في الأكشاك هذا الأسبوع

كيف نجا المغرب من الطعن السياسي في الانتخابات؟

ليلة سقوط شباط..

أعد الملف: سعيد الريحاني

   كانت الساعة تقارب الساعة العاشرة ليلا عندما بدأ الصحافيون يتقاطرون على مقر حزب العدالة والتنمية في حي الليمون بالرباط، غير بعيد عن منزل رئيس الحكومة، ساعات بعد إغلاق مكاتب التصويت الخاصة بالانتخابات الجماعية والجهوية، وقبلها كان نشطاء الحزب ممثلين في الجيش الإلكتروني (حسب تسمية خصوم الحزب)، والجيش النسائي(..)، قد سبقوا الفرح بليلة وعلقوا في المقر شارات النصر قبل ظهور النتائج.

   باستثناء حضور بن كيران رئيس الحكومة، وظهوره الاحتفالي أمام عدسات المصوتين لم يكن هنالك شيء يذكر، والنتائج كانت وقتها عبارة عن تخمينات، في انتظار ذلك كانت الفرصة أمام الحاضرين للتعارف.. ليقول أحد نشطاء العدالة والتنمية لأحد الحاضرين الذي سأله عن سبب عدم حفاظه على لحيته، فأجابه مازحا: “اللحية في القلب”، لتؤكد النتائج بعدها أن لحية عدد كبير من المصوتين توجد في القلب فعلا(..).

   غير بعيد عن حي الليمون في حي الرياض، كان زعماء المعارضة قد حجزوا مقاعدهم في مقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فجلس كل من إدريس لشكر وحميد شباط ومصطفى الباكوري بشكل غير مريح فوق أريكة داخل قاعة ضيقة، رغم أن مقر الاتحاديين يعد أفخر وأكبر مقر لحزب سياسي في المغرب (ربما اختاروا قاعة ضيقة بسبب الضغط النفسي الذي كانوا يعيشونه)، وكان بإمكانهم اختيار القاعة الكبرى أو إحدى قاعات الندوات للإعلان عن أفكارهم بشكل مريح، وقد كانوا وقتها يفكرون في إعلان طعن سياسي في نتائج الانتخابات.

   اجتماع لشكر وشباط والباكوري باعتبارهم الأمناء العامين لأحزاب المعارضة، قد يبدو أمرا مستساغا من الناحية المنطقية رغم أن الاحتكام لصناديق الاقتراع يفترض من حيث المنطق أولا انتظار نتائج الفرز والامتثال لرغبة المصوتين، لكن ما هي دلالات حضور إلياس العماري في هذا اللقاء؟ لماذا لم يحضر نواب الأمناء العامون الآخرون خلال هذا الحدث، هل صحيح أن الباكوري هو الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة فعلا؟ ألا ينطبق عليه قول بن كيران الذي وصفه بأنه مجرد “ماريونيط” في يد إلياس العماري وكركوز (المصدر: بن كيران في تجمع خطابي بمدينة فاس، مساء يوم الإثنين 31 غشت 2015)، هل يقف إلياس العماري وراء التهديد بالطعن السياسي في الانتخابات؟ هذا هو السؤال المطروح والذي لم يطرحه أحد على إلياس في تلك الليلة، وقد كان متجهم الملامح وحرارته مرتفعة، تأكد منها كل من صافحه.

   حسب منطق بن كيران، فشباط الأمين العام لحزب الاستقلال نفسه ليس سوى إحدى صنائع إلياس العماري، “إلياس العماري عفريت (سبق أن أطلق نفس الوصف على شباط) وهو من وسوس للأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، بمغادرة حكومته، ووعده بتولي رئاسة الحكومة” (من خطابات بن كيران في فاس إبان الحملة الانتخابية).

