في الأكشاك هذا الأسبوع

من يصوت في الانتخابات؟؟

بقلم: يحيى عمران

   “النخبة المثقفة لا تصوت في الانتخابات” قالها بيد الله: رئيس مجلس المستشارين، في أحد حواراته مع جريدة وطنية.

   مع اقتراب كل محطة انتخابية بالمغرب تتناسل الأسئلة حول ماهية الكتلة الناخبة، المصوتة في الانتخابات بمختلف أنواعها التي تشكل وقود الأحزاب السياسية، ودعامتها الشعبية للوصول إلى مواقع القرار وتدبير السياسات المحلية والجهوية والوطنية.

   من يصوت؟ سؤال جوهري حارق يؤطر المرحلة. من هي هذه الفئة؟ ما مواصفاتها؟ مستواها المعرفي؟ أهدافها وطموحاتها؟

   ثمة مؤشرات جمة تبرز ماهية هذه الفئة المصوتة من خلال الحملات الإشعاعية التي تخوضها الأحزاب في المناطق والأحزمة المهمشة.

  • الخطابات والشعارات المرفوعة التي تجعل في عمقها الطبقات الشعبية مصدرا للتغيير والإصلاح.

  • التضامن السياسوي والانتخابوي الذي تعبر عنه الأحزاب مع هذه الفئة عبر أعلامها وأذرعها السياسية والجمعوية والنقابية.

   يتم توظيف الطبقة الكادحة من طرف الأحزاب، إذ تعتبر محاضن للأمية والجهل، باعتبارها في نظر هؤلاء السياسيين مقابر للضحايا، والضياع والتشرد، وأوكار للدعارة والاستغلال، فضلا عن ارتماء شبابها وشاباتها في أحبال الرذيلة والجريمة والإرهاب.

   من يصوت في الانتخابات المغربية؟ طبقة فقيرة، تنتشر مثل الفطريات في محيط أحزمة الفقر والتهميش، تتكاثر بدون قيد أو شرط، تتخذ من تحسين وضعيتها هدفا تتغيى الوصول إليه بغض النظر عن سبله وأساليبه.

هذه هي الطبقة التي تتجه يوم الامتحان، يوم الحسم، يوم التصويت إلى مكاتب التصويت، تبيت ليلا تحت رحمة الأحلام، رافعة سؤال: لمن نصوت، وماذا سيقع بعد التصويت؟

   يتم إيهامها بإمكانية إنقاذها مما هي عليه عبر خطابات وردية زائفة، وشعارات وهمية حالمة. ويتم تعبئتها وتبنيجها بحقن التغيير والأمل والاغتناء والاستجابة لمطالبها بدءا بالجماعة المحلية وانتهاء بالوزارة.

   من يتوجه إلى صناديق الاقتراع ليس الطبقات الغنية التي ترى في السياسة لعبة الكبار. فهي بالنسبة لهذه الطبقة مصعد وسلم للترقي الاجتماعي ولاستثمار المالي وبناء الشركات وإعداد المقاولات وصناعة العلاقات.. وممارسة أشكال التربح الذي يقود مباشرة إلى امتلاك السلطة واعتلاء عرش القرار.

   وليس الطبقات المتوسطة التي تم اختبارها عمدا من قبل الكبار لإعدامها اجتماعيا واقتصاديا خوفا من فرص تجاوزها وصناعة خريطة خاصة بها.

   وفي مقابل هذه الطبقات المتوسطة التي استفادت من امتيازات وترقيات على مستوى السلم الاجتماعي في الحوارات الاجتماعية بعد الإضرابات والاحتجاجات على مستوى الأجور، وهي التي تصنع الرأي العام باعتبارها طبقة وسطى، تضطلع إلى خلق التوازن الاجتماعي، وهي الواعية المتعلمة المفكرة، والمستقرة اجتماعيا وماديا على خلاف الفئات المهمشة، يستطيع المتابع أن يصنع القرار عبر علاقاتها ونفوذها الواسع، وتخلق الحدث.

   فهي طبقة لا تصوت بل ترى الأمر مجرد تبادل للأدوار في مسرحية مسجلة سلفا يسير فصولها غول شرس يلتهم الجميع متى شاء وأنى شاء.

   من يصوت اليوم، هي هذه الفئة المهمشة التي يتم العزف على أوتارها الرنانة لكسبها واستقطابها بالشعارات والوعود العسلية.

   طبقة النساء، التي تدبر عن الصندوق صباحا وتقبل عليه مساء، وبشكل مفاجئ، دون أن يتم معرفة ماذا وقع وكيف وقع، وما سر هذا التحول؟

   ولتعرف حكاية هذا التحول، لا يسعك إلا أن تسأل إحدى النسوة من اللواتي يقمن بمهمة الشحن والتعبئة، من خلال الإغراءات المادية من قبيل “القرفية والزرقلاف” التي توزع في الحمامات والأفرنة والصالونات والأسواق والساحات العمومية والأعراس والمآتم، بل حتى المساجد لم تسلم من هذا الأمر.

   فالنساء اللواتي يستسلمن أمام هذه الإغراءات السمينة بالنسبة لهن، على هزالتها، يشكلن معادلة حاسمة ومصيرية في ربح أو خسارة مدمني الانتخابات ومهندسيها.

   وإذا كانت هذه الطبقة تحتل المساحة الكبرى في عرض الانتخابات المغربية، فثمة طبقات اجتماعية مهمشة أخرى تتقاسم مع النساء هذه المساحة الملغومة، وهي طبقة كبيرة من غير المتعلمين والمتمدرسين من مختلف الحرف والمهن البسيطة والمؤثرة؛ من فئة الإسكافي والجزار والحارس الليلي، وحراس المرآب، وحارس السيارات، وبعض الباعة المتجولين، وعمال الموقف، وخدام الحمامات، والبستاني، وأصحاب سيارة الأجرة…

   دون أن يعني هذا أن هذه الفئات أمية سياسيا، بل تتأثر أكثر بالخطابات الانتخابية ووعودها العسلية وشعاراتها الأفلاطونية.

   حاصل القول، من يقول إن متخصصي الانتخابات الجماعية المغربية من فئة الأعيان والدهماء التي لا تعرف شروط العمل الانتخابي بمختلف معطياته وتلويناته من عوامل القوة والضعف داخل العملية الانتخابية، وما تفرزه من ربح أو خسارة فهو واهم غير عارف بمكنونات اللعبة الانتخابية وصفقاتها التي ترفع أسهمها طبقات مهمشة معرفيا وتعليميا وماديا.. تنشد مستقبلا أفضل.

error: Content is protected !!