في الأكشاك هذا الأسبوع

“وصفة قديمة” وانتخابات جديدة

بقلم: محمد بركوش

   الخطاب الملكي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى 20 غشت كان قويا بشهادة الجميع وإجماع الكل، قوي بمضمونه وسلاسة لغته التي تفاعل معها الشعب المغربي ودلالاته الضاربة في العمق، خصوصا عندما وضع المواطن والأحزاب أمام مسؤوليتهما، وحث الأحزاب على تحملها بنزاهة وأمانة من أناس يقدرونها حق قدرها ولا يوازنون بينها وبين مصالحهم الخاصة، وهو تذكير بما تعاني منه مجالسنا وجماعاتنا وجهاتنا من استهتار خرافي بمصلحة الفرد والجماعة والمجتمع أيضا.. قوي أيضا بالدعوة إلى المشاركة المكثفة الواعية المسؤولة التي لا ينساق معها “الناخب” وراء الوعود الكاذبة والمغريات المادية و”قوالب السكر” والخطابات الجوفاء التي تلوث الذوق وتسيء إلى السامع، لنكون جميعا في الموعد التاريخي الذي اعتبره الملك محمد السادس ثورة أخرى تعادل إلم أقل تفوق ثورة 1953، من أجل أن نسد الباب ونُحْكم إغلاقه على المفسدين والمارقين سياسيا، الذين يجدون الفرصة دائما وأبدا في الفراغ وعدم المشاركة والعزوف المتولد عن الملك وانعدام الثقة وتخلٍ عن مهمتها التي تؤهل المواطن وتؤطره ليكون صالحا وتخليقه بالفعل السياسي النظيف، حتى لا يركن إلى “التخمام” والسخط على الوضع والانبطاح أمام الظلاميين والإرهابيين رواد الفتن والفوضى، ولذلك ربما الخطاب بين الديمقراطية والنزاهة والاختيارات الصائبة وبين الاستقرار وأمن البلد وطمأنينة أهله.

   الخطاب الملكي أدخل المغرب مرحلة جديدة كما قيل، ينتظر منها أن تسوي “البوصلة السياسية للمملكة” في الاتجاه المرغوب فيه والمنشود، بعدما استقرت الأمور وهدأت زوبعة الحراك الشعبي، وراكم الحزب الحاكم الذي “تسلم السلطة” كما قال المهدي الكراوي “وسط الصراخ وانتهى في صورة عابر سبيل وحيد في الطرقات”، قلت “راكم أخطاء كونت حصيلة سلبية سيحاسب عليها على غرار باقي الأحزاب الأخرى”. سَطَّرَ أي الخطاب معالم المرحلة الآتية “وهي مرحلة حاسمة بلا شك”، وشدد على أهمية زرع بذور فعل مستقبلي في نفوس المواطنين وبالأخص الشباب، ودفع هذا الأخير للعمل السياسي داخل هيئات وتكتلات “تتوفر لديها فرص عملية التأهيل أخلاقيا وسياسيا ووطنيا”، وذلك عن طريق الارتقاء بالديمقراطية الداخلية وإشراكه في اتخاذ القرارات المهمة والصعبة والتي تكون في الغالب امتدادا لمشاغله ومشاغل الوطن ككل، وتحفيزه على المشاركة في الاستحقاقات المقبلة، والتي يراها ملك البلاد ذات أهمية بالغة توازي أهمية التصدي للإرهاب الذي حصرت عوامل هزمه في الديمقراطية ثم الديمقراطية.

   إن ما ينتظره المغاربة قاطبة من المرحلة المقبلة (والتي نتمنى أن يرقى بها المعنيون بالأمر) هو أن تفرز الانتخابات حصيلة بشرية، إن صح التعبير، في مستوى التطلعات قادرة على تحمل المسؤولية ومسح ما علق بالذاكرة من صور لوجوه وأحداث طرية وأفعال مشينة، وعلى إحياء الأمل في نفوس المغاربة الذين ظل منسوب حيرتهم في تزايد بتزايد الإساءة إلى اللعبة السياسية التي هي لعبة جدية وليست مسرحية هزلية كما قال المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، الهدف منها هو “التسلح بثقافة المواطنة وتحويل اللحظة إلى فرصة لانبثاق الأمة وجعلها مناسبة لقول الحقيقة للشعب” وأيضا لمحاسبة المنتخبين السابقين والمسيرين والمشرفين على المصالح، إن ما ننتظره جميعا هو أن تغير بعض الأحزاب “الوصفة القديمة” التي حصلت بها على جواز المرور لدار المخزن كما قيل، وأن تتخلى كليا وبصفة قطعية عن الشعارات المتآكلة لأن هذه الأخيرة مثل علب الحليب، حسب قول عبد الله الدامون، تنتهي صلاحيتها بانتهاء المدة المضروبة لها، خصوصا إذا كانت لا تغني من جوع ولا تعالج أعطابا ولا تحقق ارتياحا ولو نفسيا على الأقل، بقدر ما تحرك أوجاعا وتؤجج أحقادا دفينة وتعيد شريطا بل أشرطة لا يمكن للمطلع عليها ألا يجن أو يلطم رأسه بالجدار، وأن تمنع التسول الانتخابي الذي يربك كل الخطط والمناهج، وتبني وجودها على برامج واضحة وجدية تختلف عن البرامج الأخرى القائمة على قراءة الطالع والضرب على الوتر الأخرس كما قيل، وأن تتوفر على آلة انتخابية جاهزة على الدوام (وليس للحظة دائبة أو فائتة) يتحكم فيها مثقفون ومناضلون شرفاء يمارسون المعنى السياسي المكابر ولا يتركون الكلام للرياح الهوجاء التي تفقده كل معنى ويملأون الساحة حتى لا يغزو المال الحرام وشبه الحرام، ويسيطر أصحابه على النتائج التي تخدم الكبار كبار المسؤولين الذين نزلوا كلهم إلى حلبة الصراع للدفاع عن أحزابهم (رغم أنهم غير مرشحين)، مما جعل البعض يتساءل: هل سيسارع رئيس الحكومة المغربية إلى الاقتطاع من أجورهم (بسبب الغياب)، كما هو ديدنه مع الموظفين الصغار الذين ينظمون الوقفات احتجاجا على أوضاعهم المزرية وكرامتهم التي تداس من طرف كبار رؤسائهم كلما خالفوا الأوامر، قلت نزلوا بثقلهم ووسائلهم (العامة طبعا) وفرضوا المقربين منهم بقوة ما بعدها قوة، الشيء الذي جعل بعض الشخصيات (التي ترفض التوقيع معنا على موعد مع عد مغاير لما هو سائد) تعلن عن فوزها قبل إعلان النتائج بأكثر من أسبوع في سياق غير قانوني، لأنه يتعارض مع سرية الاقتراع ويتنافى مع المنافسة الشريفة التي هي مدار كل استحقاق بعيد عن المال والبلطجية والأعيان وكل حياد سلبي.      

error: Content is protected !!