثرياء بالملايير، والفقراء على الحصير)) (الأسبوع عدد 31 دجنبر 1999).

   في تلك الفترة، زمن ملك الفقراء، واكبنا صحفي فرنسي كبير، اسمه “ميشيل كولومبيس” بل سبقنا في حماسنا، بأن طمأن قراءه الفرنسيين (عبر مجلة لو بوان، عدد 8 أكتوبر 1999) إلى أن عرش المغرب مرتكز على ((المسامير الذهبية(…) لملك المغرب الذي قرر التصالح مع المعارض أبراهام السرفاتي، دون علم الجنرال إدريس البصري)).

   ثبوت الملكية المغربية، بالمسامير الذهبية(…) كما كتب الصحفي الفرنسي، يجرنا مرغمين إلى مواجهة صحفي آخر اسمه إيريك لوران، يطالب المغرب بالملايير (2 مليون أورو) وهو نفس الصحفي الذي كتب في جلسات مطولة داخل سيارة الملك الحسن الثاني الذي كان يملي عليه مذكراته ((إنه لم يأخذ مليما واحدا من الحسن الثاني، لأن الاتفاق المالي كان مع المؤسسة الناشرة للمذكرات)) (استجواب إيريك لوران مع محطة ر.ت.ل).

   ولكن ضسارة إيريك لوران، ورفيقته كراسي، لم تكن في الواقع، وحسب التصريحات التي أدلى بها الصحفيان بعد الإفراج(…) عنهما، تجاه الملك محمد السادس، فالصحفي الفرنسي الضاسر(…) قال إنه اتصل أولا، بالكاتب الخاص منير الماجدي، ثم أن المحامي الذي أرسل إليه، هو المحامي هشام الناصري، المستشار القانوني لمنير الماجدي، وستظهر الأيام وحدها والمحاكمة إذا حصلت، حقيقة منابع الجاذبية المالية(…) التي استقطبت أطماع الصحفيين الفرنسيين، خصوصا وأن الوثائق التي سبق للفاعل الإليكتروني، كريس كولمان أن كشف فيها عن الأموال التي حصل عليها صحفيون عالميون آخرون، من المصادر المغربية، وقد رأينا أنه لم تحدث أزمة(…) عندما نشر في سنة 2014، أن السفير الأمريكي السابق في المغرب، غابرييل، قد أخذ من المغرب 2 مليون دولار، نفس القدر الذي طالب به الصحفي الفرنسي إيريك لوران.

   لقد كان الملك محمد السادس، يسابق الزمن، وكأنه في تنافس مفتوح مع الوزير الأول في حكومة التناوب، القطب عبد الرحمن اليوسفي، وكان محمد السادس، قد جدد فيه الثقة التي منحها له والده الحسن الثاني.. اليوسفي الذي رغم تقدميته، وأفكاره الاشتراكية الإصلاحية، كان قد بدأ يبدو لأصدقائه الاشتراكيين، وكأن الملك محمد السادس، أصبح يسبقه في مجال الإصلاح، حتى كتب أحد رجال ثقة اليوسفي الأستاذ عباس المرابط، مقالا بعنوان: ((يا سي عبد الرحمن، رحماك بنا، أو غادر، فقد سئمنا))، بل إن الكاتب القطب في المقاومة والتقدمية أحرج ضعف اليوسفي آنذاك، وهو يكتب له، وكأنه يخاف أن يغلب شباب محمد السادس على شيخوخة اليوسفي: ((فهل شخت وتشيخت، وإلا بماذا نفهم تزوير الانتخابات في عهدك، واستمرار الرشوة وتفاحش الفساد، والابتزاز، وكروش الحرام، أو أنه أعجبك المقام، واستسلمت للمنام)) (الأسبوع 24 دجنبر 1999).

   طبعا.. ما أخطر الاستسلام للمنام، خصوصا إذا كان المسؤول النائم محاطا بالفراعنة، الذين لا يهمهم إلا الاستفادة المؤقتة من أموال الشعب.. فلا يهمهم ملك ولا سلطان، ولم يتغلب عليهم، رغم فرعنتهم، إلا السلطان اليقظ الذي لا يتوقف عن الجهاد.

