في الأكشاك هذا الأسبوع

استقالة أمين الحرفة

 

   أصحاب وسائقو الطاكسيات في بلادنا تكون ردة فعلهم حيال استقالة أمين الحرفة أو كاتب عام نقابي أو رئيس جمعية متضاربة ومضطربة وغير قابلة للنقاش.. وقد يكون رأي الكثيرين من المواطنين أيضا كذلك.. فمثلا إذا استقال مسؤول ما من منصبه سيقولون عنه ضعيف الشخصية، وغير قادر على المواجهة، ومرتفع الضغط، ومستسلم فاقد لروح التصدي.. وإذا أصر على البقاء وصمد في منصبه وواجه المعارضين لوجوده.. فإنه يعاني من الجشع والطمع وحب الامتلاك والخلود في منصبه.. وهو أيضا إن حدث وأقيل من منصبه فسيهرول سريعا إلى نظرية المؤامرة ويتهم جهات معينة بالتآمر عليه ومحاولة زعزعة الاستقرار، وقد يدعو أتباعه إلى تنظيم وقفة احتجاجية تضامنية في مكان عام من أجل تسليط الضوء على الحدث وإثارة الرأي والإعلام العمومي..

   رؤساء الجمعيات المهنية والكتاب العامون للمكاتب النقابية لا يستقيلون إلا بمشيئة الله.. نادرا ما يغادرون كرسي الرئاسة.. وحين يرحلون إن هم رحلوا تحت الإكراه يراقبون الموقف عن بعد ويقضون جزءا كبيرا من وقتهم في إحصاء خطايا الآخرين وتحميل المسؤولية لأتباعهم، وقد يعلن أحدهم عن استقالته يوما ما من الهيئة التي يمثلها ويدير دواليبها ويكشف عن قرب رحيله وترك المشعل للشباب لكن الكثير من المهنيين لا يأخذون قراره مأخذ الجد. لأن المعني بالأمر اعتاد أن يصرح بالاستقالة كلما داهمه مكروه قد يعرقل مسيرته المظفرة.. العارفون بخبايا المهنة من المهنيين يؤكدون على أن من رضع الحليب من ثدي المهنة لا يمكنه إطلاقا أن يعيش خارجها.     في مهنة سياقة الطاكسي وفي جميع المهن كما في السياسة والعمل الجمعوي في بلادنا رؤساء خالدون فيها أبد الدهر. لا يشعرون بالراحة النفسية إلا وهم جالسون على كراسي المسؤولية، حتى في حياتهم اليومية وعلاقتهم بالمهنيين والناس أجمعين يربطون أسماءهم بعبارة السيد الرئيس أو الأمين إذ لا تستقيم لهم الجلسة ولا تكتمل الوجاهة إلا بعظمة الألقاب.

   أعرف رئيس جمعية في مهنتنا يوزع على المهنيين والناس أجمعين بطاقة زيارة كتب عليها اسمه وصفته المهنية ومهمته في رئاسة الجمعية وعضويته في غرفة مهنية ومنصبه في هيئة سياسية ومهامه الرياضية والحقوقية، حتى كادت البطاقة أن تنفجر بما فيها.. بينما كتب على الزجاج الأمامي للسيارة التي يطوف بها المدينة عبارة “هذا من فضل ربي”.

   أخطر ما في تسيير هيأة تمثل المهنيين في مهنة ما في بلادنا: صفة الانتماء وتحمل المسؤولية التي يمنحك إياها المنخرطون.. قد تكون فاعلا جمعويا أو مندوبا مهنيا أو سياسيا فأنت غير مكتمل الصفة إلا إذا تمت تزكيتك من طرف أعضاء منخرطين، وبدون ذلك لا يسمح لك مناقشة الشأن المهني إلا في المقاهي التي يكون أغلب زبنائها مهنيون وفي محطات وقوف الطاكسيات إذا كنت تعمل سائقا لسيارة الأجرة إن استطعت إليها سبيلا.. وفي النادر جدا قد تجد مسؤولا آخر يحترم نفسه وبدافع الغيرة على المهنة أو وصل للرئاسة عن طريق الصدفة يعلن عن عقد جمع عام كلما أحس أن الظروف لم تعد تناسبه أو تساعده على تسيير دفة الهيئة التي يمثلها.. قد يكون الرجل مؤمنا بقواعد الديمقراطية ومستعدا لفتح باب الترشيح في وجه كل من يرى أن له إمكانيات تخول له تحمل المسؤولية ودخول المنافسة من أجل منصب الرئيس أو أمين الحرفة من دون بهرجة أو تعمار الشوارج فكل شخص تشفع له إنجازاته.. صحيح كما يقولون: لا مقارنة مع وجود الفارق.. والله في خلقه شؤون.

مصطفى أمزوز، سائق طاكسي بالرباط         
error: Content is protected !!