في الأكشاك هذا الأسبوع

كيف يمكن ضمان المحاكمة السليمة للجريمة الإلكترونية؟

   هناك من يعتقد بأن التحرش الجنسي أمر عادي لا يستدعي قانونا لمحاربته، على اعتبار أن عبارات الغزل والمدح تحرش خفيف.. عفيف.. ظريف.

   وهناك من يحمل بعض النساء – اللواتي يتزين بمساحيق الماكياج، ويتضمخن بالعطور الفواحة، ويبرزن مفاتنهن وسط الفساتين الشفافة، وفق أحدث صيحات الموضة – قدرا من المسؤولية في إثارة غرائز الرجل، المنهار أمام الجسد الرشيق: يحملق.. ويصفر.. ويتبع الخطوات المتمايلة، فينتهي به المطاف في الأخير إلى المضايقة والإزعاج.. في الشوارع.. والحافلات والقطارات.. والملاعب أو القاعات الرياضية.. والمؤسسات التعليمية.. وفي أماكن العمل.. والمطاعم والمقاهي.. والأسواق التجارية.. وغيرها.

   هناك بعض ثالث يرى أن شباب اليوم أو “جيل التواصل الإلكتروني”، بعيدون عن القيم والأخلاق، يتربصون بالفتيات وهم حليقو الرؤوس، يتغنون بأناشيد الإلتراس، ويتفوهون بالكلمات الساقطة، يمتطون دراجات نارية ضخمة، لاستمالة قلوب الفتيات.

   هناك نوع آخر من التحرش يطلق عليه: التحرش الإلكتروني، وهو عكس التحرش العادي يستمد تقنياته من العوالم الافتراضية وليس من الشارع أو الفضاء العمومي، ومسألة إثبات ارتكابه تحتاج إلى قرائن تستند عليها المحكمة من قبل الشهود أو صور أو مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية، لكن لا يعول على قرائن إلكترونية يمكن التلاعب بكلمة سرها وبمضامين رسائلها الإلكترونية وقرصنتها.

   إن جرائم التحرش الإلكترونية تحتاج إلى معطيات خاصة قد لا تتوافر في القضاء العادي، وتعتمد على مدى إلمام القاضي بالنواحي التقنية الخاصة بالحاسوب والتقدم المعلوماتي، لتتضح الصورة أمامه لأنه لا يتوافر بين يديه دليل مادي، كالمستند الخطي أو أقوال الشاهد أو تقرير الخبرة. وهذا ما حذا بالمشرع إلى منح القاضي سلطة تقديرية على مستوى هذه العقوبة رغم تنصيص القانون وتشديده للعقوبات، وإلى إدراج المستجدات المعلوماتية ضمن مناهج التكوين بالمعاهد القضائية، لتتوفر لدى القاضي آليات المحاكمة السليمة.

   فقد تتخذ هاته القوانين ذريعة من بعض الفتيات والنساء، من أجل تقديم دعاوى كيدية، ضد أي كان، قصد تلفيق التهم له وتلطيخ صورته، والإطاحة به وابتزازه، خصوصا إذا كان المتهم من الشخصيات الوازنة داخل المجتمع.

   وغير بعيد عن هذا السياق، لا يمكن محاربة شباب – يجهلون ما ينتظرهم من عقوبات – بقسوة، وهم في مرحلة مراهقة، ونجعل منهم مجرمين مجانين، لأنهم ضحايا العنكبوت المعلوماتي الذي سحر ألبابهم واحتل عقولهم والتف بشباكه على أرواحهم. 

   إن مناهج التربية الجيدة والرقابة الأسرية، هما كفيلان بتوجيه مراهقي اليوم، رجال ونساء الغد، نحو القيم السامية والأخلاق الفاضلة، المبنية على الاحترام المتبادل وتقدير الآخر.

      هشام النخلي

 

error: Content is protected !!