   ونتذكر هنا قصة واحد من سلاطين المغرب، محمد بن عبد الله (1773) وقد كان بارعا في محاربة الفساد الاجتماعي، سمع عن انتشار الفساد في الرباط، فقرر طرد الرباطيين من مدينتهم: ((وجاء الرباطيون عند السلطان مستشفعين ليتراجع السلطان عن قراره، فقال لهم: إنما أريد أن أطهر بلدكم، لأنكم اشتغلتم بالفسق مع اليهوديات، تسبتون معهن يوم السبت، وتأكلون معهن السخينة)) (الضعيف).

    ومادام لكل زمن مظاهر فساده، فإن السلطان كان في زمانه يحارب الفساد على قدر معرفته، ولكنه كان يتحرك، ولم يكن كسلفه أحمد الذهبي (سنة 1726) الذي أصبح نموذج المتخاذل الغير مهتم حتى دخل التاريخ قبل أن يخرج منه، حين كتب عنه صحفيو زمانه: ((أقاموه صورة.. لأنهم علموا أنه لا يدبر شيئا، ولا يقدم ولا يؤخر، إلا ما قدموه هم وأخروه، وكل من ثقل عليهم من أركان الدولة، قتلوه، ونسبوا ذلك للسلطان)) (الجيش العرمرم. أكنسوس).

   أكنسوس المراكشي هذا، وهو يعرف الكثير عن ماضي هذا السلطان أحمد الذهبي، فعلق عليه رغم أن مؤرخي زمان، لم يكونوا يعلقون.. فكتب:

                 لقد أسمعت لو ناديت حيا

                                       ولكن لا حياة لمن تنادي

   منتهى اليأس من الإصلاح، وما أخطر اليأس على الشعوب، ورجوعا إلى عصرنا هذا.. ورغم استفحال مبررات اليأس، نفاجأ بضربة موجعة، وجهها الملك محمد السادس لأشباح اليأس، حين قرر قبل الانتخابات البلدية بيوم، توقيف والي الحسيمة، بعد أن لمحت الصحف إلى علاقاته وربما تسهيلاته للذين وضعوه في ذلك الموقع السلطوي(…) لقضاء حاجاتهم. ليكون القرار الملكي، بمثابة الحلوى اللذيذة التي قدمت للصحافة التي انقضت عليها انقضاض القط على الفأر(…) وتكتب مفسرة خلفيات القرار، تفسيرا مشحونا بالمعطيات” ((لقد عينت وزارة الداخلية، والي جهة طنجة اليعقوبي بالإشراف على الانتخابات (بالحسيمة) إلى حين انتهاء مسار التحقيق. ومعروف عن اليعقوبي(…) صراعه العنيف مع فؤاد العمري عمدة طنجة، وشقيق إلياس العمري، نائب أمين حزب الأصالة(…) خصوصا وأن مسؤولين كبار(…) يعيشون لحظات عصيبة بعدما شملتهم تحقيقات الفرقة الوطنية للشرطة)) (المساء 3 شتنبر 2015).

   ولا يعني هذا القرار الضخم الذي يؤشر إلى تراجع مؤكد في عقارب الساعة(…) أن الفراعنة متواجدون فقط في الشمال، عملا بالآية الكريمة ((كثر الفساد في البر والبحر))، وها هم سكان الريف يقولون: حتى في الجبل عندنا، فإن الخمس عشرة سنة، التي واكبت تحمل الملك محمد السادس، للمسؤوليات جعلت الفراعنة، يتوالدون توالد النمل ويتضخمون تضخم العقارب في أغلب الأقاليم، وإذا ما كان يخيل للمتتبعين، أن هناك بطئا شديدا في التعامل مع هؤلاء الفراعنة، فإن الوضعية الاستراتيجية، مغربيا وعالميا، لم تبق تسمح للمغرب، بأن ينتظر طويلا، القرارات الإصلاحية، وها هي الجريدة الأمريكية الجادة(…) “فورين بوليسيي” تتولى الجواب عن الواقع حول المغرب بقولها: ((الوقت ينفذ أمام المغرب، في ظروف أوضاع اقتصادية متردية للطبقة الشعبية ستؤدي إلى الثورة(…))) (روبير لوني. النشرة الصادرة عن واشنطن بوسط، 9 يوليوز 2015).

   وها نحن نتعقب مسار الثورات التي سبقتنا، في مصر، وفي ليبيا، وفي سوريا، وفي اليمن، وفي العراق، وقد تحولت إلى ثورات على الاستقرار دماؤها لم تتوقف عن السيلان، وشعوبها هاربة تلقي بأطفالها وصبيانها في أتون الضياع.

error: Content is protected !!