في الأكشاك هذا الأسبوع

أحزاب لم تكن في الموعد

   كنا في الحقيقة كمغاربة غيورون نتمنى من عمق القلب أن تكون نسبة المشاركة في الاستحقاقات الماضية (4 شتنبر 2015) عالية جدا، يبدأ معها شروق صبح جديد لغد أكثر إضاءة.. نسبة (بجاذبية أكثر) من شأنها أن تجعل المغرب يخطو خطوات (وليس خطوة كما قالت الخارجية الأمريكية) إلى الأمام، للاقتراب من نادي الدول الديمقراطية التي يضرب بها المثل في هذا الإطار، والدخول في المرحلة الجديدة التي اعتبرها الملك محمد السادس حاسمة في تاريخ البلاد بثورتها الهادئة التي يشارك فيها الملك والشعب يدا في يد وفي تلاحم منقطع النظير، كنا نتطلع بكل حماس إلى القطع مع الماضي الأسود الذي كانت تتحكم فيه أم الوزارات وأبناؤها ومع الأساليب القديمة التي كانت تمارس لإفساد اللعبة السياسية التي هي لعبة جدية، كما أوردت في المقال السابق على لسان المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، وعرقلة المشي بخطوات محسوبة ومتقونة نحو الأهداف المخطط لها وبدون هزات ولا مشاكل، كنا نرنو إلى حملة نظيفة معبرة كما قال أحدهم بمفردات خطاب سياسي جديد يليق باللحظة الراهنة بعيدا عن “العروض الانتخابية الباهتة والمقامة على انتقاد الأشخاص والأسماء” و”مهاجمة رئيس الحكومة” (كما قال حسن طارق)، هذا الأخير أي بن كيران الذي نجح في تلهية خصومه وحتى حلفائه أحيانا وصدهم عن الدخول في “المعقول” الذي ليس شعار حزب “البيسكليتات”.. حملة يتواصل فيها المترشحون “وليس زعماء الأحزاب” مع المواطن ويتقربون منهم ويلامسوا مشاكلهم ليزداد الإقبال على المشاركة ويذوب الملل (أخو اليأس) وليس كما جاء في مقالي السابق “خطأ”، وتنتهي أسطوانة العزوف، ويتوقف الرقص على أنغامها لتبرير ما لا يمكن تبريره.

   لم يحدث شيء من هذا على ما يبدو، إذ كل المعطيات وكل الأخبار الناطقة أو المصورة أعلنت بلغة لا غبار عليها أن “حلم مغرب جديد قد تأجل إلى حين” وأن البلاد ستعيش سنوات أخرى (أكثر من 6 سنوات) على وقع الآلام والحسرة والبكاء على الأطلال البشرية، ما دام “العقل الفاسد كما قال أحدهم قادر على ابتداع تخريجات بعيدة عن قيم التمدن والديمقراطية”.

   الدولة بكل أجهزتها ومؤسساتها ومسؤولياتها فعلت كل ما يمكن فعله أو أكثر، وجندت كل أعوانها وموظفيها بشكل جدي وبتعليمات صارمة من أجل إنجاح التجربة الفنية وكسب الرهان الذي التقطت له صور عبر خطابات متعددة وإشارات كثيرة، فقد وضعت ترسانة قانونية مهمة ومتطورة وفرت مما ورد بجريدة “الاتحاد الاشتراكي” (عدد 11105) “شروط تحصين الاقتراع وتطور الممارسة الديمقراطية ومسلكياتها في البلاد” وراجعت اللوائح الانتخابية القديمة التي تحكي عن الحياة بلسان ميت، وسايرت الأحزاب في استعمال البطاقة الوطنية عوض ورقة الناخب التي كانوا يجدون فيها المنتخب لتعليق فشلهم في مسايرة الواقع كما هو انطلاقا من قول أحد الفلاسفة: “من تنقصهم الوسيلة يجدون دائما فلسفة ما يفسرون بها ذلك” والتزمت السلطة الحياد حتى لا يقال بأن النتيجة كان مخططا لها من قبل، وفتحت الأبواب للشكايات والتنديدات والتظلمات وأحدثت تغييرات “إجرائية واحتياطية على التصنت إلى المكالمات تضمن النجاعة وتحول دون وقوع المحظور، تمت بإشراف لجان أمنية مختلطة وتحت مراقبة الوكلاء العامين للملك بعد أن تم تجاوز النقاش حول التحفظات التي تثار حول العملية بدعوى الحق الدستوري في عدم انتهاك سرية المراسلات بفضل الاجتماع الوطني حول جعل الاستحقاقات “نقطة مفصلية في ترسيخ النموذج الديمقراطي المغربي بضمان نزاهتها وشفافيتها وتحليقها”، ووضعت الدولة رهن إشارة كل الأحزاب (حتى تلك التي يقال عنها صغيرة) وسائل الاتصال السمعي البصري، وخصصت فترات محددة لكل حزب حتى يتمكن من تمرير الخطاب وشرح البرنامج، ويحقق تواصله المطلوب مع المواطنين والمواطنات وينتزع منهم بفضل تمرسه وامتلاكه لأدوات الإقناع وعدا بالتصويت عليه أو على لائحته.

