في الأكشاك هذا الأسبوع

الرباط يا حسرة | الرباطي الذي خاطب العالم من القدس الشريف

بقلم. بوشعيب الإدريسي

    في مثل هذا الشهر من سنة 1931، اعتلى منصة الخطابة، وأين؟ في مدينة القدس الشريف بفلسطين المحتلة، ليوجه نداء إلى العالم، مختتما انعقاد أول مؤتمر إسلامي في تلك الديار الفلسطينية، ليلفت أنظار المؤتمرين إلى معاناة الشعب المغربي مع الاستعمار، وليدشن بذلك انطلاقة العمل النضالي للحركة الوطنية ومن مدينة القدس الشريف.

ولم يكن صاحب هذه المبادرة التاريخية سوى الرباطي الوطني والمجاهد والعلامة المرحوم الشيخ محمد المكي الناصري، رحمه الله، الذي اغتنم وجوده بالقاهرة لإتمام دراسته، والتحق بالقدس الشريف لتبليغ معاناة المملكة ملكا وشعبا من ظلم وبطش المستعمر، ولحث الدول المحبة للسلام والحرية على المساندة والتعبئة والضغط لإنقاذ المملكة من العبودية التي فرضها عليها الاستعمار، وكان ذلك الخطاب التاريخي بداية لتدشين نضال الحركة الوطنية.

وعند عودته إلى أرض الوطن المغصوبة، التحق بالمنطقة الشمالية ومنها جند قلمه لكتابة ونشر مئات المقالات في الصحف الإسبانية “ومنطقة الشمال كما نعلم كانت خاضعة للنفوذ الإسباني”، وألف عشرات الكتب لإثارة الرأي العام العالمي لمعاناة الشعب المغربي، كما تحمل مهام صلة الوصل وقنطرة الاتصال الوطني والروحي بين المنطقتين الشمالية والجنوبية.

وفي مدينة تطوان أسس حزب “الوحدة المغربية” ليكون لسان حال الحركة الوطنية في الشمال، لتنوير ممثلي العالم في مدينة طنجة التي كانت عالمية، بتشبث الملك والشعب بالحرية والاستقلال، وظل هناك مجاهدا مكافحا مناضلا حتى بزوغ فجر الحرية والاستقلال، ليعود إلى مدينته الرباط بعدما فارقها حوالي 25 سنة كانت كفاحا وجهادا ونضالا من أجل المملكة.

وفي الرباط قال قولته المشهورة: “سأعود إلى رسالة أبائي وأجدادي، وإن ما كنا نكافح من أجله قد تحقق وهو الاستقلال والوحدة فينصرف كل واحد إلى جهاده الكبير”.

رحم الله هذا الوطني الكبير والمجاهد الذي كان من أنبل وأشرف وأنزه رجال الحركة الوطنية، فلقد تقلد بعد الاستقلال مهاما سياسية وإدارية ودبلوماسية وعلمية، سرعان ما فضل عليها ما تمناه، العودة إلى رسالة الآباء والأجداد، رسالة العلم والعرفان وتنوير العقول، فانضم إلى عضوية أكاديمية المملكة، وترأس الأمانة العامة لعلماء المملكة، وأصبح رئيس المجلس العلمي للعدوتين الرباط- وسلا إلى أن انتقل إلى جوار ربه، رحمه الله، وهو الذي ملأ قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا بأنوار الإيمان ودراساته وأبحاثه وتفاسيره في مختلف أصناف الفكر والثقافة وآيات القرآن الكريم، وبقيت منجزاته الخالدة التي خلدها للبشرية نورا يقتبس منها الملايين من المسلمين ولا تزال الإذاعات تذيع هذه التفاسير إلى اليوم.

كنا نتمنى من الذين يدعون الانتساب إلى الحركة الوطنية، لو فكروا في تخليد الذكرى 82 لوقوف هذا الهرم الرباطي وعميد المكافحين على منصة المؤتمر الأول للدول الإسلامية المنعقد في القدس الشريف، ليعلن للعالم تشبث المغاربة بالحرية والاستقلال، فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!