   في تلك الليلة (الجمعة) كانت جل المؤشرات تؤكد أن “المكردع” الأول في الانتخابات هو شباط نفسه، لاسيما بعدما أطلق العنان لتصريحات اتهم من خلالها أن رئيس الحكومة ووزيري الداخلية والعدل والحريات، قاموا بمنع الآلاف من المنتمين لحزب الاستقلال من التصويت في مدينة فاس، فضلا عن التشطيب عما سماه 6000 استقلالي”، قبل أن يضيف بأن الاستقلاليين انسحبوا من كل مكاتب التصويت في المدينة، لماذا لأن ثلثي سكان فاس لم يصوتوا، حسب شباط.

   في حزب الاستقلال، وبينما كان شباط في حي الرياض يمهد لتصعيد خطير (الطعن السياسي)، بخلاف إدريس لشكر، الذي كانت تتراوح تصريحاته بين الطعن القضائي والسياسي، كان توفيق احجيرة الوزير السابق البشوش، يحاول زرع الأمل وسط “مأتم” شهده المقر العام، حضره عبد الله البقالي نقيب الصحافيين، وغاب عنه كل القياديين في حزب الميزان، ويفكر بصوت مرتفع في النتائج.

   لم تكن هناك لا ياسمينة بادو ولا عبد القادر الكيحل ولا عادل بنحمزة الناطق الرسمي.. كل استقلالي كان منشغلا بجرته، بينما تفرغ شباط ليمارس التصعيد السياسي.

   لمعرفة خطورة التصعيد الذي تزعمه لشكر وشباط وإلياس العماري، يكفي أن يعرف الجميع أن الطعن السياسي لا علاقة له بالانتخابات في شقها الإجرائي حيث تترك الكلمة للقضاء، بل إن الطعن صيغة أقرب إلى تهديد الدولة ونظامها، رغم أن أحد النشطاء في حزب العدالة والتنمية، قال لـ”الأسبوع” ليلتها: “لا وجود لشيء اسمه الطعن السياسي.. إنهم مطعونون فقد بالنظر إلى النتائج التي سيحققونها..”.

   هكذا إذن أسدل الستار على النجومية الانتخابية التي كان يحظى بها شباط، فشباط ليس مجرد أمين عام لحزب بل هو أحد رموز مرحلة دخلها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وهو ما كان يجد له صدى في المقالات السياسية تحت عنوان: “تنامي الشعبوية”، في هذا الإطار يمكن أن نقرأ الفقرة التالية: “بصعود إدريس لشكر إلى قيادة دفة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عقب انتخابه كاتبا أولا للحزب، اعتبر مراقبون بأن الأضلاع الثلاثة اكتملت في تكوين مثلث ما يسميه الكثيرون شعبوية سياسية بالمغرب، خصوصا بعد قيادة حميد شباط لحزب الاستقلال، وقبله زعامة عبد الإله بن كيران لحزب العدالة والتنمية ورئاسته للحكومة التي أفرزتها صناديق الاقتراع في نونبر 2011″، وقتها كان السؤال المطروح: “هل الشعبوية تحريف للنقاش السياسي وسرعة في التقلب بالمواقف وتغييب للتفكير الاستراتيجي، أم أنها شعبوية مُحبَّذة باعتبارها تبلور خطابا تواصليا جديدا تمكنت من خلاله أن تنفذ إلى المجتمع وتتجاوز به أزمة التواصل السياسي التي بصمت الحياة السياسية في البلاد لعقود خلت” (المصدر: موقع هسبريس 2012).

   سقوط شباط إذن هو سقوط للشعبوية، ولا شك في أن أخطر مظاهر شعبوية عمدة فاس هو الاتهامات التي ظل يجرها خلفه، والموثقة في أرشيف الجرائد: “شباط هو الذي يمدهم (المقصود أبنائه) بالأموال الطائلة من أجل الاستثمار في تجارة المخدرات، فهو يملك الملايير من الأموال السائلة، ماشي هنا في المغرب، بل هي موزعة في أبناك الدول الأجنبية، وعلى رأسها هولندا، إنه مسير الجماعة التي باع أراضيها وحتى مقابرها الكائنة بطريق صفرو، لقد باع هذا الرجل جل الأراضي الخضراء.. إنه يشتري الجميع بطرقه الخاصة.. أنا لا أشكك في نزاهة القضاء، ولكن أؤكد أن السي شباط يستغل سذاجة الناس ويشتري أفراد العصابات ليغيروا أقوالهم في رمشة عين” (مقتطف من تصريحات البرلماني عبد العزيز اللبار للجريدة الأولى، بتاريخ 26 أبريل 2010).

