في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الحر | لا وألف لا لإلغاء عقوبة الإعدام

   جرت في الأسبوع الأخير ندوة هامة حول عقوبة الإعدام، وهل ينبغي أن نقوم بإلغائها أو الإبقاء عليها حسب الأسباب والدواعي التي عددها كل من الفريقين، فريق الإبقاء على العقوبة، وفريق إلغائها وحذفها واستبدالها بعقوبة أقل.

والملاحظة الهامة التي خرج بها المتتبعون لهاته الندوة وما جرى فيها من نقاش وحوار طويل، يحسب أن المناقشين والمحاورين ليسوا مغاربة يعيشون في دولة لها أعرافها وتشريعاتها، وتقاليدها، وأنها تدين بالإسلام الذي له موقف واضح ظاهر من العقوبات والجرائم، سواء كانت جرائم حدود أو قصاص أو تعازير، وأن جرائم الحدود معينة ومحدودة لا تتعدى سبعة، وعقوبتها مقدرة حقا لله تعالى، أي لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة، والمقصود من ذلك دفع الفساد عن الناس، وتحقيق الصيانة والسلامة لهم.

وجرائم القصاص وهي التي يعاقب عليها بقصاص أو دية، وعددها خمس في مقدمتها القتل.

ويمتاز كل من القسمين بمزايا وخصائص أهمها أن جرائم الحدود لا يجوز فيها العفو مطلقا سواء من طرف المجني عليه أو ولي الأمر أي رئيس الدولة، وأن جرائم القصاص فالعفو جائز من المجني عليه أو وليه، ويكون السلطان ولي من لا ولي له في حالة انعدام الولي للمجني، كما أن الأمر يحتاج ضرورة إلى مراعاة المقاصد التشريعية للعقوبة في الشريعة وبتوفر شروطه، فإذا لم يكن ممكنا تحقيق غاية للعقوبة الإسلامية وهي مقاصد هامة جادة لابد من بناء العقوبة عليها واستحضارها، كلما هممنا بوضع تشريع أو مراجعته، أو رمنا إلغاءها، فلابد من الرجوع إلى المقصد الشرعي المتوخى لكل عقوبة وخاصة إذا كانت جنائية ناهيك أن علماء الأصول حصروا مقاصد الشارع العامة من التشريع في ثلاثة مقاصد:

أولا: وهو حفظ كل ضروري للناس في حياتهم، وهو الدين، والنفس، والعقل، والنسل والمال.

ثانيا: توفير ما هو حاجي للناس تيسيرا واحتمالا لمشاق الحياة والتكليف، أي ما يرفع الحرج عنهم.

ثالثا: تحقيق ما فيه تحسين لحال الأفراد والجماعة، وهو ما تقتضيه المروءة والآداب وسير الأمور على أحسن منهاج.

من هنا تكون العقوبة هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر المشرع، ويكون القصد منها هو إصلاح حال البشر، وحمايتهم من المفاسد، وإرشادهم من الضلالة، لذلك فهي تمتع الكافة عن الجريمة قبل وقوعها، ويكون حدها هو حاجة المجتمع ومصلحته التي قد تقتضي مصلحة حمايته من شر المجرم مما يقتضي قتل المجرم واستئصاله أو حسبه ما لم يتب أو ينصلح باعتبار العقوبات تأديبا وزجرا يختلف بحسب اختلاف الذنب، إذ الغاية هي حماية المجتمع من الأجرام، كما لو قام قاطع الطريق بالقتل فيجب قتله عقابا له، وتكون عقوبته حدا لا قصاصا، وكما هو الأمر في جريمة السرقة المقترنة بالقتل تعاقب بنفس عقوبة القتل حدا راجع للفاعل، وذلك كله يجعل عقوبة القصاص أعدل العقوبات إذ لا يجازى المجرم إلا بمثل فعله وهي أفضل العقوبات للأمن والنظام، لأن المجرم إذا علم لن يبقى بعد إجرامه أبقى على نفسه قبل إجرامه.

وإذا كان القصاص هو عقوبة القتل العمد والجرح العمد، فإن القصاص مقيد بإمكانه وإذا لم تتوفر شروطه امتنع الحكم به، ولذلك يكون القصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد، أما الدية أو التعزير، عقوبة أقل ما دون القتل، فكلاهما عقوبة بديلة تحل محل القصاص.

وقد جعلت الشريعة عقوبة القتل في أربعة جرائم هي: الزنا، والحرابة، والردة، والبغي، وجعلته من عقوبة واحدة هي جريمة القتل العمد، مما جعلها لا تتوسع في هذه العقوبة، وقد كانت دول مثل إيطاليا وروسيا والنمسا ألغت عقوبة الإعدام لكن بعد التجربة عادت إليها من جديد، فالقياس الصحيح لنجاح عقوبة ما هو أثرها على المجرمين والجريمة، فكيف تقبل أعذار القتلة والسفاكين وهم لا يقبلون عذرا من ضحاياهم؟ فعيب الإعدام يرجع إلى تطبيقه لا إلى طبيعته، وهو إباحة قبول ظروف التخفيف في الجرائم الخطيرة على المجتمع وعلى حياة الأفراد. وبالله التوفيق.

د. يوسف الكتاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!