في الأكشاك هذا الأسبوع

أي دور للإعلام في النهوض بالأغنية المغربية العصرية؟

   إن علاقة الإعلام المغربي بشقه المسموع والمرئي والمكتوب بالأغنية هي علاقة قد تستوقف كل متتبع لها ليس من أجل التقييم وإنما بهدف رصد كل المحطات التي مرت منها تلك العلاقة، فمنذ فجر الاستقلال لعب الإعلام دورا فعالا في التعريف بالأغنية المغربية محليا وإقليميا، إعلام كان من ورائه رواد يدركون المعنى العام لهذا الجنس الأدبي والثقافي ودلالاته العامة، وقد ساعد في كل هذا الحس الوطني الذي كان يسري في دم المنتسبين لهذا المشهد من موسيقيين وملحنين ومطربين وكذا الأدباء والشعراء وشعراء القصيدة الزجلية. وفي حصيلة أولية تمكن الإعلام المغربي من الرفع من قيمة الأغنية المغربية لتستطيع بذلك رسم طريق لها رغم هيمنة الأغنية المصرية على الصعيد العربي. وإلى ذلك، شكلت السنوات الأولى من الاستقلال بداية مسار فني متميز أرسى قواعده الإعلام الفاعل والمواكب من جهة، والإيمان القوي للفنانين والشعراء والملحنين المغاربة بمسؤوليتهم الأدبية والأخلاقية من جهة ثانية. ومن هنا يمكن القول إن هذه الفترة تبقى اللحظة المؤسسة والمؤثرة للعلاقة الجدلية بين الإعلام المغربي والأغنية المغربية، إنه رهان ربحه هذا الفن، واستحقاق لمجهود كان من ورائه فنانون ومبدعون ورواد كلمة وإعلاميون نبلاء.

   المرحلة الثانية والثالثة والتي قد نحددها تاريخيا من منتصف الستينيات إلى النصف الأخير من الثمانينيات هي مرحلة لها محطات مهمة في تاريخ الأغنية المغربية العصرية، بل إنها محطات ساهم في توسيع قاعدتها الإعلام المغربي، سواء من حيث المواكبة الفعلية للتطور المغربي أو من حيث الشكل والمضمون، إذ في هذه الفترة حصل تطور كبير في الإعلام المغربي إن على المستوى الكيفي أو النوعي. فبالإضافة إلى البرامج الحوارية التي كانت تبث على أمواج الإذاعة الوطنية، إلى النقل التليفزيوني المباشر للسهرات التي كانت تقام في هذه المدينة أو تلك أو بعض السهرات التي تقام على خشبات المسارح المغربية، فإن هذا المعطى الاستثنائي رفع من قيمة التنافس بين المطربين المغاربة، وهو ما جعل الأغنية من حيث هي كذلك تتجاوز الحدود لتحتل مراتب محترمة على الصعيدين المغاربي والخليجي.. لكن لا يمكن من هذا الباب أن نتجاوز الاستراتيجية التي اعتمدت في انتقاء الكلمة الهادفة واللحن الشجي والصوت الطروب، فلا مجال في تلك الحقبة إلا للصالح ولكل طموح فني يحترم تاريخ الأغنية المغربية، لأن الكل كان يعي المسؤولية التي على عاتقه، والأمر هنا يتعلق بلجنة الكلمات، ولجنة الإبداع، والإعلام المسؤول. لقد كان الجميع يحمل هما ثقافيا وأخلاقيا لكون الإعلام والفن وجهان لعملة واحدة، بل هناك إدراك وطني لجسامة المسؤولية، ما جعل هذه الحقبة تشكل بالفعل حقبة تاريخية لها خصوصياتها ولها تفردها في تاريخ علاقة الإعلام بالأغنية المغربية.

   المرحلة الأخيرة والتي نعيشها اليوم، هي مرحلة تستدعي منا كمهتمين الوقوف عند بعض القضايا التي ربما يتجاهلها البعض أو يحاول القفز عليها لأسباب معينة، لكن الخوض في هذا الموضوع يستدعي استحضار تلك التحولات التي عرفها المجتمعين المغربي والعربي ككل، وهو تحول لم يستثنَ منه الإعلام المغربي الذي عرف مسارا خاصا، فقد اختفت تلك الضوابط التي كانت تؤثث للأغنية المغربية وتحول الملحن إلى ما يشبه سمسارا والمغني إلى ظاهرة خرقت حالة نشاز، في ما كان الريع هو فلسفة بعض المغنيين الجدد ليستسلموا لما تفرضه عليهم شركات الإنتاج، أما الإعلام فوقف عند حدود هذا المعطى لا ناقدا ولا محتويا لهذا المشروع وإنما منمقا ومزخرفا لكل من يحاول الاختفاء وراء شيء اسمه “الأغنية المغربية” ويعبد الطريق لبعض الشباب للانتماء لهذا الحقل وشرعنة أعمالهم تحت عناوين مختلفة؛ تارة تحت عنوان التشبيب، وتارة أخرى تحت عنوان مواكبة الساحة العربية ولما لا العالمية لكن ما هو مؤكد اليوم هو أننا توقفنا في الجانب الذي يمنع فيه الوقوف، وجلبنا على أنفسنا ما نبهنا إليه ذوي التجربة في الميدانين الإعلامي والفني.

عبد الإله اليازغي
error: Content is protected !!