في الأكشاك هذا الأسبوع

الانتخابات ما قبل الأخيرة: ابتعد الملك.. لكن بقي المخزن

   لعله العنوان الذي يفسر نتائج الانتخابات الأخيرة.. تفسيرا صحافيا، وفقهيا، وسياسيا.

   فباختصار شديد، لم يتدخل الملك نهائيا في هذه الانتخابات.. كما حصل في الانتخابات الأخيرة، وقد تدخل فيها مقربون باسمه، وكان فيهم أقطاب الحزب الذي تأسس بمناسبتها(…) حزب الأصالة والمعاصرة، بزعامة صديق الملك، فكان طبيعيا، أن يصوت الناس لمن يدعم الملك، مثلما كانوا يفعلون أيام الحسن الثاني.

   لم يتدخل الملك هذه المرة، وأعطى التيساع(…)، ما بين الحسيمة وطنجة.. ولكنه وجه ضربة مؤشرة، بتوقيف والي الحسيمة، ليعطي مصداقية ودعما لأول وزير داخلية في المغرب، حصاد، الذي ليس له طموح إلا من أجل دعم مصداقية ما يقال إنه الديمقراطية المستقبلية، وما لم يُقل، هو المتمم لتفسير أطروحة ابتعاد الملك حين أعطتنا الأيام، أن المخزن لم يبتعد عن هذه الانتخابات، والتفسير بسيط.

   لقد أسفرت الانتخابات الأخيرة، رسميا، وعلنيا، بفوز حزب الأصالة في أطراف المدن، وفي التجمعات البدوية، حيث المتصرف ليس هو العامل والوالي، وإنما التصرف موكول لرجال السلطة المحليين، القايد، والباشا، والشيخ، والمقدم، وقدماء البوليس والمخازنية، الذين بحكم ماضيهم، وتكوينهم، يعتبرون أنفسهم في خدمة المخزن.. وحتى إذا كان الملك، الذي منع المخزن، قد قرر وضع حد للتلاعب اللاديمقراطي، إلا أن الخبر لم يصلهم بالتأكيد.

   وستكشف الأيام المقبلة، طال الزمن أو قصر، عن إعطاء التفاصيل، وخاصة فيما جرى بالدار البيضاء، عن تلك الأموال والشيكات التي كان يجمعها بعضهم قبل يوم 4 شتنبر، لفائدة دعم السي فلان، والسي فلان، وحشومة هذا الشيك ما يكفيش، ونحن الذين نريد أن نحكم معكم(…) الدار البيضاء، يجب أن تدعمونا ماديا.

   ولقد غير الإصرار الملكي على وضع حد للتعامل بتمييز مع فئات شعبه، قواعد اللعبة على مستوى عالٍ، ليعتبر استمرار أعوان المخزن، في دعمهم للشواشي المخزنية، ظاهرة معرضة للانقراض، مثلما أشرت الانتخابات الأخيرة على مستوى حزب الأصالة، ببداية انقراض هذا الحزب، بعد أن ابتعد عنه، بشكل واضح، كل أقطاب هذا الحزب، الذي سمي ذات فترة الحزب الملكي. وها نحن نرى النخبة التي اختارها السي فؤاد، في البداية المكونة من الوديع الأسفي، وحسن بنعدي، والزناكي، وغيرهم، لتكون مخلبا لجلب جميع التقدميين والمثقفين، وقد اندثرت، وحدها بدون سبب، بدون أزمة حكم، وبدون صراع مناصب، بل ربما أسهمت النخبة التي أسست حزب الأصالة، في التصويت، داخل المدن الكبرى، وكلهم من سكانها، على مرشحي حزب العدالة والتنمية، الحزب الذي استقطب السكان الواعين، في المدن الكبرى. هذه المراكز البلدية، التي بدأت بحكم التجارب القديمة تتخلص من الثقة في الأسلوب المخزني البائد، بل ويجب التفاؤل بمستقبل زاهر للديمقراطية من الدروس التي أعطاها الزمن، للحزب الذي كان يدعي أنه حزب الملك، رغم أن المغرب كله هو حزب الملك، ويمكن وضع حزب الأصالة والمعاصرة، رغم احترامنا الشديد، لبعض المسؤولين فيه، في طريق الانقراض، أولا: لأن الانتخابات الأخيرة، حرمته من التدخل في تسيير المدن الكبرى التي تعتبر دماغ الأمة المسير، سواء في إطار المجالس البلدية، أو المجالس الجهوية، وثانيا: لأن الأيام الانتخابية(…) كشفت أن حزب الأصالة والمعاصرة، لم يخطط بطريقة علمية، سياسية ولا ذكية، لعملية الانتخاب هذه، وحسبها منذ المنطلق في الجيب، وكيف لا.. وأن جهاز المخزن في المناطق القروية ونسميها المناطق المحررة، من النفوذ الحزبي(…) لم يكن يتصور، ولم يعط تصورا للحقيقة الجديدة، التي وضعت أسسها، يوم أسندت وزارة الداخلية للمهندس حصاد، الذي لازالت محاضر خلافاته لما كان واليا على طنجة، واستنجاداته التلفونية بالديوان الملكي في مواجهة طغيان حزب الأصالة على أكبر موانئ المغرب(…) لتنصيب واحد من أقطابه عمدة للمدينة، سمير عبد المولى، الذي بعدما اكتشف هو أيضا(…) الحقيقة، غادر حزب الأصالة، وانضم لحزب العدالة والتنمية، فتمت إزاحته، وصدرت الأوامر للأبناك قصد إفلاسه، وفي الصراع المفتوح، والتهديدات الجبروتية، وإبعاد الوالي حصاد من طنجة، تم تمرير قطب آخر، بأساليب مستعجلة عمدة لطنجة، في شخص العمري، أخ إلياس العمري، لتكون المفاجأة الكبرى، ملكية(…) بإدخال الوالي المبعد حصاد في الحكومة الثانية لعبد الإله بن كيران.