   الأحزاب وحدها لم تكن في الموعد، تخلفت كثيرا رغم أن الكل كان يعول عليها في تغيير “الماكينة الانتخابية” والترفع عن الأسلوب القديم، واستبدال الوجوه المشبوهة التي تتقلد بوزر تحلف البلاد وتقهقرها، وتتدثر كواهلها بأوراق أحكام بالسجن النافذ نتيجة الفساد والإفساد ونهب المال العام واستقلال النفوذ الذي يوفره المقعد والموقع، وكذلك المركز المحصل عليه ليس بالنزاهة والكفاءة وحسن السيرة، لذلك ستصدم بعد انتهاء الجدية والفرحة أيضا بالمفاجآت وستصاب بالخيبة، لأنها سترى أسماء كبيرة تساقطت كأوراق الخريف.. أسماء ظلت متربعة على كراسي الجماعات والمجالس والغرف، ترفع المشعل حتى في وسط النهار كما يقال، وتنقله من يد إلى يد أخرى في العائلة (من والد إلى ابنه، ومن صهر إلى زوج ابنته)، وكأنها الوحيدة القادرة على تدبير شأن البلاد والعباد (طبعا باللعب في الميزانيات وتزوير الصفقات وتأخير المشاريع…)، قلت أحزاب تخلت عن دورها في مثل هذه الاستحقاقات الذي هو التوجيه وإدارة الحملات من بعيد، وفتح المجال للمترشحين الشباب ليقولوا كلمتهم ويواجهوا مصيرهم، ويتحدثوا إلى الجماهير ويتقربوا منهم ويتواصلوا مع أبناء الحي والحومة وينزلوا إليهم ويستمعوا إلى أناتهم، لأن هذه الخطوات من شأنها أن تخلق تجاوبا وتحقق تفاعلا بين الناخب والمترشح، وذلك حسب ما توصلت إليه الدراسات السيكو – سوسيولوجية المقامة على عدة مقاربات تحليلية للسلوك الانتخابي من أن الصورة “الذاتية التي يحملها الشخص عن نفسه تحدد نوعية المرشح الذي سيختاره، والشيء نفسه يقال عن المرشح الذي يركز أساسا على عينة خاصة من الناخبين تقترب أكثر من تكوينه النفسي وتطلعاته الشخصية” لا أن يستغل الزعماء والأمناء العامين الفرصة لتصفية حسابات قديمة لها علاقة بالتشويش والانتقام “الخاوي”، ورمي الأعداء والحلفاء على حد سواء بالكلام الفاحش الخارج عن اللياقة السياسية والمنطوي على اتهامات خطيرة وخطيرة جدا، كان الأولى الوقوف عند ربوة القانون لاستجلاء الحقيقة واتخاذ ما يلزم.

   نعم لم تتمكن الأحزاب وأقوالها للمرة الثانية من مسايرة الوعي “غير الشقي” الحاصل في مدراك المواطنين وفي تطلعاتهم غير المحددة سوى بسقف العدالة الاجتماعية والديمقراطية والنزاهة والتمثيلية الحقة، يمكن استثناء حزب “فيدرالية اليسار الديمقراطي” الذي تخلى عن مواقفه السابقة، واستطاع أن يقنع نفسه بنفسه بضرورة المشاركة “ما دام هناك هامش ديمقراطي يمكن استثماره لتطوير مسار النضال الديمقراطي” والنزول إلى “الحلبة” لتضييق الخناق على المفسدين وإبطال تمائمهم وتعاويذهم ووقف زحفهم على مراكب المال الحرام المكتسب من الحرام أيضا.

error: Content is protected !!