   في المغرب فقط يمكن أن تقرأ تصريحات خطيرة من هذا النوع دون أن يتبعها تحرك القضاء، حيث لم يحاكم صاحب هذا الكلام، وحتى شباط لم يقاضيه، ولكنه ظهر عامين بعد ذلك على صفحات جريدة أخرى ليقول: “إن الواقفين وراء هذا الملف يحاولون الإيقاع بينه وبين وزير العدل، وفصل العدالة والتنمية عن حزب الاستقلال” (جريدة المساء، عدد 1 يونيو 2012).

   وكان سقوط شباط ليلة الجمعة، قد فتح الباب على مصراعيه للسخرية، والبداية من رئيس الحكومة بن كيران، الذي قال ما مفاده أن المولى إدريس مؤسس الدولة العلوية بنى مدينة فاس بينما إدريس الأزمي (الناجح) حررها، غير أن السخرية اللاذعة هي تلك التي نقلها، محمد يتيم القيادي في حزب العدالة والتنمية بعد أن قال: “أكبر اندحار للمعارضة وأكثر هزائمها دلالة هزيمتها في عقر دارها بإنهاء أسطورة من قال في صراعه من أجل الوصول إلى قيادة الاستقلال: إنه سيزحف على باب العزيزية  لكن العزيزية كانت هذه المرة هي قلعته المحصنة  في فاس!! ومن تم كان السقوط مدويا!!”.

   يتيم وهو زعيم نقابي لحزب العدالة والتنمية، قال وهو يمعن في التنكيل بشباط: “حين نتحدث عن النهاية الشباطية فإننا لا نقصد فقط هزيمة لشخص اسمه شباط على الرغم من القيمة الرمزية لإسقاط “عزيزيته” (نسبة إلى باب العزيزية)، بل هي هزيمة لنمط من التدبير الحزبي والسياسي” (المصدر: محمد يتيم في مقال نشره موقع حزب العدالة والتنمية بعد صدور النتائج).

   يمكن القول إن احتلال الرتبة الثانية في الانتخابات بعد حزب الأصالة والمعاصرة هو الذي نجا المغرب من كارثة الطعن السياسي في نتائج الانتخابات، وهو ما يعني عمليا الانتقال صفوف معارضة النظام(..)، غير أن فوز حزب العدالة والتنمية وهو الحزب ذو المرجعية الدينية يقتضي وقفة للتأمل، رغم أن الرابح في النهاية هو المغرب في محيط دولي صعب(..)، كما أن الاعتقاد بإمكانية خلق مجتمع “ديني” حسب بعض المحللين يبدو مستحيلا، “حيث يخلق الديني ثقافة ضمنيا في معظم الأحيان، لأن الدين معيش هو أيضا كثقافة. والإسقاط الثقافي للديني لا مفر منه لأنه ما من مجتمع يمكنه أن يستقيم على مستوى معتقد واضح فقط. ولا يمكن لآلية الحكم أن تعمل إلا إذا انتشر الدين المهيمن في ثقافة، أية منظومة رمزية وخيالية تبرر النظام الاجتماعي والسياسية، بيد أنها لا تجعل من الإيمان شرطا للحياة المشتركة.. إن الامتثال وليس الإيمان هو الذي يقيم مجتمعا: وفي هذا يكمن الفارق بين طائفة ومجتمع” (المصدر: الكاتب أولفييه روا في كتاب الجهل المقدس، زمن دين بلا ثقافة).

error: Content is protected !!