   وكيف نفهم أن القطب المؤسس لحزب الأصالة في مراكش، خال فؤاد الهمة، نرجس، وقد أصبح بين ليلة وأخرى(…) القطب الأصالي المتحكم في المدينة الضخمة، وها هو نرجس بدوره، يستنجد بعبد الإله بن كيران ليرشحه ممثلا لحزبه في مراكش.. ويرفض بن كيران، ليقول أصدقاؤه: خوفا من أن يغضب السي فؤاد..

   وها هو حزب بن كيران، وقد هددته الصحف الموالية للأجهزة التي على بالكم، يستولي على مجلس مراكش.

   مثلما كانت الرقعة الصحراوية(…) بدورها درسا لحزب الأصالة، والصحراويون معروفون بأنهم كالجمال والنياق، لا ينسون(…) وكيف ينسوا تصريحات قطب الأصالة المهددة في حق القطب الصحراوي، حمدي ولد الرشيد، الذي سمع من القطب الأساسي المتحكم في سياسة البلاد، أنها ستكون آخر مرة يحتكر فيها حمدي، رئاسة بلدية العيون.

   وها هو حمدي، يكتسح العيون وما حولها لتقطع علاقاتها بحزب الأصالة، وربما بالأحزاب الأخرى التي تحالفت في عشاء 10 جوان 2009، في بيت عمر الدبدا، بحضور فؤاد الهمة والشيخ بيد الله.

   وضع يوجز، أن حزب الأصالة، لم يعرف كيف يتصرف مع الوضع الحزبي في الصحراء، فهل عرف كيف يتصرف مع الوضع الحزبي في المناطق الأخرى، وكيف يرشح هذا الحزب، قطبه الناشط بنشماس في وسط مدينة الرباط، ليسقط، وهو الذي كان بإمكانه أن يترشح في مسقط رأسه بالشمال، لينجح.

   وكيف تترشح ابنة القطب العيادي في الرحامنة، قطبة حزب الأصالة، فتيحة العيادي، في قلب مدينة الدار البيضاء، وهي التي تركت مسقط رأسها، ومعدن مكوناتها الرحامنة.

   كثير من الأرقام الانتخابية، كشفت أن حزب الأصالة تعدى حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي في كثير من المواقع إن لم يكن في أغلبها، فيم كانت الكارثة أعظم في مجال المقارنة، فالحزبان الأولان في المغرب، الاستقلال والاتحاد أصيبا في مقتلهما بالداء السفاك، داء الأسلوب المخزني، خصوصا عندما أسلم هذان الحزبان مقودي موكبهما، إلى شخصين، اختارا هما أيضا، الأسلوب المخزني، لحل مشاكل الشعب(…) ليفاجئهما أيضا، بأن الأسلوب التقليدي للمخزن، أصيب مثلهما في مقتل.. بل إنهما، الاشكر وشباط، فتحا أذرعهما لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو ليس من جيلهما، ليتحالفا معه تجاه غاية واحدة هي إسقاط حكومة بن كيران، بينما الدروس الأساسية في المدرسة السياسية، تضع السياسة الوطنية العليا فوق الأشخاص، وتبني عظمة الأحزاب على أكتاف الرجال العظام.

   مباشرة بعد ظهور النتائج، وضع أستاذ جامعي أحمال المسؤولية على أكتاف الأحزاب التي لم تستطع التغلب على حزب العدالة والتنمية، مؤكدا عنوان موضوعنا هذا “ابتعد الملك”: ((الإجماع بين مختلف الفقراء على حياد الإدارة وعدم تدخلها في توجيه النتائج، والأحزاب المنافسة – لبن كيران – في حد ذاتها وبعض قياداتها غير المحترفة(…) التي لم تكن تترك الفرصة لمهاجمة الحزب – حزب العدالة – والتهجم عليه الشيء الذي استغله الحزب بذكاء(…) لكي يضع نفسه في موقع المظلومية، فضلا عن الدهاء الكبير الذي يتمتع به عبد الإله بن كيران لأن المهم في الزعيم(…) أن تكون له كاريزما وأسلوب وحضور)) (رشيد لبكر. المساء 7 شتنبر 2015).

   هذا هو الواقع السياسي الذي أعطت انتخاباته الكلمة الأخيرة لحزب بن كيران، ولعلها العناصر التي افتقدتها قيادات الأحزاب الأخرى التي لم تحصل من البلديات إلا على الفتات، ومن الجهات إلا على التراب.

   وها نحن نرى كيف تسلط المصوتون في مختلف جهات المغرب، على مجموعة الرؤساء السابقين للجهات والعمالات، وقد أصبح الكثيرون منهم جبابرة ودكتاتوريين، صغار. واقرؤوا ما كانت تكتبه الصحف، عن شباط في فاس، والعمري في طنجة، وولعلو في الرباط، وساجد في البيضاء، وحجيرة في وجدة، وغيرهم ممن ساطت فيهم رياح الغضبة الشعبية، باتفاق مقصود.. كمؤشر إلى أن الانتخابات الأخيرة، كانت وستبقى ضمانة على أن المستقبل أفضل.

error: Content is protected !!